الحلقة الثالثة

عربيات: الانقسام بالسلط لم يكن على أسس عشائرية بل فكرية

تم نشره في الأربعاء 7 كانون الأول / ديسمبر 2016. 09:40 مـساءً - آخر تعديل في الخميس 8 كانون الأول / ديسمبر 2016. 06:55 مـساءً
  • رئيس مجلس النواب الاسبق عبداللطيف عربيات - (تصوير: محمد أبو غوش)
  • عربيات (الثالث من اليمين وقوفا) ومجموعة من رفاق الدراسة الجامعية - (من المصدر)

محمد خير الرواشدة

عمان - يواصل رئيس مجلس النواب الأسبق والسياسي المخضرم القيادي في صفوف جماعة الاخوان المسلمين الدكتور عبد اللطيف عربيات سرد محطات من ذكرياته عن مرحلة الدراسة في مدينة السلط، وبدايات تعلقه بنشاطات الجماعة في مدينته ومسقط رأسه.
وفي الحلقة الثالثة من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر" مع "الغد" يتوقف عربيات عند تجربة الحياة الحزبية خلال خمسينيات القرن الماضي، التي شهدت حراكا حزبيا منظما. على أن الحالة الحزبية في تلك المرحلة شهدت صراعا فكريا بين الإسلام واليسار والقومية والعلمانية الغربية، حيث كانت تعمل في الميدان أحزاب تحمل هذه الأفكار، مثل: الإخوان المسلمين، حزب التحرير الإسلامي، والبعثيين والشيوعيين والقوميين العرب وغيرهم.
ويذكر عربيات أن اشتباكا بالأيدي وقع فعلا في مدرسة السلط الثانوية، وعلى خلفية المواقف السياسية للطلبة، ويقدم عربيات تفاصيل تلك المشاجرة التي شارك بها مع زملاء له ينتمون لجماعة الاخوان المسلمين.
لكن المفارقة التي يقف عندها عربيات في حلقة اليوم كانت رصده للفرق الكبير للتجربة السياسية بين عامي 1952 والعام 2016، فبعد أكثر من نصف قرن، يتساءل: كيف كنا وكيف صرنا، وكيف انحطت المبادئ والأفكار عند عامة الناس، ما الذي حدث؟ وما هي معاول الهدم التي تفعل فعلها في مجتمعاتنا!!.
وكان عربيات تطرق في الحلقة الثانية أمس إلى المنافسة التي احتدمت بين الجماعة وحزب التحرير، والمناظرات التي أقيمت من أجل إثبات كل طرف لوجهة نظره، وكيف أن الشيخ تقي الدين النبهاني انسحب من الجماعة من أجل تأسيس حزب التحرير الذي عاب على الإخوان طريقتهم في الوصول، ووصفها بأنها فاشلة، وأن الطرق الانقلابية وليست التربوية هي التي توصل إلى الهدف في تحقيق وتطبيق شرع الله في المجتمع.

* من المفاهيم التي تطرقت إليها في أوراقك الخاصة، كان هناك عنوان لافت، مضمونه يشير إلى أن العشائرية في الأردن وقفت إلى جانب فكر الأمة وعقيدتها. هل لك أن تفسر ذلك الآن؟
- مطلع خمسينيات القرن الماضي كان بداية عمل حزبي منظم، وصراع فكري بين الإسلام واليسار والقومية والعلمانية الغربية، وكانت تعمل في الميدان أحزاب تحمل هذه الأفكار، مثل: الإخوان المسلمين، حزب التحرير الإسلامي، البعثيين والشيوعيين والقوميين العرب وغيرهم، وكان يقود هذه التيارات المعلمون الذين درسَ أغلبهم في الجامعات الأميركية في بيروت وسورية والعراق ومصر، ولم يكن يومها في الأردن جامعة واحدة، وتصدر لحمل هذه الأفكار الطلاب في الثانوية، وفي مقدمتهم السلط والكرك وإربد وعمان.
حول الأردن كانت هناك حكومات وأحزاب وإذاعات وصحف تدعو إلى مثل هذه الثورات الفكرية، وتعززت بانقلابات في سورية ومصر، وتبنت هذه الانقلابات قوى عالمية، مثل: قوى الاشتراكية الدولية والرأسمالية العلمانية الغربية، وما تحمله من أفكار فصلت فيها بين الدين والقومية، وروجت للعلمانية المادية، وقادت عمليات التشكيك بقدرة الدين على حل مشاكل المجتمع، وبعضها قاد إلى التشكيك بمقدرة الأمة على النهوض من دون اللحاق بالتيارات الاشتراكية الإلحادية الشرقية أو العلمانية المادية الغربية.
هذه الأجواء الصاخبة في الفكر المتناقض والآيديولوجيات التي لا تلتقي على قواسم مشتركة، تجمع الطلبة على أسس نهضة الأمة وتحقيق أهدافها العليا. كل هذا شكل انقسامات وشروخاً حادة بين الطلبة.

* أنت تقصد أن المشاجرات التي كانت تحدث في مدرسة السلط بين الطلبة كانت على أساس سياسي، وليس لها اتصال بأي جانب اجتماعي عشائري جهوي؟
- لقد حصل فعلا في بعض الأحيان اشتباك بالأيدي داخل المدرسة الواحدة وخارجها، وأذكر أنه تصادف أن اختلى بعض الطلبة القوميين واليساريين بالأخ غالب أبو عبود، رحمه الله، وضربوه بسبب الخلافات الفكرية التي أشرت إليها، كان الحادث خارج المدرسة، وسجلت قضية في المحكمة وتوترت العلاقة بين الطلاب جميعاً في المدرسة، فمنهم بين مؤيد للأخ أبو عبود، ومطالب بالرد السريع، أو كانوا من التيار الآخر الذي لم يحرك ساكناً في حل المشكلة.
وبدأ الإسلاميون يتحفزون للرد وينتظرون سبباً للقيام بذلك. وقتها كان مدير المدرسة الأستاذ جريس القسوس، وطلب البعض من المدير التدخل في الأمر، فعلمت أنه قال: "هذه قضية خارج المدرسة، وهي في المحكمة". ولم يتدخل فعلياً لحل المشكلة.
توتر الجو الطلابي والكل ينتظر وقوع المشكلة بأي لحظة، وفي يوم الأربعاء 15-11-1951  وبعد الحصة الثالثة، خرج طلاب الصف الثانوي الأخير، وذهبوا إلى الغداء لعدم وجود معلم؛ لأن النظام كان فيه أربع حصص صباحية، ويوجد ساعة للذهاب للغداء والعودة إلى حصتين بعد الظهر. خرجت من صفي المقابل، وكنت في الصف قبل الأخير، ولحقت بالأخوين غالب أبو عبود، ورضوان حياصات، فرآني المدير وقال لي: "أين يا عبد اللطيف عندك حصة؟"، فقلت له: "لا أريد أن أحضر الحصة". والتحقت بالصف الذي خرج من المدرسة. وشككت من ساعتها أن المدير عرف أن هناك شيئاً يدبر.
أثناء عودتنا إلى المدرسة بعد الغداء، بحثنا الأمر؛ الأخ غالب والأخ رضوان وأنا، وقلنا: يجب أن نبدأ تحت أي عنوان، واتفقنا أن نبدأ في صف الأخوين غالب ورضوان، ويرد غالب ورضوان على الاعتداء أولاً، ثم بعدها يشارك الطلاب بشكل أو بآخر.
وفعلاً قبيل الحصة الخامسة تحرش الأخ رضوان بطالب من صفه يقف أمامه، فضربه وكانت إشارة الرد في كل المدرسة. يومها كان هناك مطر خفيف والطلاب في قاعة المدرسة المواجهة لمعظم صفوف المدرسة الثانوية، وقام البعض بإغلاق البابين الرئيسين، وكنا نرى الطلاب إما ضارباً أو مضروبا، حتى الأذنة كانوا منحازين لجانبنا. وكانت في جانبنا أعداد لا بأس بها، وبالمقابل كان العدد ليس بالقليل. تدخل المعلمون ومنهم عودة العمارين، وهو يحمل عصا يستخدمها للحجز بين الطلاب، وحاولت أخذها من يده، فقال لي: "روحي تخرج قبل أن أعطيك إياها"، فتركته وكانت بيننا صداقة وتقدير.
رأيت أحد الأساتذة يفتح باب المختبر ويخرج قضبان حديد استخدمها بعض الطلاب اليساريين، والمدير لم يكن وقتها في المدرسة، وهنا حللّ البعض أنه تأخر حتى لا يحضر المعركة. حاول الأستاذ علي خريس الاتصال بالشرطة، ولكن الإدارة كانت مغلقة، وفيها التلفون الوحيد، فقام بمساعدة البعض بخلع الباب والاتصال بالشرطة، وفعلاً اتصل وأخبرهم بما يجري.
في هذه الأثناء وصلت قوات الشرطة والدرك، ووجدوا أن الكل يشارك، فلا تعرف من المعتدي ومن المعتدى عليه، وكانت الغلبة للاتجاه الإسلامي إلى حد ما، ووقع بعض الطلبة من الطرف الآخر على الأرض مغمى عليهم، وضُرب بعض المعلمين الذين انحازوا للطرف الآخر، وتم كسر مجمع الزجاج على الطاولة الكبيرة التي بداخلها الكؤوس في وسط القاعة، كان في مقدمة الضاربين رضوان، وغالب، وإسحاق، وهاشم أبو عبود، وأنا، ومن الطرف الآخر، عز الدين الضرغام، وسالم عربيات، حيث أصيبا في هذه الحادثة.
ومباشرة قمنا بوضع  خطة: أن نتقدم بشكوى مسبقة بأننا المعتدى علينا. فقلت للأخ غالب: قدم الشكوى بأننا المعتدى علينا. وفعلاً، سجل ضباط الشرطة والدرك أن المشتكي غالب أبوعبود وجماعته، والمشتكى عليهم الطرف الآخر.
طلب ضباط الشرطة من المعلمين تسجيل المشاركين من الجانبين، ولاحظ الضباط أننا هادئون، والطرف الآخر هو الذي يشتم ويتوعد ويتهدد، فقاموا بضربهم ولم يفطن الطرف الآخر إلى الخدعة إلا متأخرين.
أخذوا من الطرفين حوالي ثمانين طالباً إلى سجن الدرك في مركز الفرسان، وجمعونا في باب إسطبل الخيل، وقال شاويش من الدرك: الكل يدخل الإسطبل. قلت له: "لا، نحن لا ندخل الإسطبل"، فحدثت مشادة كلامية بيننا وبين الشاويش.
حاول الطرف الآخر الرد علينا بخدعة في المقابل، فأوعزوا إلى بعضهم بالدخول حتى نتعرض نحن إلى اعتداء الدرك، فدخلوا وملأوا الإسطبل، فقلت للشاويش: امتلأ الإسطبل. فقال: أين يذهب الباقي؟ قلت له: إلى ساحة نادي الضباط. فقال: تعالوا معي.
أخذنا إلى الساحة، وفيها كراسي ومكان مشرف، وهو لا يعرف ما الذي حصل، حيث تجمع الطرف الآخر في الإسطبل، ونحن في ساحة النادي نجلس على الكراسي.
أذّن المغرب في تلك الأثناء، وبدأنا نتوضأ على حنفيات أحواض الخيل أمام الإسطبل، وقلت للأخ حسان بدران: أذِّن يا حسان، فوقف في باب الإسطبل وأذن بصوت عالٍ، وأصبحنا نسمع الصيحات من الداخل، وأصوات تقول: هذا أذان معركة بدر!
حين وصل الخبر إلى الأهالي، هرع أهل السلط، ومن جميع العشائر، إما استفساراً أو نصرةً لابن أو قريب، وتجمع الناس خارج الموقع الذي كنا فيه، وكان الصوت عالياً لنصرة الإسلاميين، وهتافات ضد الآخرين أو معهم، ولكن الغالب كان "نصرة لأهل الدين"، كما كانوا يعبرون عنها، ولم يظهر أي صوت عشائري ضد آخر، بل إما مع هذا الطرف أو الطرف الآخر، وهي انقسامات فكرية وعقائدية.
هذا ما أردت قوله إن السلط بعشائرها لم تنقسم عشيرة ضد عشيرة، بل فكرة ضد فكرة وهذا مثل نسوقه لما يجري اليوم في جامعاتنا مع الأسف الشديد.

* وعلى ماذا انتهت المشاجرة، من انتصر قضائيا؟
- عندما وصل وفد وزارة المعارف برئاسة الأستاذ وكيل الوزارة، ألقى كلمة في الجميع، وقال: بون شاسع، ثمانون طالباً من المدرسة إلى السجن! كيف يحدث هذا؟!
وجرى التحقيق، وتم إيقاف حوالي عشرة طلاب عن المدرسة كنت واحداً منهم، وبعد التحقيقات مع الجميع وبمشاركة بعض المعلمين، تم نقل ثلاثة إلى عمان، ووجهت إنذارات لآخرين كنت واحداً منهم.
كل المشاجرة كانت لتوضح الفكر السائد في ذلك الوقت وشدة الحماسة للمبادئ والأفكار الإسلامية والقومية السائدة آنذاك، وكيف أن مجلس الوزراء اجتمع اجتماعا، طارئاً لبحث الحادث، وأن أهالي السلط شاركوا وانحازوا للمبادئ وليس للعشائرية.
أقول ذلك؛ وبين العام 1952 والعام 2016 أكثر من نصف قرن، وأنظر كيف كنا وكيف صرنا، وكيف انحطت المبادئ والأفكار عند عامة الناس، وأتسأل ما الذي حدث؟ وما هي معاول الهدم التي تفعل فعلها في مجتمعاتنا!!.
بعد تلك الأحداث تم نقل مدير المدرسة الأستاذ جريس القسوس، وحلّ مكانه مدير ثانوية إربد يومها الأستاذ سيف الدين الكيلاني، وازداد زخم النشاط الطلابي في جميع المجالات زيادة ملحوظة سواء بالنشاطات المدرسية من ثقافية ورياضية واجتماعية، أو نشاطات خارج المدرسة بحضور النشاطات الثقافية والمهرجانات بالمناسبات الوطنية. كنا نذهب إلى عمان كثيراً لهذه الغايات، وللمشاركة بالمسيرات وغيرها.
في العام 1954 كانت أحداث مصر بين الإخوان والانقلابيين العسكر، وكان النشاط الشعبي في الأردن في أوجه، والطلاب كانوا عنصراً مهما في هذه النشاطات، كما كانت تجري انتخابات طلابية داخل المدرسة، وكنا نفوز فيها بدرجة كبيرة، كما كنا نساهم بالفرق المدرسية الرياضية، وكان معظم طلاب المدرسة يشاركون في هذه النشاطات. وعند تشكيل الفرق المختلفة، كان مدير المدرسة الجديد يأخذ رأينا مسبقاً في هذه التشكيلات؛ خوفاً من المعارضة للنشاطات.

* لدى جماعة الاخوان المسلمين أسلوب في التعامل مع فئة الشباب، ولعل المخيمات كانت فكرة لها جانب ترغيبي للشباب في المراحل المختلفة، ما هو دورك ومشاركتك في تلك المخيمات؟
- كانت إقامة المخيمات والمعسكرات الكشفية على أشدها، تقيمها الجماعة، وتحضرها كل مستويات الإخوان ومراكزهم الاجتماعية وشباب الدعوة من الطلاب والعمال والمعلمين.
كنا نعرف كل أنحاء الأردن من الضفتين عن طريق هذه المخيمات التي تعقد في مختلف المواقع، ففي السلط وعمان وإربد والكرك وغيرها في الضفة الشرقية، وفي القدس وأريحا والخليل ونابلس وجنين وغيرها في الضفة الغربية، وكان يحضر بعضها إخوان من مصر مثل: الشيخ القرضاوي والعسال، وعبد العزيز علي، وغيرهم.
أذكرُ في العام 1952 عقد مخيم إخواني كبير في وادي السلط بمنطقة "المكرفت"، وحضره كمحاضر رئيسي الشيخ يوسف القرضاوي، والأخ عبد العزيز علي، وهو من مصر أيضاً، وكان مدرباً عنيفاً، أدار المخيم بكل حزم واقتدار.
كنت يومها في السنة قبل الأخيرة في الثانوية، وذهبت والأخ الدكتور إسحاق فرحان، وكان طالباً أيضاً في ثانوية السلط، لزيارة المخيم القريب منا في وادي السلط، والذي يبعد عن المدرسة عدة كيلومترات فقط. ذهبنا والكتب المدرسية بأيدينا وبلباس المدرسة، ونحن نفكر بزيارة تعارف على إخواننا الذين جاؤوا من مختلف مناطق الأردن، ومنهم الإخوة محمد عبدالرحمن خليفة، ويوسف المبيضين، ومحمد وهبة، وغيرهم.
عند وصولنا إلى مدخل المخيم سألنا الحارس ماذا تريدون؟ قلنا زيارة المخيم. فأخبر قائد المخيم الأخ عبد العزيز علي، فجاء مسرعاً وسألنا بنبرة قوية ماذا تريدون؟ قلنا: نريد زيارة إخواننا. فقال: هكذا والكتب بأيديكم وبلباس المدرسة!!. ارموا الكتب وخذوا الأرض وازحفوا. فزحفنا على بطوننا فوق أرض كلها أشواك وحجارة خشنة، ودخلنا المخيم زحفاً، ثم أمرنا بالنهوض، وقال: الآن التحقا بإخوانكم وطبقا نظام المخيم.
كان ذلك المخيم من أمتع المخيمات، حيث كان الشيخ القرضاوي محاضراً دائماً، والإخوة الكبار يركضون أمامنا في الطابور، ويطبق علينا أشد أنواع التدريب والركض لمسافات بلغت عدة كيلومترات، حيث ركضنا وعلى دفعة واحدة من مكان المخيم إلى جسر وادي شعيب، الذي يبعد عنا عدة كيلو مترات، وفي مقدمة الصف الإخوة خليفة والمبيضين، وبقية كبار الإخوان.
كانت مدرسة متكاملة فكرية وروحية وجسمية وتقشف من الدرجة الأولى، وكنا بحاجتها، ولكن سرورنا كان بالغاً بما واجهناه في هذا المخيم الشهير.

* لا بد من تسليط الضوء هنا على بعض المواقف الطلابية التي تشير إلى طبيعة المرحلة وزخم الحراك، وتأثيره على وعي الطلبة؟
- فعلا؛ كانت تجري مناكفات ومساجلات مع الطلاب، وحتى مع المعلمين ومدير المدرسة. كانت مساجلات تجري حتى على الموضوعات الدراسية، مثل ما يقوله معلم الأحياء اليساري آنذاك عن داروين ونظريات النشوء والارتقاء، محاولا المس بدور الدين في الحياة، وكنا نرد عليه بالصف، ونحضر أطروحات للرد على تلك الآراء.
أذكر أننا كنا نعود إلى ما كتبه الإمام الغزالي في الرد على الدهريين، وكان معلم الأحياء يسارياً ولكنه غير مختص في المادة، وكنا نناكفه في القضايا العلمية، واشترطنا عليه في امتحان الشهرين أن لا يأتي بسؤال من المادة التي عليها الخلاف، وهددناه أننا سننسحب من الامتحان إذا وضع سؤالاً من المختلف عليها، ولكن يوم الامتحان وضع سؤالاً من الموضوعات التي كانت محل خلاف بيننا، وحسب الوعد انسحبت من الصف ولم يلحق بي أحد. فرآني المدير وسألني عن سبب وجودي خارج الصف، فذكرت له القصة. عندها قال: "أنا معك في رأيك، ولكن اكتب هذا ما قاله المعلم".
وقتها، لم يكن هناك كتاب مقرر، بل يعتمد على ما يحضره المعلم عن نظريات النشوء والارتقاء، وهو الذي كان يؤكد على الدوام أن أصل الإنسان قرد. طلب مني المدير العودة معه إلى الصف، وقال للمعلم: "أنا أقنعت عبداللطيف أن يشارك في الامتحان". دخلت الامتحان متأخراً عن التلاميذ أكثر من ربع ساعة، ولكنني لحقت بهم وقدمت المادة، وأذكر أنني حصلت على علامة الثمانين.
تلك القصة تعبر عن شكل الحراك الطلابي مع المعلمين الذين يحملون أفكاراً أخرى، وقس على ذلك معلم التاريخ الذي كان يحمل أفكار المستشرقين في القضايا الفكرية التاريخية.
وهناك قصة أخرى فيها شيء من الطرافة، ولكنها تدل على مدى تأثيرنا في المدرسة، فقد كان المدير يستشيرنا قبل أي إجراء في المدرسة، سواء في تقسيمات النشاطات الاجتماعية والرياضية أو في تعيين عرفاء للصفوف من الصفوف الأعلى على الأدنى.
ذات يوم، حصل أن عين شخصاً يسارياً عريفاً على صف أدنى، فجئت إلى المدير وكان واقفاً في وسط القاعة، وقلت له: هل تعين فلاناً عريفاً وهو يحتاج إلى عريف؟.
ما إن قلت ذلك، حتى أدركت بأنني قد أخطأت، لأن الطلاب سمعوا ما قلت، وقد علم المدير بأنهم سمعوا ما قلته، فقال: "لا أسمح أن تعطيني أوامر، أنا لا أخاف منك ولا من حزبك". عندها قلت له: "شكراً"، وانصرفت.
ظن المدير أننا سنثير المشاكل في المدرسة، وكان الوقت بعد نهاية الحصة الأخيرة. كان المرحوم الأستاذ حسن البرقاوي، وله كل التقدير عند الجميع، وهو كبير في السن، فناداه المدير من دون علمنا، وقال له: "اذهب وسوِّ الأمور"، وأخبره عما حصل. كنا بعد انتهاء الحصص المدرسية نذهب إلى دار الإخوان، وقد كان في الدار يومها الأخ أبو ماجد، المراقب العام وشقيقه المحامي عبد الرزاق، ورئيس محكمة السلط يومها الأستاذ حسن الكايد، رحمهم الله جميعا، وقد جاؤوا مع أبي ماجد إلى دار الإخوان بعد قيامهم بواجب تعزية قريب. وكان في الدار، أيضا، الأخ حسين محمد حياصات.
دخل أبو ماجد، لمسجد الدار ليصلي العصر، وإذ بالأستاذ البرقاوي يدخل الإدارة في الشعبة ونحن جميعاً فيها، وفوراً بادر قائلاً: "ما هذا يا ابني عبد اللطيف! أنت مقدر عند المدير وكل المعلمين، وما كان لك أن تتحدث مع المدير بالصورة التي تمت". وأخذ يمتدحني ويذكّر بتقدير المعلمين لي.
تساءل الأخ حسين: "ما هي القضية؟". شرحت له ما تم، وحتى تكتمل النكتة سحب الأخ حسين مسدسه وقال لي: "هذا معبأ، افرغ كل ما فيه في رأس المدير. هل يجوز أن يتحدانا جميعاً بقوله لا أخاف منك ولا من حزبك!".
صاح البرقاوي، وقد ظن أن الأمر جدي: "يا حسين يا مجنون، هل يعقل هذا!". وحتى تكتمل قصة النكتة، قال المحامي عبد الرزاق خليفة: "يا عبد اللطيف، أنا محامي، وسأدافع عنك بدون مقابل". عندها أردف رئيس المحكمة حسن الكايد: "يا عبد اللطيف؛ عمي أنا رئيس المحكمة وسأبرئك من أول جلسة!".
هنا صاح الأستاذ البرقاوي بأعلى صوته: "يا مجانين هذا شاب، وسيصدقكم"، وكان يحسب أن الأمر جاد، وأصبح يصيح: "يا أبا ماجد، تعال انظر هؤلاء المجانين. هذه جريمة هذا لا يجوز من مسلم. وأشهد الله أنه أرسلني لأصلح الموضوع وأبلغكم اعتذاره".
 قلت من جانبي: "الليلة أنفذ الأمر"، ووضعت المسدس في جيبي، فزاد صراخ المرحوم البرقاوي وهو وينادي على الأخ أبي ماجد الذي دخل ساعتها، فشرح له القصة. عندها عرف أنها "مقلب" من الحضور ضد الأستاذ البرقاوي، لكنه أكمل القصة قائلا: "لا يجوز لنا أن نخالف الدين. هذا حرام، ولا يجوز قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، لذلك أرجو إنهاء هذا الموضوع".
في تلك الأثناء، كان المدير عند دار الشيخ عبد الحليم زيد، رحمه الله، وكانت مقابلة لدار الإخوان، فأرسل من يدعو الجميع لزيارة الشيخ عبد الحليم زيد. ذهبوا جميعاً، ولم أكن معهم، فألقى الأستاذ المدير قصيدة في مدح الإخوان، وكان شاعراً كبيرا، وانتهت القصة عند هذا الحد، وتمت المصالحة.
وفي قصة ثالثة، قام المرحوم الأستاذ حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان بزيارة بلاد الشام العام 1954 في أوج أزمة الإخوان مع الرئيس جمال عبدالناصر والعسكر الآخرين في مصر. وبدأ زيارته إلى بيروت، وعقد هناك اجتماعاً لمكتب الإرشاد العالمي، وبعدها قام بزيارة سورية ثم الأردن.
عند قدومه إلى الأردن، خرجت الألوف لاستقباله على حدود الرمثا، وسيل السيارات من الرمثا إلى عمان كان متصلاً، فقد كان استقبالاً شعبياً فريداً. ومن جملة زيارته للأردن، زار السلط فاستقبلته جماهير السلط بكثافة، وألقى كلمة في دار الإخوان والساحة المقابلة لها، كما تحدث عدد من الخطباء، وأذكر منهم الشاعر المسيحي الأستاذ سليمان المشيني، وأُلقِيَتْ كلمات أخرى في احتفال المسجد مع كلمة أخرى للأستاذ المشيني. وحضرت أعداد كبيرة من الطلاب، وكذلك من جميع أبناء عشائر السلط، ومن التجار والعمال والمعلمين، وكنا نحسب أن كل أبناء السلط شاركوا في الاستقبال من شدة الحماسة وحرارة الاستقبال، وكان يقود السيارة التي تقله المرحوم هاني الحاج حسن، وهو من الشخصيات المرموقة في عمان والسلط، وجند نفسه وسيارته لمرافقة الأستاذ الهضيبي.
كان من المقرر للضيف أن يزور العراق، فاستعدت بغداد لذلك، وأعد شاعر الدعوة هناك المرحوم الأستاذ وليد الأعظمي قصيدة رائعة لتلقى في استقباله وكان مطلعها:
"همزيتي يا أبا الإخوان عصماء
ما خانني فيها ألف ولا ياء"
 لكن المداخلات الخارجية والداخلية هناك حالت دون الذهاب لبغداد، فقد كانت أزمة الإخوان مع عبد الناصر على أشدها، واضطر المرشد العام للعودة إلى مصر ليواجه التحديات والمشاكل التي نشبت بين الإخوان وحكم العسكر آنذاك، وكان الجميع في مصر والبلاد العربية ينتظرون ما ستسفر عنه تلك الخلافات، وكان الأمر بحاجة إلى تقويم دقيق، إذ إن الإخوان كانوا يقودون الشعب المصري، ولهم في رجال الانقلاب قادة كبار، وهم الذين أعطوا إزاحة الملك فاروق معنى الثورة، وهم القيادة الشعبية الكبيرة.
بالنسبة لنا في الأردن، كنا نتابع بدقة ما يجري في مصر ساعة بساعة، ونتابع التجمهر في ساحة عابدين الذي لا ينفك إلا بإشارة المرحوم عبد القادر عودة: "انصرفوا راشدين". فكان ذلك سبب إعدامه بدون ذنب، سوى موقعه القيادي ومكانته المرموقة عند الإخوان والشعب المصري هو وإخوانه الشهداء، وبسبب مصنوع سمي بحادث المنشية التي رتبها عبدالناصر وبشهادة أقرب المقربين إليه.
كان الناس في الأردن ينتظرون قدوم الإخوان، وكان مركز الإخوان في عمان يستقبل وفوداً شعبية، ومن كل فئات الشعب، بما فيهم الوزراء ورؤساء الوزارات للاطمئنان على ما يجري في مصر، وانتظار نتيجة الصراع السياسي هناك.

عربيات في الحلقة الرابعة غدا

القضية الفلسطينية كانت وما تزال الهاجس الأول لدى الأردنيين
ما تعيشه القضية الفلسطينية اليوم سببه سلخها عن بعدها الإسلامي
منظمة التحرير أوشكت على الانتهاء والكل ينتظر البديل
في العام 1918 أسر الإنجليز والدي وأقرباء آخرين تسعة أشهر

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »"انحطاط المبادئ والافكار عند عامة الناس".. هل من مصلح كبير ينقذ الامة؟ (معتوق المعاني)

    الخميس 8 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    ملاحظة قوية لسماحة الشيخ الجليل الفاضل عبداللطيف عربيات حفظه الله واعطاه الصحة والعافية وطول العمر، وهي ما جاء في ملخص الصحفي الذكي الاستاذ محمد خير:
    .. لكن المفارقة التي يقف عندها عربيات في حلقة اليوم كانت رصده للفرق الكبير للتجربة السياسية بين عامي 1952 والعام 2016، فبعد أكثر من نصف قرن، يتساءل: كيف كنا وكيف صرنا، وكيف انحطت المبادئ والأفكار ، ما الذي حدث؟ وما هي معاول الهدم التي تفعل فعلها في مجتمعاتنا!!.