علاء الدين أبو زينة

فلسطين البصرية والسمعية..!

تم نشره في الخميس 8 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:07 صباحاً

في تناوله لمشروع قانون منع الأذان الذي ناقشه كنيست الكيان مؤخراً -وعلاقته بحريق الغابات الأخير- يقدم الكاتب جوناثان كوك أطروحة جميلة. لم تكن محاولة منع بث الأذان عبر مكبرات الصوت من المساجد تتعلق بالتلوث السمعي، كما يقول كوك، وإنما كانت محاولة لإسكات "فلسطين السمعية". ويذكر كوك كيف أن تلفزيون الكيان لا يستضيف النواب العرب في الكنيست، في سياق الحد من الظهور العربي؛ وكيف منعت سلسلة مطاعم مستخدميها من التحدث بالعربية مع الزبائن في السياق نفسه. ويكتب كوك: "وجدت الأقلية الفلسطينية في إسرائيل نفسها تحت الضغط للخروج من الفضاء العام. ويشكل مشروع قانون المؤذن مجرد الخطوة الأحدث فقط لجعل هذه الأقلية غير مسموعة وغير مرئية أيضاً".
في موضوع الحريق الكبير الذي طال الأشجار في فلسطين المحتلة، يقول كوك: "زرعت إسرائيل الكثير من الغابات قبل عقود، لإخفاء تدميرها المئات من القرى العربية الفلسطينية.. في العام 1948"، في "عملية إبادة جماعية للذاكرة"، كما وصفها المؤرخ إيلان بابيه. وينبه كوك إلى فكرة ذكية جداً: لقد زرع المستوطنون اليهود أشجار الصنوبر بالذات، في محاولة مقصودة لتغريب المشهد البصري الفلسطيني وقطعه عن سياقاته التاريخية. لقد "تم أيضاً اجتثاث أشجار الزيتون والأشجار الوطنية الأخرى، مثل الخروب والرمان والحمضيات، لصالح شجرة الصنوبر. وكان استيراد المشهد الطبيعي الأوروبي طريقة لضمان أن لا يشعر المهاجرون اليهود بالحنين إلى مساقط رؤوسهم".
لم يتمكن الاحتلال، حسب كوك، من استبدال المساجد الفلسطينية بأشجار الصنوبر، ولو أن المستوطنين يستهدفون هذه المساجد بالإحراق والتدنيس والكتابة العنصرية على الجدران. وكانت آخر خطوة، اقتراح كتم صوت الأذان، كنوع من إسكات صوت فلسطين الذي يذكّر بهويتها الأصلية.
أطروحة جوناثان كوك مهمة للرد على الذين يشككون دائماً في جدوى الحفاظ على كل تفصيل وأي تفصيل في الهوية الفلسطينية. وكثيراً ما يقول البعض، مثلاً، إن الأغنية غير مهمة في النضال الفلسطيني، لأن الوطن لا يُستعاد بالأغاني؛ أو أن التركيز على اللهجات أو الأزياء الفلسطينية هو جهد جانبي في أحسن الأحوال؛ وكذلك الاحتفال بالمنجزات الفردية للفلسطينيين، وهكذا.
لكن التقاطة كوك الذكية تضيء جانباً معتماً من المشروع الاستيطاني والاستعمار الماكر الذي يواجهه الفلسطينيون، ولا يُغفل مخططوه التفاصيل. ليست شجرة الزيتون والرمان والخروب مجرد مصدر رزق للذين ما يزالون يحتفظون ببستانهم من الفلسطينيين. إنها مشهديات تاريخية وشواهد بصرية على عروبة الأرض وأصحابها. وكذلك هو الزي الفلسطيني، والطراز المعماري، والمصنوعات اليدوية والتراثية، وكل موضوع مرئي فلسطيني. وكذلك أيضاً أي إنجاز إبداعي يتناوله الإعلام منسوباً إلى شخص معرَّف بهويته الفلسطينية.
الذين يعملون في حراسة الذاكرة الفلسطينية وإنقاذها من "الإبادة الجماعية"، يستحقون انتباهاً أكثر تعاطفاً مع عملهم المهم. إنّهم هم الذين يحاربون مشروع العدو الماكر والمركز بأدواته نفسها. ويمكن في هذا السياق تذكر غضب المؤسسة السياسية للكيان من أغنية ماهر حلبي/ محمد عساف "يا طير الطاير"، لأنهما يذكُران فيها أسماء القرى الفلسطينية التي هدم الاحتلال معالمها وشرد أهلها وحاول أن يخفيها تحت أشجار الصنوبر، وهو ما اعتبره المحتلون هدماً لجهودهم في طمس الذاكرة.
كما هو واضح، سيكون صراع الفلسطينيين من أجل حقوقهم الإنسانية طويلاً وصعباً. وهو لا يقل صعوبة، كما يبدو، بالنسبة للطرف الآخر العدواني الذي لا حقّ له. وبغض النظر عن التفصيلات والأدوات، فإن الصراع يتخذ شكل صراع سرديات، بكل العناصر السمعية والبصرية. ويذكر كوك أن الكثير من المفكرين الإسرائيليين يعتقدون أن المؤسسين الأوروبيين لمشروع احتلال فلسطين حولوا شجرة الصنوبر إلى "سلاح حرب". كذلك يجب أن لا يُستهان، في الحفاظ على حياة فلسطين، بأي تفصيل ملقى على قارعة الطريق، والذي يمكن عرضه أو قوله، لتذكير المستعمرين الأوروبيين بأنهم لا ينتمون إلى هذا المكان.

التعليق