د.أحمد جميل عزم

هل يحرض كيري اليهود الأميركيين؟

تم نشره في الخميس 8 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:05 صباحاً

بعد تصريحات واضحة ونادرة أدلى بها وزير الخارجية الأميركي، والمرشح السابق للرئاسة، وعضو مجلس الشيوخ السابق أيضاً، جون كيري، يحمّل فيها الإسرائيليين (أو يكاد يفعل) مسؤولية تعطيل عملية السلام بسبب البناء الاستيطاني، فإنّه لم يكتفِ بالصمت وعدم التطرق لما يجب أن يفعله الأميركيون لوقف ذلك، وإنما ختم بالعبارة التي تلغي أي أثر مباشر لأقواله، عندما يخبر العالم "لا يوجد لدى إسرائيل صديق أعظم من واشنطن". على أنّ هذا لا يلغي أهمية حديثه، في المدى المتوسط على الأقل، خصوصاً أنه كان يخاطب اليهود الأميركيين.
جاءت تصريحات كيري، الأحد الماضي، في منتدى صابان/ سابان السنوي، الذي يجمع صُنّاع سياسة إسرائيليين وأميركيين. وقال إنّ بناء المستوطنات يمنع الاتفاق على حل الدولتين. كما قال إنّ أعضاء في الحكومة الإسرائيلية يصدرون "تصريحات مزعجة" جداً، وأنّ 50 % من أعضاء الحكومة الإسرائيلية الحالية يعلنون جهاراً أنّهم ضد تأسيس الدولة الفلسطينية.
ربما ما يضع تصريحات كيري في نصابها الحقيقي، ويوضح معناها السياسي المباشر، هو مقارنتها بتصريحاته في المنتدى ذاته العام الماضي. فقد كان ناقدا حينها أيضاً، لكنه أقل تحميلا للإسرائيليين المسوؤلية. ويومها، علق معهد بروكينغز الذي ينظم المنتدى، على موقعه على الإنترنت، بأنّ كيري يبدو في جوهر حديثه "يريد نقل مسؤولية التقدم نحو السلام للأطراف أنفسهم"، وهو ما يعني عمليا عدم لوم إسرائيل. وهذا العام، وعلى الرغم من لومه الحكومة الإسرائيلية، فإنّه لا يبدو أن هناك تغيرا في سياسة واشنطن التي تترك القرار النهائي للإسرائيليين، وإن كان يسجل لكيري شجاعته، رغم أنه في العام الماضي أثار استياء بعض الحاضرين، لحد مقاطعته أثناء الحديث.
ما يجعل لحديث كيري معنى إضافيا، أنّه تحدث عقب حديث بنيامين نتنياهو للمشاركين عن أنّ الاستيطان ليس عقبة أمام السلام. وربما يكون أهم ما قاله كيري لا يتعلق بالاستيطان، بل بأنّ "تحقيق السلام مع العالم العربي لن يكون منفصلا أو يتقدم، بمعزل عن عملية فلسطينية، ودولة فلسطينية"، فيما يبدو أنه رد على طلب نتيناهو، أمام المؤتمر، من الدول العربية أن تقوم بالاعتراف بإسرائيل، وفيما يبدو أنه يقطع الطريق على من يتوقع تغييرا في المبادرة العربية للسلام.
لا يوجد أثر مباشر متوقع لتصريحات كيري هذه. لكن الحقيقة أنّه لا يمكن تجاهل آثار بعيدة المدى، خصوصاً إذا تم استثمارها.
هناك تراجع مهم في تأييد الرأي العام الأميركي، أو بعض شرائحه، للإسرائيليين. بل يظهر هذا التراجع بين اليهود الأميركيين بشكل خاص. وعلى سبيل المثال لا الحصر، نشرت مجلة "فورين بوليسي"، في أيار (مايو) الماضي، تقريراً تحت عنوان: "هل ينحرف اليهود الأميركيون بعيداً عن إسرائيل؟"، وأشارت إلى إظهار استطلاعات رأي حديثة انقساما في آراء اليهود الأميركيين إزاء إسرائيل. وقد صدر في السنوات الأخيرة عدة أبحاث وكتب تشير لتحولات الرأي العام اليهودي الأميركي إزاء إسرائيل. ولعل أحد تجليات هذا التحول، نشوء لوبي جديد يسمى "جيه ستريت"، يقدم نفسه على أنه مؤيد لإسرائيل ومؤيد للسلام، ويعارض سياسات نتنياهو، ويدافع عن حل الدولتين كهدف أساسي له، لأنه يحقق السلام ويحفظ الأمن والديمقراطية "للوطن القومي" لليهود. هذا فضلا عن وصول المقاطعة الأكاديمية للإسرائيليين إلى جامعات كبرى، مثل برينستون ونيويورك.
من هنا يمكن رؤية حديث كيري في إطار عوامل واتجاهات تؤثر في الرأي العام الأميركي. وهي اتجاهات يجدر العمل على استثمارها وتحويلها إلى شيء ملموس، واستغلال عنجهية نتنياهو الذي لا يكترث بها، أو استغلال ضيق أفقه، وحسابات الشخصية التي تجعله يبني حساباته على أنّ أي تحول لن يحدث أثناء توليه لمنصبه في السنوات المقبلة، وبالتالي لا يكترث لما يمكن أن يحدث في المديين المتوسط والبعيد.
هذا الأمر يفرض إيلاء الدبلوماسية الشعبية اهتماما أكبر كثيراً. وربما يجدر التفكير بمنتدى سنوي عالمي للقضية الفلسطينية، من دون حضور إسرائيلي، بل أن يكون هناك نقاش فلسطيني-عالمي في الشأن الفلسطيني. ويمكن أن يأخذ هذا شكل مؤتمر سنوي ضمن الأمم المتحدة، أو قد تجرى مؤتمرات فلسطينية-أميركية وفلسطينية-أوروبية، وحتى فلسطينية-عربية سنوية.

التعليق