المقاومة الأخيرة ضد الشعبوية

تم نشره في الجمعة 9 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:00 صباحاً

دومينيك مويسي*

القدس- في وقت سابق، مباشرة بعد إعادة توحيد ألمانيا في العام 1990، كان العديد من الفرنسيين يخشون ألمانيا. اليوم، لقد تم عكس الأدوار. لكن الألمان لا يخشون فرنسا بالمقدار نفسه. في أعقاب استفتاء البريكست في حزيران (يونيو) في المملكة المتحدة وفوز دونالد ترامب  في الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة في الشهر الماضي، من الممكن أن تقع فرنسا أيضاً ضحية للقوى الشعبوية المدمرة، وذلك إذا اختار الناخبون مارين لوبان عن الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة  كرئيستهم المقبلة.
قد يُسعد الألمان أن وسائل الإعلام الأميركية اعتبرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل "محامية الغرب الليبرالي الأخيرة" -وأن ألمانيا بمثابة جزيرة من الاستقرار في محيط من الفوضى. ويمكن وصف ألمانيا كأفضل تلميذ في الصف -ولو أنها تعودت على ذلك؛ والآن تشعر وكأنها التلميذ الوحيد الذي يحضُر على الإطلاق.
مع خروج الولايات المتحدة، تبقى عدد قليل من التلاميذ النجباء. وعلى الرغم من تراجع ترامب عن بعض وعوده الأساسية، من غير المرجح أن يتخلى عن نهج "أميركا أولا". ونتيجة لذلك، قد تكون الولايات المتحدة على وشك الانفصال بشكل حاسم عن الشمولية والمشاركة العالمية التي ميزت السنوات السبعين الماضية.
وليس الوضع أفضل في أوروبا. فبولندا تسير على خطى المجر المتعصبة. والنمسا، وهي جارة أخرى لألمانيا، قد تكون على وشك انتخاب نوربرت هوفر كرئيس، اليميني المتطرف عن حزب الحرية القومي. والبريطانيون في طريقهم إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي نهائياً.
ولكن، لا شيء سيزعزع استقرار ألمانيا مثل رئاسة لوبان في فرنسا. ولن يؤدي فوز لوبان إلى التخلي عن ألمانيا فحسب، وإنما التخلي أيضاً عن القيم والمبادئ والمعايير التي مكنت ألمانيا من التصالح مع نفسها ومع جيرانها، بدءا من فرنسا. وسيتسبب ذلك في فك المحور الفرنسي الألماني الذي يدور حوله الاتحاد الأوروبي.
إن ما هو مطلوب الآن هو العكس تماماً: إعادة الدفء إلى العلاقات الفرنسية-الألمانية. والحقيقة أن ألمانيا وفرنسا لم تكونا متحالفتين بما فيه الكفاية لفترة من الوقت. ليس لأن ألمانيا أصبحت قوية جداً، كما بدا في فترة ما بعد التوحيد، بل لأن فرنسا أصبحت ضعيفة للغاية، تاركة ألمانيا تتولي الأمور في معالجة أزمات لا تعد ولا تحصى في أوروبا في السنوات الأخيرة.
الآن، يُنظر إلى ألمانيا كقوة مهيمنة في أوروبا. ولذلك سلم  الرئيس الأميركي باراك أوباما السيدة ميركل شعلة الديمقراطية بعد فوز ترامب، خلال جولته الرسمية النهائية في أوروبا.
لكن ميركل لا تستطيع حمل هذه الشعلة لوحدها. يجب أن تقف فرنسا جنباً إلى جنب مع ألمانيا كما فعلت سابقاً. ولكي يحدث ذلك، يجب أن تكون فرنسا، صلبة، قوية، وواثقة بنفسها، مثل ألمانيا. ويجب أن تجدد نفسها، مسترشدة بقيمها الخاصة الطويلة الأمد -القيم التي لا تشاركها لوبان وجبهتها الوطنية.
ليست فرنسا بحاجة لتتوافق مع القوة الاقتصادية لألمانيا. ذلك أن ما يمكن تقديمه في الوقت الحاضر ليس أقل أهمية. وبالنظر إلى مواجهة أوروبا لمجموعة من التهديدات الخارجية، مثل الاضطرابات في الشرق الأوسط والمغامرة الروسية، والتحديات الداخلية، مثل الإرهاب الداخلي، لا يمكن للأمن والدفاع أن يأخذا المقعد الخلفي للسياسة الاقتصادية. وفي هذه المجالات، تمتلك فرنسا مزايا حقيقية نِسبياً.
نظراً للمخاطر التي تواجه أوروبا، ناهيك عن نزعات ترامب الانعزالية، فإن العلاقة الفرنسية الألمانية ستكتسب مزيداً من الأهمية الإقليمية والعالمية. ومع قيادة لوبان، ستعاني هذه العلاقة بشكل مؤكد، مما سيقود الأحداث في اتجاه خطير.
من المؤكد أن نظام التصويت من جولتين في فرنسا، والذي يضمن حصول الرئيس على دعم أغلبية الناخبين، يجعل من غير المحتمل أن تفوز المرشحة المتطرفة لوبان بمنصب الرئيس. (على النقيض من ذلك، في الولايات المتحدة، حصل ترامب على أكثر من مليوني صوت أقل من منافسته، وخسر جورج دبليو بوش التصويت الشعبي لصالح آل غور في العام 2000 بأكثر من نصف مليون).
ولكن، نظراً للاضطرابات الانتخابية التي حدثت في الآونة الأخيرة، لن يطمئن الألمان إلا بعد أن يتم فرز الأصوات. وعلى كل حال، إذا ما تمكنت لوبان من النجاح في نظام الانتخابات بفرنسا، فإنها ستكسب ولاية قوية وحقيقية لتنفيذ السياسات التي ستتنكر لكل تعاون مع ألمانيا ما بعد الحرب -كما سترفض الاتحاد الأوروبي.
بطبيعة الحال، لدى ألمانيا تحديات سياسية خاصة ينبغي التغلب عليها، في ظل الانتخابات الاتحادية المقررة في تشرين الأول (أكتوبر) المقبل. كما أخذت الانتخابات الأخيرة منحى شعبوياً بشكل مثير للشكوك، وخاصة في ما يتعلق بقضية اللاجئين، مع فوز حزب بديل ألمانيا، الجبهة الوطنية الألمانية، مؤخراً في بعض المناطق.
لكي تظل ألمانيا دعامة للاستقرار كما كانت في السنوات الأخيرة، عليها تجنب الذهاب أبعد في هذا المسار، وبدلاً من ذلك عليها تسليم ولاية رابعة لميركل. ولحسن الحظ، ما يزال هذا السيناريو محتملا، وإن كان غير مضمون.
على أي حال، سيتم تحديد المسار السياسي الفرنسي قبل الألماني. ولضمان مستقبل آمن ومزدهر، يجب على الناخبين الفرنسيين تأييد مرشح يتحلى بالسلطة، والحكمة، والخبرة، والذي سيكون مستعداً وقادراً على إجراء الإصلاحات اللازمة على وجه السرعة دون إحداث تفاقم الانقسامات الاجتماعية -شخص مختلف تماماً عن مارين لوبان. وبالقيام بذلك، سيثبتون أن الموجة الحالية من الشعبوية اليمينية تمكن مقاومتها. وسيعطون المشروع الأوروبي فرصة حقيقية للنجاح المستمر.

*مستشار رفيع في معهد مونتين في باريس.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق