د.أحمد جميل عزم

أين ذهب المنتفضون؟

تم نشره في الجمعة 9 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:07 صباحاً

قبل أيام، وفي مناسبة عامة، شاهدت ذلك المناضل الذي كنت أقرأ عنه في الصحف الأردنية وفي مجلة "فلسطين الثورة"، مطلع التسعينيات. كان اسمه أشبه بأغنية صامتة في فمي، أرددها بيني وبين نفسي؛ أتخيله ممتشقا السلاح، وهو يسير في الأنفاق تحت البيوت التي كان يهرب عبرها، حتى اعتقل وسجن لعشرين عاماً؛ أو انطق اسمه مشددا على الحروف وأنا أحدث زملاء الجامعة حينها. بالتأكيد، لم يكن هذا الأسبوع بالصورة التي في ذهني، ولم أتوقع أن يكون بالصورة ذاتها. وجلست صامتاً لم أحدثه، ولم أقل له أنه كان رمزاً واسماً يملأ الفم والروح.
سكنني لأيام لاحقة سؤالا: "ماذا حصل بهم؟"، و"أين هم الآن؟".
عرفتُ عن فيلم لقناة "الجزيرة" بالإنجليزية، بث قبل عامين، يقوم على مقابلة أشخاص اشتهرت صورهم في الانتفاضة العام 1987، التقطها المصور اللبناني-الأميركي جورج عازار. وسارعتُ لحضور الفيلم.
لم يكن هو ما أبحث عنه. فالفيلم يقابل الناس ويسألهم ماذا حصل معهم حينها، وأنا أريد أن أراهم الآن؛ كيف رفعت تلك الفتاة العلم فوق تلة وصارت صورتها أيقونة، وهي الآن أم علاء مطر. كيف استشهد حاتم السيسي في غزة. والتقوا وائل حسن جودة، الذي اشتهرت صورته مع ثلاثة آخرين، والجنود الإسرائيليون يمسكون الحجارة العام 1988 ويحطمون عظامهم، والتقط صحفي أميركي المشهد. وكان صديق أخبرني أنهم شاهدوا المشهد وهم معتقلون في سجن نابلس، ولكنهم لم يفهموا ماذا يحدث بالضبط. ويخبرك وائل أنهم كانوا يرعون الغنم ولم يشاركوا في الانتفاضة يومها.
عُذّب سهيل خوري، وصودرت سيارة أمه الجديدة، وكانت التهمة أنه يحمل أشرطة موسيقية ثورية. وواحد من الألحان التي كتبها لاحقا، تبادرَ له بعد جولة تعذيب عنيفة، وبعد شعوره أنّ قلبه سيتوقف من عنف التعذيب. وساعتها بدأ يضحك من دون وعي. وعندما انتهت جولة التعذيب، شعر أنّه انتصر على المحقق، فبدأ لحن يخرج في ذهنه، وهو مقيد، ليسميه لاحقاً باسم "نصر". وهو يواصل العزف.
وأول شهيدة في الضفة الغربية، في مخيم بلاطة، سحر الجرمي، كانت قد عادت مع أمها من زيارة أحد إخوتها المعتقلين، ورأت الجنود يحتجزون الشبان، فصارت تصرخ "يا نسوان اطلعوا راحوا الشباب". وبدأت مظاهرة، وقُتلت سحر. ولم يكن هناك من عائلتها من يشيع جثمانها سوى والديها؛ فأشقاؤها الستة معتقلون.
لم يكن هذا ما أبحث عنه. وألح علي مشهد الحاجّة التي أخبرتني، العام الماضي، أنها كانت تتفق في قريتها غرب رام الله مع ثلاث سيدات يذهبن الى رام الله، وكل واحدة تشتري قماشا يشكل أحد ألوان العلم الفلسطيني، خوفا من أن تضبط إحداهن ومعها أكثر من لون فينفضح أمر خياطة العلم. ثم كيف كن يصنعن الأعلام ويقمن بتهريبها للشبان. كنت أريد أن أرى عصاها وهي تضرب الأرض الآن، وتضحك كيف يبحث حفيدها الآن عن جنود لرجمهم؛ كنت أراها في حفيدها، كنت أريد أن أرى أبناءهم وأحفادهم وأراهم الآن.
حصل مروان البرغوثي على أعلى عدد للأصوات في انتخابات مؤتمر حركة "فتح" الأخير وهو في أسره. وأبو القسّام كان قد أُبعد قبيل الانتفاضة، لكن هذا يعني أنّه كان قد ساهم في وضع البنية التحتية للمقاومة الشعبية، وأنّه أصبح سفيراً أو قائداً لها في الخارج. لكن آخرين هم الآن في هامش المشهد، وبعضهم استشهد. فمثلا، بشير نافع، من قلنديا، من القيادة الوطنية الموحدة، استشهد عندما فجر تنظيم "القاعدة" الفنادق في عمّان العام 2005.
بعضهم ابتعد أو أبعد عن العمل السياسي كلياً، وعن الحياة العامة؛ بعضهم غاضب من الوضع السياسي، وظهر في الفيلم غاضباً على الماضي والحاضر.
دلال سلامة (45 عاماً) هي المرأة الوحيدة التي دخلت اللجنة المركزية الحالية لحركة "فتح". هي من ذلك الجيل، من مخيم بلاطة، وزمن الانتفاضة.
سؤالي عمن كانوا في العشرينيات وفي الشوارع حينها، وليس عن القيادة السياسية، من دون التقليل من دورهم.
هناك شعور أن تلك الثقافة التي أنزلت كل الشعب للشارع، تتوارى وإن لم تمت.
ما تزال ألحان سهيل خوري تتوالى، وتعزف قصة فلسطين بصمت من دون كلمات، انتظاراً لكلمات جديدة عن النصر.

التعليق