مذيعون بأزياء حزبية !

تم نشره في السبت 10 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:00 صباحاً

يا للغرابة .. أنت تتحدث عن عام 2016 . رغم ذلك تتراجع بعض القيم والمفاهيم إلى الخلف خمسين سنة على الأفل !
“الإعلام المستقلّ” مثلاً ! .. لم يعد ذلك موجودا بالمرَّة في الفضاء العربي. ودار الإعلام الى الخلف دورة كاملة، إلى عهد الإعلام الحزبي و”البعثي”، حتى وان كان بعض الفضائيات يتحدث عن معاهد تابعة له لتعليم المهنية والحياد والإعلام المستقل. ويبدو ذلك حقيقة مثل “نكتة” وأنت ترى الفضائية نفسها تتصرف كحزب، وتذكرك بإذاعة “أحمد جبريل” !
لم يعد ثمة صحف أو مواقع إلكترونية أو فضائيات تقدم الخبر خالصا من غير أن تقدم لك معه “موقفاً جاهزاً” عليك أن تتبناه.
وأصبحت المواقف مكشوفة تماما وواضحة أو فاضحة. فلن تحتاج جهدا حين تسمع خبرا من التلفزيون أن تعرف فورا من يمول هذه المحطة، حتى وأنت تدير ظهرك للمذيع !
باستثناء قلة قليلة من الصحف، لم يعد المشاهد أو القارئ العربي يجد إعلاما نظيفا ومتوازنا، كذلك الذي كان حتى أواخر الثمانينيات، مثل بعض الصحف القومية في الكويت ومصر ولبنان، وصار الإعلام الآن تابعا ومباعا .. وأحيانا لا يختلف عن تلك الصحف والنشرات الحزبية التي كانت توزع سرا، لشدة ضيقها بأي رأي آخر، ونظرتها الواحدة العوراء !
الفارق أن المُلّاك الآن أكبر من أحزاب فقيرة، فهي الدول ذاتها، و”الذي يدفع للزمّار يسمع اللحن الذي يعجبه”، حسب المثل الإنجليزي الشهير.
حتى أنك تضحك سخرية ومرارة حين ترى تلك النظرة الحزبية الضيقة تنسحب حتى على الفضائيات الرياضية، وفي البرامج الغنائية، وحتى إعلانات العناية بالبشرة .. فرائحة “الموقف السياسي” تفوح من الشاشة، وتملأ المكان. بل تكاد تسمع فحيح “الإعلام التعبوي”، ونبرة “المُنظِّر السياسي” وهو يسوقك من يدك الى الموقف الذي عليك أن تتخذه لذلك النهار !
بالمقابل انفضَّ قطاع عريض من الناس عن “نشرات الأخبار”، ولم يعد هناك من هو مستعد لتأجير عقله، أو الاستهانة بذكائه أكثر من ذلك !
وانتشر نوع جديد من الإعلام، هو الذي يكتبه ويحرره ويذيعه المواطن بنفسه على صفحات الفيسبوك وتويتر، والذي بات أكثر نجاحاً وانتشاراً أحياناً، لقربه من الجانب الانساني أكثر من السياسي، لكنه سرعان ما سقط ، بدوره، في فخ الطائفية والحزب والتمترس، واستعار لهجات ونبرات المذيعين أنفسهم، وساهم في انفضاض الناس أكثر وابتعادهم هاربين من هذا النفس المفضوح في صوت المذيع أو المذيعة الذي يكاد يخرج للناس بالزي العسكري !
الطريف في الأمر أن “عدم مهنية” المذيع” و”عدم حياده”، حوَّلته لنجم سوق بشكل ما، على طريقة النجم السياسي أو الطائفي أو الحزبي، فصارت هناك صفحات على مواقع التواصل لـ”خديجة” ولـ “منصور” تحظى بمئات الآلاف من المعجبين والمتابعين، الذين يستعيرون “حكمها” و”مأثوراته”، لمجرد أنه يـعمل في تلك الفضائية ويتحدث بنبرتها الفظة العالية، .. (دعكَ من أخطائه الإملائية فهو مذيع وصاحب موقف وهذا يغفر له أميَته أحياناً) !
تراجع الإعلام، وفقدان المهنية والصُدقية، في ظرف قومي كهذا، هو دليل آخر، وبرهان أكيد على زمن الانحطاط، وعلى خسارة آخر الرهانات.
فلم يعد للعربي من ملجأ وهو بين حِيَل السياسي ومكائده، وبين انتهازية الإعلام وتبعيته، سوى الهروب بعيداً الى أفلام الخيال العلمي أو قنوات “الكرتون” !

التعليق