الحلقة الخامسة

عربيات: الأردن كان بأوج غليانه السياسي بعد انتخابات 1956

تم نشره في الجمعة 9 كانون الأول / ديسمبر 2016. 08:15 مـساءً - آخر تعديل في الجمعة 9 كانون الأول / ديسمبر 2016. 08:27 مـساءً
  • عبداللطيف عربيات (الثالث من اليمين وقوفاً) مع زملاء له في جامعة بغداد -(من المصدر)
  • رئيس مجلس النواب الاسبق عبداللطيف عربيات - (تصوير: محمد أبو غوش)

محمد خير الرواشدة

عمان -  يستكمل اليوم رئيس مجلس النواب الأسبق والقيادي الإسلامي الدكتور عبد اللطيف عربيات مشوار الذكريات عن المرحلة المدرسية، وظروفه التي دفعته للبحث عن الوظيفة قبل أن يصل لقرار بخصوص تعليمه الجامعي في العراق.
ويتوقف عربيات عند محطة الوظيفة الأولى التي كانت محفوفة بالتحديات على الرغم من سهولتها على كل من أكمل تعليمه الثانوي، وحمل شهادة "المترك"، وبتفاصيل مشوقة يسرد عربيات جانبا من مواقفه الصدامية مع قيادات تربوية خلال بحثه عن الوظيفة. لكنه يستذكر موقف فرحان شبيلات رحمه الله الذي أمر بتعيينه فور مقابلته.
وبعد أن استطاع أن يسهل تأمين كلف دراسته الجامعية بعد عام من العمل بمهنة التعليم، وبعد أن حدد مسار القبولات الجامعية، كانت وجهة عربيات صوب بغداد. يتوقف ابو سليمان عند محطة اختياره للتخصص، ومدى جديته في اختيار الهندسة الزراعية، التي تعلق بها قبل أن يتخصص في موادها العلمية الدقيقة.
وهناك لم يجد عربيات بدا من استكمال سلسلة مشاغباته السياسية، فأمام ما كانت تعانيه المنطقة العربية من اضطرابات، وعلى وقع العدوان الثلاثي على مصر، فقد ازدحم الشارع الطلابي في العراق بالاعتصامات والمسيرات.
مادفع عربيات إلى اقتراح بتنفيذ اعتصام لطلبة كلية الزراعة في بغداد، التي كانت تبتعد عن العاصمة، وهو حراك سياسي لم يمارسه طلبة العراق من قبل، وبعد أن نُفذ الاعتصام، جرى ملاحقة عربيات وعدد من الطلبة الأردنيين، بعد أن كشفهم رئيس الحكومة العراقية نوري السعيد، وأمر بملاحقتهم، مادفعهم للهرب إلى عمان.
وكان عربيات قد كشف في حلقة أمس عن سلسلة المحاولات التاريخية لنزع القضية الفلسطينية عن مساراتها العربية والإسلامية، وأنه كان شاهدا على أولى المحاولات التي أقصت القضية الفلسطينية عن بعدها الإسلامي في المؤتمر الإسلامي في بيت المقدس.
وقال إن هناك مستوى من مستويات "التآمر" عندما بدأت تظهر على  السطح في أواخر الخمسينيات قوى ضد عقد المؤتمر، كان أخطرها اجتماع منظمة التحرير في القدس برئاسة أحمد الشقيري العام 1964، والذي تم فيه طرح سؤال: هل القضية الفلسطينية هي قضية إسلامية أم قضية عربية؟، حيث جرى التصويت المُعد له والمرتب له مسبقا من فئات معروفة، وكانت النتيجة، وبأغلبية الحضور، أنها قضية عربية وليست قضية إسلامية.
كما روى جانبا من قصة أسر والده في السجون الإسرائيلية والذي امتد لنحو 9 أشهر، ويغطي جانبا شيقا من رحلة معاناة والده ومن كانوا برفقته حتى عادوا إلى مدينة السلط.
وفيما يلي نص الحلقة الخامسة:

• نبدأ مع رحلة التعليم الجامعي والظروف المصاحبة لهذه الرحلة التي كان الطالب الأردني يتكبدها نتيجة اضطراره للسفر. جيلكم عانى من صعوبة التعليم الجامعي بسبب الظروف المادية أو بسبب الظروف التعليم نفسه، أو حتى الاضطرابات التي كانت تشهدها دول الجوار وانعكاسات ذلك على الطلبة الأردنيين. فما الذي تخبرنا إياه عن تلك الفترة المرحلة، وعن تجربتك فيها؟

- قطعا رحلة التعليم الجامعي لم تكن سهلة، سواء لجهة الظروف التي ذكرتها، أو لظروف أخرى مشابهة أو أشد وطأة.
بالنسبة لي، كان والدي، رحمه الله، قد توفي وأنا في  الصف السابع الابتدائي، وكان معظم إخوتي الكبار في وظائفهم البسيطة، ومعظمهم لم يتزوج بعد، وليس هناك من مصادر لتمويل التعليم الجامعي بالنسبة لي.
لقد أنهيت الثانوية العامة (المترك) العام 1954، وكانت الوظيفة ميسورة لكل من ينهي الثانوية العامة، فهناك شواغر في التربية أو في المرافق الأخرى في الدولة، فاخترت أن أذهب باتجاه الوظيفة، وتقدمت بطلب للوظيفة معلماً في مديرية تربية البلقاء، وكان مركزها عمان.
حينها، كان مدير التربية المرحوم جميل عبد الهادي، فدخلت لمقابلته، ودخل معي مساعدوه المرحومون حسن البرقاوي وعوض الرويلي وشوكت تفاحة، من أجل التعريف بي وبدون طلب مني.
الرجال الثلاثة يعرّفون بي، وأنني كذا وكذا وهو ينظر إلي. وبعد أن أنهوا التعريف قال المرحوم عبد الهادي لي: ألست أنت الذي جئت إلى مكتبي ومعك مجموعة من الطلاب، وكان في يدك مسبحة وقلت كذا وكذا؟ قلت: نعم وليس أحد غيري.
وكان يومها الحديث الذي أشار إليه هو حديث سياسي، فقال: اسمعها من المدير الذي أمامك إنك لن تُعين في السلط. عندها قلت له: تأكد أنني لن أُعين إلا في السلط. وخرجت. وتفاجأ الأساتذة الكرام الحاضرون بما حدث، فهم لا يعرفون القصة.
ذهبت في اليوم نفسه وقابلت المرحوم فرحان الشبيلات، أمين عمان يومذاك، وكانت الساعة الثانية عشرة ظهراً، فقال لي:  يا ابني، داوم من اليوم في أمانة عمان. كان الأمر مفاجئا بالنسبة لي، فقلت له: يا باشا آتي غداً، فقال لي: يا ابني اجلس. ثم نادى رئيس الديوان وقال له: اكتب كتاب عبد اللطيف الآن وسلمه العمل من اليوم.
وقد تم ذلك، وكان التأكيد عليّ أن لا أترك العمل وأن أستمر عندهم.
بعد أسبوع، جاءني المرحوم أحمد محمود خليفة، وكان مديراً لمدرسة أديب وهبة في السلط، وقال لي: قم وامشِ معي، أنت معلم في مدرسة عقبة بن نافع في السلط. فقلت له: مدير التربية أقسم أن لا أُعين في السلط. فقال: الكتاب موقع، وهو عند رئيس الديوان.
وقد كان ذلك، وداومت في مدرسة عقبة بن نافع في السلط معلماً، وكانت مدرسة ابتدائية في ذلك الوقت.
أذكر أيامها أن مدير المدرسة كان المرحوم عبد الحافظ العزب، ومن المعلمين رضوان حياصات، وشحادة دبابنة، وفايز فاخوري، ومنور المناصير، ومن الطلاب محمود أبو طالب، وفكتور بله، وعبد الرزاق النسور، ومنذر مسمار، وغيرهم.
أمضيت عاماً  كاملا ممتعاً ومليئاً بالحيوية والنشاط الإسلامي، وقد انتخبت في هذا العام في الهيئة الإدارية في شعبة الإخوان المسلمين في السلط، كما انتخبت أميناً للسر فيها.
من هناك بدأَ التفكير لدي في إمكانية مواصلة الدراسة، وكان همِّي الأول الواقع العائلي، وحساب إمكانية أن أذهب للدراسة والكلف المترتبة على القرار.
أذكر بالخير دائماً الأخ المرحوم محمد نمر وهبة، أمين سر جماعة الإخوان في الأردن حينها، والذي كان يتابعني بشكل مستمر، ويقول: ماذا عملت بالدراسة؟، وكان له الفضل أن أرشدني إلى الدراسة في العراق وأنها غير مكلفة، وقال: إذا رشحتك وزارة التربية لهم ستكون الدراسة على حسابهم.
شرحت هذا الأمر لعمي المرحوم عبد الحليم النمر، فقال: سأسأل الوزارة. وبعد بضعة أيام أخبرني أن أذهب وأقدم طلباً بذلك.
كان الوقت مناسباً وميسوراً، وقد تم إرسال اسمي للعراق لدراسة الهندسة الزراعية، ومن هنا بدأت مرحلة الدراسة الجامعية، وشجعني أهلي وأصدقائي على ذلك، وما كان في ذهني ولا حساباتي أن تتيسر الأمور بهذه الطريقة وبهذه السرعة.

 •  إذا كانت الوجه بغداد ودراسة الهندسة الزراعية، فماذا عن البدايات في هذا المجال؟

- بعد ترشيحي للدراسة في جامعة بغداد من قبل الوزارة، بدأت أبحث عن الاختصاص الذي يمكن أن أحصل عليه. صادف ذلك عودة الأخ فاروق بدران مفصولاً من الجامعة في مصر، وقد سجن هناك بتهمة العمل مع الإخوان المسلمين، وله في ذلك قصة ذكرها في كتابه "محطات تربوية". تشجعت على دراسة الهندسة الزراعية، خصوصا أن الأخ فاروق بدران كان بهذا الاختصاص، واتفقنا أن نلتحق معا بجامعة بغداد، وقد شجعنا الأخ إبراهيم الساكت أن نذهب للتسجيل في الجامعة بهذا الاختصاص.
لقد لامه بعض أقاربه بقولهم: إنكم مخطئون إذا شجعتموه ليذهب للدراسة؛ لأن أهله أولى به الآن، وهم في حاجة إليه.
في البداية واجهنا مشكلة معادلة شهادة الدراسة الثانوية العامة (المترك)  مع ما يقابلها بالشهادة المماثلة في العراق. لقد وجدنا أن النظام الثانوي في العراق فيه علمي وأدبي، أما عندنا في الأردن فلا تفريع فيه بل هو نظام عام. عند معادلة شهادتي حسب النظام العراقي وجدوها أقرب إلى الفرع العلمي، ونظام كليات الزراعة في العراق تشترط تخصصاً علمياً كاملاً.
عرضوا علي أن أدرس الحقوق، فرفضت وقلت: سأعود للأردن إذا لم أحصل على ما طلبت، وبعد مراجعات واستشارات وافقوا على دخولي كلية الزراعة، وهذا ما أردناه أنا وصحبي الذين جئنا معا لهذا الغرض.
وفعلا سجلنا للفصل الأول في دائرة التسجيل، ثم سجلنا للقسم الداخلي الذي كان مهيأ للطلاب من خارج العراق ومن الطلاب العراقيين من خارج بغداد.
 قابلنا في قسم العهدة للقسم الداخلي شاباً طويلاً جداً، وأثناء التسجيل كان ينظر إلينا بشكل خاص، وبعد انتهاء التسجيل لحق بنا وقال: يا إخوان أنتم من الأردن؟ فقلنا له: نعم، وأصبح يتحدث معنا بطريقة استفهامية عن الأردن وماذا فيها. وبعد حديث مفصل قال: هل أنتم من الإخوان؟ فقلنا له: نعم، ففرح فرحاً شديداً وقال: والله من أول نظرة إليكم عرفت أنكم من الإخوان، وأصبح يزورنا ونزوره وكان اسمه صالح مهدي السامرائي.
كان صالح موظفاً بسيطاً في كلية الزراعة آنذاك، وبعدها التحق بالكلية ودرس الزراعة وأخذ الدكتوراه، وهو أستاذ في الاختصاص الزراعي وداعية إسلامي على المستوى العالمي، خصوصا في اليابان.
قُبلت أوراق الأخ فاروق التي قدمها من جامعة القاهرة المفصول منها، وسجل في السنة الثانية في الكلية، ونحن الجدد في السنة الأولى.
في الكلية، واجهنا صعوبات في بعض المباحث مثل: الرياضيات والأحياء بسبب تغير المناهج علينا، بسبب طبيعة التخصص العلمي لديهم في العراق، وغير الموجود لدينا في الأردن. كان ذلك في السنة الأولى فقط، ثم تجاوزنا ذلك في السنوات الباقية.
أذكرُ أن السيد زياد صلاح من نابلس دخل معنا في السنة الأولى، ولم يوفق بإكمال السنة الأولى بسبب مبحث الرياضيات، فذهب إلى جامعة أخرى وتخصص في الهندسة، وأصبح من كبار مهندسي ومتعهدي العمارة في الأردن، وهو الذي تعهد بناء كلية الهندسة في الجامعة الأردنية.
هذا مثال على مستوى الكلية وصرامة الأنظمة ومستوى الدراسة، حيث إن من لا يحصل على مستوى معينٍ ما كان يسمح له أن يكمل الدراسة اعتباراً من نهاية السنة الأولى.
نجحنا في السنة الأولى، وسجلنا للسنة الثانية، وبدأنا بصورة مريحة من حيث صعوبة الدراسة ونشاطنا الطلابي مع الإخوة العراقيين، ولقاؤنا في أعداد كبيرة منهم. كان ذلك في بداية العام الدراسي 1955-1956.
• مع هذا التاريخ بدأت أحداث كبيرة في العالم العربي؛ العدوان الثلاثي على مصر، والغليان في العراق خلال النظام الملكي؟

- كان الواقع العربي في ذلك العام مأزوما سياسياً، ففي العراق كان رئيس الوزراء نوري السعيد، في العهد الملكي، وكان الغليان الفكري والسياسي على أشده، وكانت مصر بقيادة جمال عبدالناصر في موقع التحدي مع الكيان الصهيوني، حيث تم العدوان الثلاثي على قناة السويس، وكان الوضع في الأردن في أوج غليانه السياسي بعد انتخابات العام 1956، وتشكيل الحكومة من الأغلبية في المجلس النيابي، والتي سميت بالحكومة الوطنية.
في هذه السنة، وقع العدوان الثلاثي على مصر، فأضربت الجامعات العراقية، وكلية الزراعة في جامعة بغداد التي كنا فيها، تقع خارج بغداد في منطقة أبو غريب، وكان من الصعب على طلاب الكلية الذهاب إلى بغداد للمشاركة في الإضرابات هناك.
بدأ التشاور بين الطلاب حول ما يمكن عمله، فقدمنا نحن الأردنيين اقتراحاً لهم يتمثل بإقامة اعتصام للتعبير فيه عن النفس والموقف. عندها سألونا: ما هو الاعتصام؟ فقلنا لهم: تعطيل الدراسة من الصباح، بحيث يتجمع الطلاب في الساحة العامة في الكلية، وتُلقى كلمات وترفع لافتات للتعبير عما تريدون.
قدمنا لبعضهم الذين نثق بهم هذه النصيحة فأخذوا بها، وقد تم تعطيل الدراسة والتجمع وإلقاء الكلمات والشعارات المتفق عليها، ولم نظهر نحن الأردنيين بشيء سوى وقوفنا معهم.
تم الاعتصام بدءا من الصباح وحتى الثالثة عصراً، حيث ذهبنا نحن المصلين إلى مصلى الكلية، فأدينا الصلاة.
بعد انتهائي من الصلاة، ناداني عامل بدالة التلفون، وأبلغني بما يلي: أثناء اعتصامكم قام عميد كلية ممتاز عارف بالاتصال بنوري السعيد رئيس الوزراء، وأبلغه بأن لدينا اعتصاما قام به الطلاب وهم الآن في الساحة العامة، فسأله نوري السعيد: ما هو الاعتصام؟ فوصف له ما تم، عندها قال له نوري السعيد: هذه ليست فكرة عراقية. ماذا لديكم من الطلاب الأجانب؟ فقال: عندنا طلاب أردنيون، فقال: هذه هي، هؤلاء الأردنيون هم أصحاب الفكرة. وطلب إعطاءه أسماء الأردنيين الذين شاركوا في الاعتصام، فأعطاه اسمي وأسماء فاروق بدران وإبراهيم الساكت ونعيم بقاعين وهاني حدادين، فأبلغ نوري السعيد العميد أنه أصدر أمره بطردهم من العراق فوراً، وأن يُلقى بهم عند خشبة الحدود الأردنية العراقية!.
عدت إلى الشباب، ووجدت فاروق وإبراهيم، فسألت عن نعيم وهاني، قالا لي إنهما ذهبا إلى بغداد.
كانت عيوننا تراقب بوابة الكلية، فوجدنا الشرطة تفتش الباصات الخارجة من الكلية بحثاً عنا، عندها اتخذنا قرارا سريعا، ونفذناه على الفور، وهو أن نذهب مشياً على الأقدام إلى محطة الباص التي تقع مقابل مدخل الكلية.
ركبنا الباص متظاهرين بأننا لسنا طلاب كلية، فمررنا على محطة الكلية، وكان أفراد الشرطة ما يزالون منهمكين بالتفتيش عنا، ومررنا من عندهم بدون أن ينتبهوا إلينا.
حين وصلنا إلى بغداد سألنا عن هاني ونعيم، فقيل لنا إنه تم إلقاء القبض عليهما من قبل الشرطة.
استقلَّ ثلاثتنا سيارة وطلبنا إيصالنا إلى منطقة الصليخ في ضواحي بغداد، حيث يسكن مجموعة من الطلاب الأردنيين؛ قنديل شاكر وعدنان الجلجولي وعبدالحليم أبو طالب وعبدالحكيم غيث، وغيرهم. سكنا عندهم، وبدأنا من هناك، وبطريقة غير مباشرة، نتابع القضية مع سفارتنا في بغداد.
كان المستشار الثقافي آنذاك الأستاذ إبراهيم صلاح رحمه الله والسفير الأستاذ عبدالله زريقات، وكان المستشار يأتي ليلاً عندنا في الصليخ، ونتشاور ويعطينا الأخبار أولاً بأول. كان رجلاً شجاعاً ومخلصاً، وكان يطلب من السفير التدخل، وآخر هذه التدخلات أنه أخذنا بسيارته الدبلوماسية إلى وزارة الزراعة، حيث إن السفير أخذ موعداً من الوزير لبحث قضيتنا ومعه المستشار الثقافي.
دخل السفير لمكتب الوزير العراقي ومعه المستشار الثقافي، وكان الوزير حينها عبد الهادي الشلبي. جلسنا عند مدير المكتب وكنا نسمع صوت الحوار بينهم، فكان الوزير يقول: أنا لا أستطيع أن أبحث الأمر مع الباشا نوري السعيد، وهذا أمر غير قابل للنقاش. عندها، خرج إلينا المستشار وأعطانا إشارة تعني أن نهرب قبل أن يتم إلقاء القبض علينا. خرجنا بسرعة، وركبنا سيارة وعدنا إلى مخبئنا في الصليخ.
فيما بعد، علمنا أن نوري السعيد قد شدد على مدير الأمن العام أن يبحث عنا بكل الوسائل إلى أن يجدنا، وهدده بالعقوبة إن فشل في ذلك.
قام مدير الأمن بطلب تفتيش السفارة الأردنية لأنه يشك بأننا مختبئان فيها، وتم التهديد بإيقاف الاعتراف بالمستشار الثقافي إذا لم يتم تسليمنا إليهم.
مكثنا على هذه الحال على مدار أسبوعين، لكننا في نهاية المطاف لم نجد وسيلة إلا تسليم أنفسنا حتى لا نحرج السفارة والمستشار الثقافي على الخصوص.
طلبنا من المستشار أن يساوم مدير الأمن العام على تسليم أنفسنا بشرط أن نخرج من العراق خروجاً طبيعياً من دون اعتقال، خصوصا عندما علمنا أنهم قاموا بتسفير هاني ونعيم بطريقة الاعتقال.
فرح مدير الأمن العام بالشرط، وقال: أريد أن يخرجوا، وأبلغ الباشا أنني أخرجتهم كما أراد. أبلغ المستشار مدير الأمن العام بما تم ترتيبه، وبأننا حجزنا مقعدين لي وللأخ فاروق، لأنهم كما علمنا كفوا الطلب عن إبراهيم. وأخبرهم حينها أن الحجز كان في تكسيات طبلت، وفي مكاتبهم بساحة القاضي، وأعلمه عن الساعة كذلك.
ذهبنا في الساعة المعينة ووجدنا اثنين من الشرطة تحقَّقا من جوازات سفرنا، وأننا قد حجزنا للسفر بالفعل، وانتظرا حتى خروج السيارة، وأديا لنا التحية وهما مسروران. وعدنا إلى الأردن بشكل عادي.
في الطريق إلى الأردن، مررنا في طريقنا على كليتنا في أبو غريب، فنظرت إليها بحزن عميق، وأنا أساءل: يارب، هل لنا من عودة لإكمال الدراسة!!.
كان الوضع في الأردن ملتهباً وداعماً لمصر، وكان عمي المرحوم عبد الحليم النمر نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للدفاع والداخلية، وقال لي: ما رأيك أن تتحول إلى جامعة القاهرة في مصر. كان المقترح جيدا، فوافقت على الفور، وقمت بتقديم الطلبات على هذا الأساس.
قدمت الطلبات إلى السفارة المصرية بعمان، ووعدوا بمتابعتها. كان المرحوم غازي عربيات في القيادة العامة الأردنية، وقال لي المستشار العسكري في السفارة المصرية إنه سيتابع لي الأمر، وسيترك الجواب "عند الأخ غازي عربيات"، لمعرفته به.
كان تقديم الطلبات في أواخر العام 1956، وحين لم يأتِ جواب خلال شهرين، عملت معلماً في مدرسة أديب وهبة، ومديرها حينذاك كان المرحوم أحمد محمود خليفة، ولأن الأخ فاروق بدران كان مفصولا من جامعة القاهرة، فلم يستطع أن يقدم معي طلباً، وبقي ينتظر أمر الحل من أي جهة كانت.
جاءني الجواب بالقبول في جامعة القاهرة في نهاية شهر نيسان (أبريل) العام 1957، وكنت أعمل معلماً، كما ذكرت، فقررت عدم الذهاب في هذا الوقت بل الانتظار لبداية العام الجديد لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً.
بقيت معلماً حتى بداية العام الدراسي الجديد، وبعد مرور ما يقارب الشهر على بدء الدراسة بالجامعة في بغداد، وصلت برقية من المستشار الثقافي في بغداد لوزارة التربية يقول فيها: على فاروق وعبد اللطيف أن يحضرا فوراً إلى بغداد، وبالطائرة، في يوم كذا، وعدم التأخير نهائيا، لأن الدراسة بدأت من مدة، والتأخير لا يحتمل!!.
كان الأمر مفاجئا، فسارعنا معا إلى حجز السفر، وغادرنا عمان إلى بغداد بالطائرة.
وصلنا بغداد في الساعة الثامنة مساءً، وعندما فُتح باب الطائرة وإذا بالمستشار إبراهيم صلاح يقف على رأس سلم الطائرة. أخذ منا جوازات السفر، وقال اتبعوني. دخل إلى قسم الأمن الذي يدقق الجوازات، وقال لهم: أنا المستشار الثقافي الأردني، رجاءً ختم هذين الجوازين، فتم ذلك بسرعة وبدون تأخير. بعدها أشار إلينا أن نتبعه من جديد، فخرجنا معه، وإذا بجموع الطلاب الأردنيين، حوالي الخمسين، تجمعوا لاستقبالنا، وقالوا لنا: أين حقائبكما، فأشرنا إليها، فحملوها، وأخذوا واحدة زيادة ليست لنا. حين وصلنا منزلهم في الصليخ، اكتشفنا الحقيبة الزائدة، فاتصلنا بالمطار وأعلمناهم بذلك. وكانت فرحة إخواننا بنا كبيرة لا توصف.
في اليوم التالي، ذهبنا إلى الكلية وقابلنا العميد، وكان وقتها الدكتور عبد الصاحب العلوان، وأعطى أمرا بالتحاقنا فوراً بالدراسة، وعدم المحاسبة على التأخير. الأساتذة والطلاب وأولهم العميد كانوا فرحين بعودتنا، والكل يقول الحمد لله على السلامة.
وهنا، أسجلها للحق بأن نخوة ورجولة الأستاذ إبراهيم صلاح، المستشار الثقافي في السفارة الأردنية في بغداد، وكذلك نخوة ورجولة إخواننا العراقيين الذين تجاوزوا كل الشكليات وتعاونوا معنا بدون حدود، كانا سببا من أسباب عودتنا إلى الدراسة.
بدأنا بالدوام في الكلية، وبحسب الأصول فإنه لابد من إبلاغ دائرة الإقامة بعودتنا  إلى العراق، وقد كان في ذهننا أنه قد تم السماح لنا بالدخول، وأن أمر الإبعاد أُلغي ولم يعد قائما.
دخلنا إلى مكتب مفوض الإقامة وقدمنا له الجوازات وطلب الإبلاغ، فإذا به ينظر إلينا باستغراب، ويقول كيف دخلتم؟! أنتم ممنوعون من الدخول، واسماكما موجودان في القائمة السوداء!!.
أخبرناه تماما كيف تم الأمر وقصة مجيئنا في الطائرة. عندها تحدث مع المستشار الثقافي الأردني، الذي أخبره أن أوراقنا جاهزة، والمعاملة كاملة ستأتيه في أقرب وقت. عندها، قال لنا بأنه سيمنحنا أسبوعين فقط لإتمام المعاملة.
خرجنا من عنده، وعدنا إليه من جديد بعد أسبوعين، ليخبرنا بأن الأمر ما يزال على حاله، وأن معاملتنا لم تصل. وأشار إلى الشرطة بعدم السماح لنا بالخروج.
بدأ يقلب الملفات أمامه، وكنا نحن ننتظر على أحر من الجمر، وإذا به يقول: ها هي قد وصلت.
وأعطانا إذن الإقامة، وهنأنا بالسلامة. فشكرناه وغادرنا مكتبه.
درست السنة الثانية التي فصلت فيها، لكن شعورا عاما بعدم الاطمئنان وعدم الاستقرار ظل مسيطرا علي. كان ذلك الشعور مرده إلى أسباب كثيرة؛ داخلية وخارجية.

عربيات في الحلقة السادسة

•  شهدنا الغليان ببغداد بعد الإطاحة بـ"الملكية" والفوضى التي أعقبت الانقلاب
•  بعد انقلاب 1958  العراقي أطلقت شعارات السحل بكل هتاف أو نشيد  
• المستعمر البريطاني ساهم بزيادة الشرخ بين السنة والشيعة في العراق
• العلماء وقادة الفكر بإمكانهم إنهاء أي نوع من الاصطفاف المذهبي
• الخلاف المذهبي لا يحول دون نصرة الإسلام وتوحيد الأمة ضد عدوها الحقيقي

mohammed.rawashdeh@alghad.jo

التعليق