الحلقة السادسة

عربيات: الخلاف المذهبي لا يحول دون توحيد الأمة ضد عدوها الحقيقي

تم نشره في السبت 10 كانون الأول / ديسمبر 2016. 07:50 مـساءً - آخر تعديل في الأحد 11 كانون الأول / ديسمبر 2016. 08:49 مـساءً
  • رئيس مجلس النواب الاسبق عبداللطيف عربيات - (تصوير: محمد أبو غوش)
  • عبداللطيف عربيات منكبا على القراءة خلال دراسته الجامعية في بغداد - (أرشيفية)

محمد خير الرواشدة

عمان - تتوالى الأحداث في مسيرة رئيس مجلس النواب الأسبق والقيادي الإسلامي الدكتور عبداللطيف عربيات، ويكشف في حلقة اليوم جانبا من بداياته مع تنظيم جماعة الاخوان المسلمين، بعد أن بدأ ينخرط أكثر في نشاطاتهم في الأردن وخارجها.
ويروي عربيات في الحلقة السادسة من سلسلة "سياسي يتذكر" التي تنشرها "الغد" ذكرياته حول الانتخابات النيابية العام 1956، ومدى الزخم السياسي الذي ولدته المشاركة والمنافسة الحزبية بين القوى السياسية المتعارضة.
ثم يذهب في روايته إلى جهة الدعم السياسي المتبادل بين إخوان الأردن وإخوان سورية، ويستذكر زيارة المراقب العام للإخوان المسلمين السوريين الدكتور مصطفى السباعي، وخطابه الشهير أمام ساحة الجامع الحسيني الذي طالب خلاله الجماهير بانتخاب المرشحين من جماعة الأردن في انتخابات العام 56.
ثم يأخذنا إلى مشاركته في تعبئة السوريين في انتخاباتهم العام 1957، ودعمهم للدكتور السباعي، وجانب من المضايقات التي مورست عليهم خلال تواجدهم في دمشق، وتفاصيل تلك الأحداث التي يسردها عربيات بطريقة مشوقة.
وإلى أحداث طريفة يأخذنا عربيات اليوم، من خلال سرده لقصة ذهابه لبيروت خلال رحلة عودته للدراسة في بغداد، حيث يكشف تفاصيل محاكمته من قبل عبدالرؤوف الروابدة الذي كان ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، والحكم الذي أصدره عليه بمصادرة علب حلوى كان عربيات يريد أن يوصلها لأحد اصدقائه.
ثم يتوقف عند تفاصيل مشوقة عن رحلته الدراسية في العراق، التي كانت تشهد في تلك الفترة أجواء أمنية صعبة بسبب الانقلابات العسكرية.
وكان عربيات قد تحدث في حلقة أمس عن الطريقة التي تعين فيها في وظيفته الأولى، ليعبر منها بعد أن استطاع تأمين كلف دراسته الجامعية، التي قدرت الظروف أن يكملها في العراق ليتخصص في الهندسة الزراعية.
كما تحدث عن استكمال سلسلة مشاغباته السياسية، بعد أن تقدم باقتراح لتنفيذ اعتصام لطلبة كلية الزراعة في بغداد، التي كانت تبعد عن العاصمة، وهو حراك سياسي لم يمارسه طلبة العراق من قبل، وبعد أن نُفذ الاعتصام، جرت ملاحقة عربيات وعدد من الطلبة الأردنيين، بعد أن كشفهم رئيس الحكومة العراقية نوري السعيد، وأمر بملاحقتهم.
وفي ما يلي نص الحلقة السادسة:

* خلال الدراسة الجامعية في بغداد، هل زادت الأوضاع سوءا حركة الانقلابات التي شهدتها كل من سورية والعراق؟

- من العراق كنا نتابع أخبار الأردن. كانت الانتخابات النيابية الأردنية التي جرت العام 1956 في البلاد معلماً كبيراً لتلك الفترة، فبالإضافة إلى المنسوب الكبير للحرية، كانت هناك فرصة لتطبيق روح الدستور، بمعنى إجراء هذه الانتخابات وتكليف حزب الأغلبية بتشكيل الحكومة.
تجمع للإخوان أربعة نواب، هم الأخ محمد عبدالرحمن خليفة في عمان وهو المراقب العام وقد نجح على منافسه سليمان النابلسي الذي تسلم فيما بعد رئاسة الوزراء، كما نجح الشيخ عبدالباقي جمو عن الزرقاء، والأستاذ عبدالقادر العمري عن إربد، والدكتور حافظ عبدالنبي عن الخليل، كما نجح اثنان من حزب البعث وواحد عن اليسار، والشيخ أحمد الداعور عن حزب التحرير الإسلامي.
في تلك الانتخابات، أي في فترة الدعاية الانتخابية، جاء الدكتور مصطفى السباعي، المراقب العام للإخوان المسلمين في سورية، وخطب في المهرجان الكبير لنصرة الحركة الإسلامية، وأخذ العهد على الجماهير في ساحة المسجد الحسيني لنصرة الإسلام والمسلمين.
وفي العام 1957، جرت انتخابات نيابية في سورية، وكان التنافس كبيراً بين الدكتور مصطفى السباعي وعدنان المالكي البعثي في دمشق. قام الإخوان في الأردن بحشد عدد كبير من الإخوان، وذهبنا إلى دمشق لنصرة الدكتور السباعي.
أذكر من الإخوان العمال في السلط الأخوين أحمد جفال (حصام)، وأحمد السعيد الحياري (خباز)، والكل مستعدون لبذل كل جهد في سبيل أداء مهمته في توزيع المنشورات والإعلانات واللافتات.
حاولت الشرطة العسكرية السورية منع إخوان الأردن من توزيع المنشورات في ساحة المسجد الأموي، وهم يحملون رشاشاتهم ويهددون بها، فقام الإخوان جفال والحياري بالدفاع عنا ومنع الاقتراب منا. وبعد ساعات جاءت مفارز شرطة وأحاطت بالموقع واعتقلوا الأخوين جفال والحياري.
قمنا بالتظاهر مطالبين بإطلاق سراحيهما، وحضر إلى الموقع الدكتور مصطفى السباعي، والدكتور معروف الدواليبي، والدكتور مصطفى الزرقاء، والدكتور محمد المبارك، وغيرهم، ووعدونا بإخراجهم فوراً، وقد تم ذلك.
في الساعة الواحدة ليلاً قامت مباحث المكتب الثاني السوري بمداهمة الفنادق التي يسكن فيها الإخوان الأردنيون، وإلقاء القبض عليهم وترحيلهم إلى الأردن فوراً، وقد أخذ ضابط المكتب الثاني الوثائق من جيبي وفيها أوراق الجامعة والهويات وغيرها، وقال لي: لن تدخل سورية  إلا إذا صار السباعي رئيساً للجمهورية، فقلت له: إن شاء الله.
أخذوني في سيارة جيب وجدت فيها الأخ وليد الحاج حسن، والأخ الدكتور محمد بشير الخضرا، وكان طالباً في بيروت، وحضر من أجل الهدف الذي جئنا من أجله، وتم تسليمنا إلى نقطة الحدود الأردنية. قبل ذلك تم طردي من العراق، وها أنا ذا أطرد من سورية.
في شهر تموز (يوليو) من العام 1958، جرى انقلاب عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف في العراق، وكان ذلك في العطلة الصيفية التي كنت أقضيها في الأردن. أغلقت الحدود الأردنية العراقية، وليس هناك من طريق إلا من الحدود السورية العراقية. حاولت أن أدخل سورية فأعادوني عن الحدود؛ لأنني أخرجت منها قبل عام.
عدت بعد شهر على أمل أن واسطة السيد نذير رشيد في دمشق تفيدني، فطردوني مرة أخرى، وقالوا لي: إذا عدت مرة أخرى سيكون مصيرك السجن. قام الأخ وليد الحاج حسن، رحمه الله، بمحاولات كبيرة من داخل دمشق، لكنه لم يصل إلى نتيجة، فقررت الذهاب بالطائرة إلى بيروت ومنها بالطائرة إلى بغداد.
وبسبب سمعة بيروت التي لم تكن جيدة في ذلك الوقت، سألت عن فندق "نظيف" في العاصمة اللبنانية، فأرشدني بعض الإخوة إلى فندق الأهرام. وبالفعل ذهبت إلى بيروت، وبدأت بالتسجيل في الاستقبال، وتم تحديد غرفة لي في الفندق، وكدت أهم بالذهاب إليها، وإذا بمجموعة من الشباب لا أعرف منهم أحداً يسألون: أين عبداللطيف عربيات؟
فقلت: نعم.
جاؤوا نحوي، وإذا بهم يعرفون صاحب الفندق، فقالوا له: أغلق الحساب. ثم وجهوا الكلام لي: "يا أخي ما فيه حدا بعينك، تأتي لبيروت وتذهب إلى الفندق".
تبين أن ناطقهم المفوه هو عبدالرؤوف الروابدة، ومعه حسين رشيد وأحمد السيد، وخليل رباع، وكلهم طلاب صيدلة ما عدا حسين رشيد، الذي كان يدرس الطب.
قام الأخ خليل رباع بتخصيص غرفته لي، وكانت لديهم مساحات واسعة وفرش كثير. وقالوا: كلما تأتي لبيروت سنسكنك هنا.
في الصباح، ذهبت إلى السفارة العراقية، وقدمت طلباً وبيانات تثبت بأنني طالب في جامعة بغداد من أجل سمة الدخول، ثم عدت إلى البيت، وتناولنا الغداء عند الإخوة الكرام.
كان العام 1958 عام الانقلابات، وكانت إشارة الانقلاب نشيد الله أكبر فوق كيد المعتدي، وإذا بالمسجل يرتفع فيه نشيد الله أكبر فوق كيد المعتدي وإذا برفاقي يحملون بنادقهم (شماسي) ويقولون لي: أرفع يدك أنت معتقل، فقلت: حاضر، ثم أحضروا الأخ خليل رباع، كمتهم معي، وإذا بطاولة المحكمة تنصب والادعاء العام عبدالرؤوف الروابدة، قد أعد خطاباً نارياً يقول فيه: مصلحة الأمة والوطن توجب القبض على المتآمرين، كذا وكذا، والمتهمان فلان وفلان ألقي القبض عليهما في حالة تآمر كذا، فالمتهم الأول دخل البلاد بصورة غير مشروعة ووجدناه يتردد على السفارة العراقية بصورة مشبوهة، وأما المتهم الثاني فقد آوى المتهم الأول وأسكنه في غرفته، وفوق هذا وجدنا طردين مشبوهين في حقيبة المتهم الأول، نطالب بالتحقيق وبيان الحقيقة... إلخ.
بعد تشاور قليل بين "هيئة المحكمة"، عادت وأصدرت أحكامها بما يلي: ثبت قول الادعاء بحق المتهم الأول من تردده على السفارة العراقية، فيحكم عليه بالطرد من البلاد وعلى أول طائرة إلى بغداد، ثانياً فض الطردين المشبوهين أمام المحكمة الموقرة، ويحكم على المتهم الثاني بعشر جلدات خفيفة.
كانت فكاهات حلوة وأخوية ومعبرة، أما قصة الطردين فهما علبتا حلويات أرسلهما الأخ أحمد أبو طالب، إلى ابن عمه عبد الحليم أبو طالب معي.
في اليوم التالي جاء إلى بيروت الأخ وليد الحاج حسن رحمه الله، وكان يدرس الحقوق في جامعة دمشق، وهو يحمل أمراً بالسماح لي بدخول سورية والذهاب منها إلى العراق، فشكرته وقلت له: حلت من هنا وجزاك الله خيراً.

*إذن، عدت إلى بغداد مع بدء الانقلاب على النظام الملكي في العراق؟
- ذهبت إلى بغداد بالطائرة من بيروت. كان وقتا صعبا، فقد واجهنا، إلى جانب الدراسة، حالة الغليان في بغداد وبقية المدن العراقية إثر الانقلاب العسكري ونتائج المجازر التي رافقت الانقلاب وتبعته، وتشكيل قوى المقاومة الشعبية من طلاب الجامعات والقوى اليسارية العمالية التي أعلنت أنها مسؤولة عن حماية الثورة والمكتسبات الشعبية، فصبوا جام غضبهم على البعثيين والقوى الشعبية الأخرى.
كنا في الأقسام الداخلية نفيق في منتصف الليل على دخول المقاومة الشعبية الطلابية التي كانت تقتحم الغرف وتقوم بتفتيش الخزائن، للبحث عن السلاح أو المنشورات أو الكتب المعادية للشيوعية. كانوا يعرفوننا كوننا طلاب كلية واحدة، وعندما وصلني الدور في التفتيش قال قائدهم وهو طالب كردي واسمه محمد صالح: لا تفتشوا خزانة عبداللطيف، هذا مناضل مثلنا حيث فصلنا قبل عام معا أثناء مظاهرات العدوان الثلاثي على مصر.
في إحدى الليالي، جاءني طالب كردي ضخم الجسم اسمه عبدالله، وكانت الساعة الثانية صباحاً، وقال لي: أخ عبداللطيف، أنت تقول إنكم الأردنيون لا تتدخلون في شؤوننا الداخلية. تعال وانظر ماذا وجدنا عند جميل الزريقات، منشورات معادية وغيرها من الوثائق.
ذهبت معه إلى ردهة جميل الزريقات، فوجدتهم يحيطون به بصورة مزعجة، وحين رأوني قالوا لي: انظر ماذا وجدنا عنده؛ منشورات وكتب.
نظرت إليه، وكانوا قد أشبعوه ضرباً، فقال: هم الذين وضعوها في خزانتي.
ما إن قال ذلك، حتى عادوا إلى ضربه من جديد، فتدخلت وقلت لهم: يا شباب هذا أحد الطلاب معكم، وهو زميلكم. قد تختلفون معه في الرأي، ولكن تبقى الزمالة والأخوة بينكم هي أقوى. لا يليق هذا الفعل بكم كطلبة.
فقالوا: حسنا؛ سنأخذه الآن ونسلمه إلى معسكر الجيش القريب من الكلية.
قلت لهم إن الوقت غير مناسب، وأشرت عليهم أن يبقوه تحت الحراسة، وأن ينام في مكانه حتى الصباح، على أن نلتقي في الصباح الباكر لتسوية المشكلة.
خرج اثنان منهم لمناقشة الاقتراح ودراسته، وعادا بعد قليل بالموافقة عليه.
هذا مثال واحد من أحداث أشهر طويلة على هذا المنوال. كنا نقضي وقتاً طويلاً بمتابعة محاكمات فاضل عباس المهداوي، رئيس المحكمة العسكرية آنذاك، أو محكمة الثورة. كانت المحاكمات مسلية جداً؛ لأنها لا تعتني إلا قليلاً بموضوع الاتهامات والتحقق منها. كانت تُلقى فيها أشعار الردح والذم بالآخرين في داخل العراق وخارجه، وكانت مصر عبد الناصر إحدى الجهات التي خصصت لها التعليقات والنكت والتهكمات، في ما محمد حسنين هيكل، من جانبه، يهاجم العراق، أما المهداوي في المحكمة العسكرية فيخصص قسماً كبيراً من الوقت للرد عليهم.
كانت شعارات السحل على لسان كل هتاف أو نشيد، فكنا نسمع "ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة"، وكنا نشاهد الحبال في أيدي النظارة في قاعة المحكمة، يلوحون بها فوق رؤوس المهتمين في قفص الاتهام.
ومن المحاكمات المثيرة التي كنا نشاهدها، محاكمة سعيد القزاز وزير الداخلية في عهد نوري السعدي، ومحاكمات كبار الضباط من أمثال ناظم الطبقجلي ورفاقه الذين أعدموا في ساحة أم الطبول ببغداد.
كان موقف سعيد القزاز موقفاً مميزاً وشجاعاً، فبعد أن كان المهداوي يوجه مختلف التهم والسباب والشتائم إليه، قال في دفاعه موجهاً كلامه إلى المهداوي: "أنا أعرف أن حكم الإعدام سيصدر ضدي، ولكنني عندما أرتفع على أعواد المشنقة ستكون أقدامي فوق رؤوس الكثيرين ممن لا يستحقون الحياة من بعدي".
عندها، ارتجف المهداوي، وقال: ماذا تقصد يا مجرم يا كذا؟
قال القزاز: أنا أعني ما قلت.
وكررها مرة أخرى، وبعد تردد عرف المهداوي مغزاها، فأمطره بالشتائم من مختلف الأنواع.
أيامها، روى لنا بعضهم أن عبدالكريم قاسم زار القزاز في زنزانته في السجن، وأراد أن يفاوضه، فأدار القزاز ظهره له ولم يجب عن أسئلته. كما روي، أيضا، أنهم أرسلوا له زوجته في محاولة لإيجاد صيغة العفو عنه، فكان جوابه لها: "هل تريدين أن أموت وأنت على ذمتي أم مطلقة؟".
فعادت بدون نتيجة، وتم إعدامه، رحمه الله.

* لا بد لنا أن نستحضر تلك الفترة بوعيك اليوم، وتراكم سنوات خبرتك السياسية، ما هي آثار ذلك الانقلاب، وهل أدى ذلك لميلاد التفرقة المذهبية بين السنة والشيعة منذ ذلك الوقت؟
- عملية التمذهب بين السنة والشيعة في العراق عميقة لدى الجانبين، وقد رعى تعميقها وإدامتها ومنع اللقاء فيها المستعمر البريطاني، الذي شجع ذلك بمختلف الوسائل.
هناك شيء أصيل ويمكن اللقاء على أساسه، وهو السنة المحمدية التي يلتقي عليها الجميع، والمذهب الشيعي الجعفري الاثني عشري اعترفت به السنة كمذهب سادس وذلك على لسان الشيخ شلتوت رحمه الله وهو شيخ الأزهر، والذي قرره باسم السنة جميعاً.
لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فقد غالت الشيعة الصفوية بالخلافات، وفي المقابل كانت هناك ردة فعل من قبل السنة، إضافة إلى أن هناك، وحتى اليوم، من يرعى ويحرك الخلاف بدوافع وأسباب متعددة.
أؤمن أن هذا الأمر يمكن الاتفاق عليه إذا وُجد من يعي حقيقة هذا الخلاف، من الجانبين، ومن يعمل بروح الإسلام بتجرد وعلم وعمل جاد لتحقيق مقاصد الشريعة وأهداف الإسلام العليا.
سأورد مثالا حدث في العام 1959 بعد انقلاب العام 1958، وأثناء حكم الزعيم عبدالكريم قاسم، فقد قام الرجل بإفساح المجال لتشكيل أحزاب حرة ومستقلة لمن يريد ذلك، فأعلنت القوى الشيوعية تشكيل حزب لها، والإسلاميون أعلنوا تشكيل الحزب الإسلامي في العراق، وقد حضرت حفل افتتاح أول اجتماع للحزب في مقر جمعية الأخوة الإسلامية في باب المعظم في بغداد، وشهدت بنفسي حضور وفد من أكراد الشمال وتكلموا في الاجتماع، وبلسان واحد، بقولهم علناً: نحن نأتي لنكون جنوداً للحزب الإسلامي. حين قلتم أنتم عروبة قلنا نحن أكراد، ولكن عندما قلتم إسلام جئنا لنعلن أننا من جنودكم، ولا نطالب بالقيادة.
وحدث أيضاً أن تقدم أحد إخواننا الشيعة برخصة جريدة باسمه لتكون ناطقة باسم الحزب الإسلامي، وسمعنا في حينه أن عبدالكريم قاسم قد استدعى هذا الأخ الشيعي وقال له: أنت شيعي، فكيف تعطي رخصة جريدتك للحزب الإسلامي السني؟. فقال له: هذا هو الإسلام.
وهناك مثال آخر حصل في تلك الآونة؛ فعندما اشتد نفوذ الشيوعيين في الجيش والحكومة، وشعر المسلمون جميعاً بخطر الشيوعية تهددهم، صمموا على توحيد الصفوف ضد الخطر الداهم، فقام الشيخ أمجد الزهاوي، كبير علماء السنة في بغداد بتنظيم زيارة للعتبات المقدسة في النجف الأشرف، وأخذ وفداً كبيراً معه في هذه الزيارة. كما قام الإخوة الشيعة في النجف، علماء وجماهير شعبية، بتنظيم استقبال لهم لا نظير له، وقيل في حينه إنه لم يحصل عليه أي زائر قبله. وقيل إن علماء الشيعة قد قدموا الشيخ الزهاوي ليؤمهم في الصلاة، وأقيمت احتفالات وندوات كبيرة بمناسبة هذه الزيارة، وتحدثوا جميعاً عن أهمية توحيد الصفوف والاستعداد لمواجهة الخطر الشيوعي القادم.
كما نظم علماء السنة زيارة لعلماء الشيعة في بغداد، وقد كانت في رمضان العام 1959، وتم استقبالهم في كلية الشريعة ومسجد الإمام أبي حنيفة النعمان، وقد أقيم لهم حفل إفطار كبير حضرته أعداد غفيرة، وكنت من الذين حضروا هذا الإفطار مع طلاب من الحركة الإسلامية.
كانت الفرحة غامرة، عند الجميع وقد ألقيت الكلمات والقصائد، وكان من أبرزها قصائد شاعر الدعوة الإسلامية وليد الأعظمي رحمه الله، التي هاجم فيها محمد مهدي الجواهري الذي أصبح نصيراً لليسار في ذلك الوقت. وبقيت هذه الاحتفالات من بعد صلاة التراويح حتى الفجر، وكان الجميع في عيد وفرح مستمر.
هذا مثال واضح وجلي على أن الخلاف المذهبي بين الشيعة والسنة لا يصل إلى درجة القطيعة والحرابة كما يريد ذلك أعداء الإسلام، وأن المحن توحد الجميع وأن العلماء وقادة الفكر بإمكانهم إنهاء أي نوع من الاصطفاف ضد بعضهم البعض، وأن الخلاف في بعض المسائل لا يحول دون نصرة الإسلام وتوحيد الأمة ضد عدوها الحقيقي.

عناوين الحلقة المقبلة من سياسي يتذكر

أنهيت السنة الأخيرة لدراستي في الكلية بتقدير امتياز
لم نتأثر كثيرا بالظروف السياسية والأمنية في العراق
الأكراد لم يكونوا يعرفون الدينار العراقي
الإهمال وعدم العدالة والمساواة تؤدي إلى القلاقل
التفريع الأكاديمي إلى علمي وأدبي في العراق سبق الأردن

mohammed.rawashdeh@alghad.jo

التعليق