الحلقة السابعة

عربيات: الإهمال وعدم المساواة وفقدان العدالة تؤدي للقلاقل

تم نشره في الأحد 11 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:00 صباحاً - آخر تعديل في الأحد 11 كانون الأول / ديسمبر 2016. 07:52 مـساءً
  • رئيس مجلس النواب الاسبق عبداللطيف عربيات - (تصوير: محمد أبو غوش)
  • عبد اللطيف عربيات (الثاني يمينا) مع طلبة عرب في الولايات المتحدة العام 1975 - (من المصدر)

محمد خير الرواشدة

عمان- يأخذنا رئيس مجلس النواب الأسبق والقيادي البارز في صفوف الحركة الإسلامية الدكتور عبد اللطيف عربيات في حلقة اليوم من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر" مع "الغد" إلى رحلة سياحية قام بها عربيات خلال دراسته الجامعية، ويؤكد بأنه وعلى الرغم من الظروف السياسية والأمنية في العراق، إلا أنه واصل رحلة اكتشافه للمجتمع العراقي بألوانه السياسية وأطيافه المذهبية.
ويؤشر عربيات في حلقة اليوم إلى مفاصل مهمة من رحلته الجامعية الأولى، ويؤكد حصوله على تقدير امتياز في نهاية مشواره العلمي من جامعة بغداد، وأنه استفاد من نظام التعليم الجامعي في العراق، الذي كان يطبق دراسة الفروع العلمية والأدبية قبل الأردن بسنوات.
وكعادة عربيات في معظم الحلقات فإنه يعرج إلى عمله الدعوي والسياسي خلال محطات من عمره، ويشير إلى أنه ظل يحاول مناقشة اساتذته الجامعيين ويسعى للتأثير بهم، وله في ذلك محطة مع الدكتور سعدون حمادي الذي أصبح لاحقا رئيسا للوزراء زمن رئيس النظام العراقي السابق صدام حسين.
ويقفل عربيات في حلقة اليوم رحلة دراسته الجامعية الأولى في بغداد، يأخذنا نحو عودته لوزارة التربية والتعليم، التي أخرت التحاقه ببرنامج الدراسات العليا في الولايات المتحدة، ما دفعه للتظلم وتسجيل شكوى بحق القائمين على البعثات، إلا أنه يؤكد حصوله على المنحة في نهاية المطاف.
وكان عربيات تحدث في الحلقة الماضية عن الدعم السياسي المتبادل بين اخوان الأردن واخوان سورية، واستذكر زيارة المراقب العام للاخوان المسلمين السوريين الدكتور مصطفى السباعي، وخطابه الشهير أمام ساحة الجامع الحسيني الذي طالب خلاله الجماهير بانتخاب المرشحين من جماعة الأردن في انتخابات العام 56.
كما تحدث عن مشاركته في تعبئة السوريين في انتخاباتهم العام 1957، ودعمهم للدكتور السباعي، وجانب من المضايقات التي مورست عليهم خلال تواجدهم في دمشق، وتفاصيل تلك الأحداث التي يسردها عربيات بطريقة مشوقة.
فيما عرج على أحداث طريفة حصلت خلال ذهابه لبيروت برحلة عودته للدراسة في بغداد، حيث كشف تفاصيل محاكمته من قبل عبد الرؤوف الروابدة الذي كان ينتمي إلى جماعة الاخوان المسلمين، والحكم الذي أصدره عليه بمصادرة علب حلوى كان عربيات يريد أن يوصلها لأحد اصدقائه.
وفيما يلي نص الحلقة السابعة:

* في تلك الفترة، وأنت تتعرف على العراق، ماذا وجدت، وما تأثير الظروف السياسية عليكم كطلبة وافدين؟
 - لم نتأثر كثيرا بالظروف السياسية والأمنية في العراق، وقد قمنا بزيارات إلى أماكن كثيرة في العراق.
أذكر زيارتنا إلى المناطق الشمالية، فقد ذهبنا إلى مدينة الموصل، وقمنا هناك بزيارة المواقع المهمة فيها، خصوصا موقع الشواف المدمر، ومسجد عجيل الياور الذي وجدنا ساحاته الخارجية ملطخة بالدماء.
كما قمنا بزيارة إلى محطة البترول في عين زالة، وقد كانت تحيط بنا قوات المقاومة الشعبية المسلحة بالرشاشات، حتى أننا كنا نجلس إلى مائدة الطعام والأسلحة الرشاشة تتدلى فوق رؤوسنا خوفاً من أن نقوم بشيء ما!!
كانت المجموعات الطلابية، التي كنا ضمنها، مكونة من الشيوعيين والبعثيين والإسلاميين، وخلال ركوبنا الحافلة والسير فيها قاطعين تلك المسافات، ظلت الأناشيد والهتافات والتهديدات تدوي متوعدة بالقضاء على أعداء الثورة. كانوا يخصُّون، بالدرجة الأولى، البعثيين، بينما كانوا يتجنبون الإسلاميين.
يومها، قام الزملاء البعثيون بأداء الصلاة والمبيت معنا، والتماهي معنا، فكان الشيوعيون يقولون لنا: نهنئكم بمن دخل الإسلام من جديد. كنا نقول لهم أننا جميعنا زملاء وطلاب صف واحد، ونهدئ من روع البعثيين المستهدفين.
زرنا نهر الخابور الشهير، وسبحنا فيه، وتعرفنا على أجمل المناطق في تلك الجهات المحاذية لتركيا. بعدها، انتقلنا باتجاه الشرق حيث المدينة الكردية "السليمانية"، وهي منطقة جميلة للغاية.
في أثناء دخولنا إلى منطقة السليمانية، سمعنا من خلال الراديو أن الزعيم عبدالكريم قاسم قد عزل اللواء داود الجنابي قائد الفرقة الثانية، وطرد عدداً من الضباط الشيوعيين، وهم من رتب صغيرة.
عندها انقلبت الموازين كثيرا، وتبعها انقلاب الهتافات والتهديدات، فقد أصبح زملاؤنا الشيوعيون يتراجعون في هتافاتهم، ويهاجمون عبد الكريم قاسم. فقام الطرف الآخر باتهامهم أنهم ضد الزعيم الأوحد، كما كانوا يسمونه.
في الحافلة، كان معنا طالبان من الأردن؛ أحدهما يساري والآخر منتفع معهم، فأصبحا يتوددان لنا بعد أن كانا قبل يوم واحد يهددان الخونة بالتصفية في أي لحظة أثناء السفر.
دخلنا السليمانية، كانت بلدة جميلة، وأهلها طيبون وأنقياء. توجهنا إلى إحد المطاعم وقد كنا جائعين جدا. وأذكر أنني طلبت كباب، وهو من المأكولات المشهورة عندهم. فأكلنا على جوع، وبعد أن فرغنا أردت أن أدفع ثمن ما طلبته. لم يكن أهالي السليمانية يتحدثون اللغة العربية، لذلك، أخرجت النقود من جيبي وبسطتها في يدي ليأخذ منها صاحب المطعم ما يريد. فأخذ ستين فلساً فقط. أشرت إليه أن يأخذ أيضا، فأجابني بإشارة (لا)، وأن هذا هو حقه فقط. الأكراد في منتهى الخلق والأمانة.
صلينا الجمعة في مسجد المدينة، ووجدنا عندهم عادة ذبح الأغنام وسلخها في ساحة المسجد، وتقديم اللحم لمن يحتاج إليه.
أيضا، قمنا بزيارة منطقة حاج عمران على الحدود الإيرانية، فوجدنا المعاملة نفسها كما في السيلمانية، وهي منطقة جميلة جداً، إذ كانت المنطقة مزهرة بكل أنواع الزهور والنباتات الجميلة.
كما زرنا منطقة فيها مصيف صغير للملك فيصل تسمى "قوبي قرداغ"، وهي منطقة مرتفعة ووعرة ولم تستطع الحافلة صعود الطريق إليها، فاستأجرنا شاحنات لكي تقلنا وتصعدنا إلى ذلك المرتفع الصعب وذي الطريق الوعرة.
أردنا أن نصنع طعاماً لطلاب الرحلة، وهم حوالي ثلاثين طالباً، فاتفقنا أن نشتري اثنين من الماعز ونكلف هناك من يقوم بذبحهما وطبخهما. جمعنا من كل طالب مئة فلس، وهي حوالي ثلاثة دنانير.
بعدها، هبطت المرتفع مع القائم مقام الذي كان يرافقنا في الرحلة لنشتري ما نريد. وجدنا راعي أغنام قريب، فاخترنا من غنمه اثنتين، وسألناه عن الثمن، وقد كان الحديث يدور باللغة الكردية بين الراعي والقائم، فلاحظت أنهما اختلفا، فسألت القائم مقام عم يدور، وما سبب الخلاف، فقال لي: هو يريد دينارين ثمن الاثنتين، وأنا أقول له دينار وثمانمائة فلس فقط. عندها ضحكت، وقلت له: أرجوك، أنا سوف أدفع له ما يريد، وقمت بإخراج دينارين من جيبي، وأعطيتهما لصاحب الغنم. عندها، بدا عليه الاستغراب، وقد أمسك بالدينار وهو يسأل: ما هذا. قلنا له: هذا دينار. فقال الراعي: أريد دراهم، هذه الورقة لا أعرفها. فجمعت من الطلاب دراهم وسلمتها له. تصوروا، لقد كانوا لا يعرفون الدينار العراقي، والدرهم المعدني أعلى عملة يعرفونها!
جلسنا عند بركة الماء في محطة الملك فيصل. عندها، عرضوا علينا تحديا، وهو من يستطيع أن يضع يده في الماء مدة خمس دقائق. تصديت أنا لهذا التحدي، وفعلا، وضعت يدي داخل الماء وأنا أنظر إلى ساعتي. ولكن، بعد ثلاث دقائق فقط، شعرت أن يدي تجمدت.
لكن، ذلك الجمال، وتلك الأرض الخصبة والماء الوفير، فيما المواطن الكردي لا يعرف عُملة البلد، وهو الدينار الورقي العراقي. إن ذلك يدل على إهمال مقصود لمناطق معينة، والإهمال وعدم العدالة والمساواة هي التي تؤدي إلى القلاقل في أي منطقة.
عدنا إلى بغداد عن طريق أربيل وشقلاوة، وهي مناطق جميلة وخصبة وأهلها طيبون، كما أنها مناطق كثيرة الثمار والأشجار الحرجية. إن مناطق صلاح الدين وشمال الموصل وشرقه، مروراً بالسليمانية، وحتى حدود إيران، هي من أجمل المناطق العراقية إن لم تكن أجملها.
 * كم أفادك، أو ضرك، أنك اجتمعت مع عدد من الطلبة الأردنيين، ومدى تفاعلكم مع المشهد السياسي الخطر في العراق؟
- كانت دراستنا في العراق، كمجموعة أردنيين في الكلية وفي جامعة بغداد، مثمرة جداً، فمن الناحية العلمية يعد مستوى الدراسة متقدماً، وفي الكلية التي كنا فيها كانت صارمة في التعامل من الناحية العلمية، وما كان ليسمح للطالب أن يستمر فيها إن كان مستواه لا يلائم المستوى العام، فكان فيها أساتذة أميركان وألمان وهنود ومصريون في اختصاصات مختلفة ومن مستوى متقدم.
ذكرت أن التفريع إلى علمي وأدبي في العراق سبق الأردن، ولهذا كان المعدل العام متصاعداً عندي في السنوات الأربع، وفي السنة الأخيرة كان تقديري امتيازا والمعدل العام للسنوات الأربع كان جيدا جداً، والتصاعد هذا نتيجة الاختلاف في المناهج في المستوى الثانوي، والذي تأثرنا به كثيرا خلال  السنة الأولى فقط.
من الأساتذة في الكلية كان  الدكتور عبدالصاحب العلوان والدكتور سعدون حمادي، وقد كانا أستاذين في الاقتصاد وفي الكيمياء الحيوية، كما كان هناك أستاذ من باكستان، هو الدكتور صدّيقي، وهو من العلماء المعروفين في العالم.
كان النشاط الإسلامي في العراق متصاعداً، وجامعة بغداد كانت الجامعة الوحيدة في العراق، وطلابها من جميع أنحاء العراق، فيما كانت حصة الأردن فيها جيدة. كان الطلاب الأردنيون في جميع الكليات؛ في الحقوق والتربية والهندسة الزراعية والطب.
ومن خريجي العراق كان المهندس يحيى الخطيب، وعمر عبد الله، وأحمد اللوزي، ومحمد نمر وهبة، ومنذر حدادين، وغيرهم كثير.
ومن الطلاب الذين كانوا في زماننا محمد خليل خطاب، وعرفات التكروري، وغالب أبو عبود، وأحمد عبيدات، ومحمد عبيدات، وفاروق بدران، وحسن المومني، وعدنان الجلجولي، وقنديل شاكر، وعبد الحليم أبو طالب، وطارق التل، ومحمود التلهوني، وسالم الخضيري، وإبراهيم الساكت، وهؤلاء كانوا أقرب إلى الاتجاه الإسلامي. وكان أيضا؛ سليمان عوجان وزهير كريشان، وعبد الهادي المجالي، وهاني حدادين، ونعيم بقاعين، وجميل زريقات، وسعد شموط، وسليم الشامي، وغيرهم كثير.
كان نشاطنا الإسلامي في هذه التجمعات المتجانسة، وفي حضور ندوات ومحاضرات في مركز جمعية الإخوة الإسلامية في باب المعظم ببغداد. كنا نناقش في المحاضرات والندوات الجامعيين، خصوصا الأساتذة الذين يدرسوننا، ومنهم الدكتور عبدالصاحب العلوان الذي أعطانا أكثر من مساق في الاقتصاد.
ذات مرة، سألت الدكتور عبد الصاحب العلوان، وقد كان من خريجي إحدى الجامعات الأميركية العريقة: لماذا تذكر الاقتصاد الرأسمالي والاقتصاد الاشتراكي فقط، أين هو الاقتصاد الإسلامي؟
فقال لي: لا أعرف شيئاً عن الاقتصاد الإسلامي.
فقلت له: هل تريد أن أحضر لك بعض المصادر.
وجدت الأستاذ علوان يرحب بالأمر، وفعلا جلبت له بعض المصادر من كتب الدكتور محمود أبو السعود، والمودودي، والسباعي، فقام بتلخيص ما يزيد على أربعين صفحة "فولسكاب" بخط يده، وصورها ووزعها على الطلاب تحت عنوان "الاقتصاد الإسلامي".
كنا نعرف اتجاه كل أستاذ ونناقشه في مادته، ومنهم الدكتور سعدون حمادي، الذي أصبح فيما بعد رئيساً للوزراء في عهد الرئيس صدام حسين، ورئيساً للمجلس الوطني العراقي، حيث كان يدرسنا مادة الاقتصاد العام.
بصراحة، كنا محتارين بشأن الدكتور سعدون حمادي؛ هل هو قومي عربي أم بعثي. كنت أناقش ذلك مع الأخ فاروق بدران، فاختلف التحليل بيننا، فقلت له: أنا أكشف ذلك في المحاضرة القادمة.
دخلنا المحاضرة، ووجهنا سؤالاً له حول ما هو نوع النظام الاقتصادي الذي تراه في حال تشكيل حكومة وطنية قومية. فأجاب بأننا لا نحرص على تحديد نوع النظام مسبقاً، بل عندما تُشكل تلك الحكومة يتم الاتفاق على نوع النظام ويقرره الشعب،
هنا عرفت من هو، فخرجت أنا والأخ فاروق وكنا معا في المحاضرة. سألت الأخ فاروق: هل عرفت الحزب الذي ينتمي إليه الدكتور سعدون؟
ثم تابعت قائلا: هذا من جماعة "دم حديد نار.. وحدة تحرر ثار". وكان هذا شعار القوميين العرب، وما كدت أنهي جملتي، إلا وأنا وجهاً لوجه مع الدكتور سعدون. نظر إلي وقال: ماذا؟
أخبرته القصة التي حصلت للتو، وكيف أننا أردنا معرفة ما إذا كان قوميا عربيا أم بعثيا. ضحك كثيراً، وقال لنا قصة دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت، وأنه كان من جماعة العروة الوثقى، ثم ذهب إلى الولايات المتحدة لدراسة الدكتوراه، وحصلت حركة أو انقلاب عبد الكريم قاسم بعد ذلك، فإذا بالدكتور سعدون رئيساً لتحرير جريدة الجمهورية العراقية، ومن يومها التزم مع البعثيين. وقد تسلم بعدها أعلى المراتب الحكومية، وبقي معهم حتى سقوط نظام صدام حسين.
في دراستنا في العراق، كنا مخضرمين بين العهدين الملكي والجمهوري، ولاقينا ما لاقينا من النظامين، ولكنها فترة كانت مليئة بالأحداث الكبرى والمتغيرات شديدة الأثر على دراستنا، فمن الفصل من الجامعة إلى المضايقة في الدراسة، والمنع من الدخول سواء إلى العراق أو إلى سورية، ولكن تلك الصعاب جعلت الإنسان يتمرس في مواجهة الأحداث الجسام، وبالتالي يتحقق المطلوب، ولكن بتعب وجد وصبر، والحمد لله رب العالمين.
تعرفنا على الطلاب الأردنيين في الدراسة هناك، وكذلك على أعداد جيدة من الطلاب العراقيين، وكانوا طليعة شباب العراق آنذاك، وبقيت معرفتنا وصداقتنا مستمرة حتى اليوم، حيث كنا نلتقي مع الكثيرين منهم سواء في الأردن أو في العراق أو في مؤتمرات خارجية، ونشعر بالمودة والمحبة والتقدير، وهذه طبيعة أبناء الأمة الواحدة الذين تجمعهم روابط الأخوة والأمة الواحدة، ذات الفكر والتراث والهوية والعمل المشترك.
تخرجت من بغداد العام 1960، وكانت سنة هادئة قياساً بما سبق من سنوات، وكنت أسأل نفسي: هل بقي من إشكالات نواجهها في السنة الأخيرة؟ والحمد لله كانت سنة دراسة ونشاط إسلامي، وكانت نتائج هذه السنة بتقدير امتياز، وبدرجة جيدة من الراحة والاطمئنان.
* لكن دراستك في بغداد حفزتك على مواصلة دراساتك العليا، فأين كانت وجهتك التعليمية بعدها؟
- بعد التخرج من جامعة بغداد العام 1960، عملت في وزارة التربية بضع سنوات، ثم بدأ البحث عن إكمال الدراسة للدرجة الجامعية الثانية. كانت وزارة التربية تعرض في كل عام تقريباً منحاً دراسية أو تدريبية تمول خارجياً وفي اختصاصات مختلفة، وحدث أن قدمت لمنحتين في العامين 1964 و1965، وتم اختياري أصيلاً في كلا المرتين. كانت المنح مقدمة من المساعدات الأميركية للأردن، وتم استثنائي في المرتين وإرسال البديلين وحرماني كأصيل انتُخِبَ من لجنة المقابلة.
شكوت ذلك إلى وكيل الوزارة آنذاك المرحوم الدكتور محمد نوري شفيق، وقلت له: لن أقدم للسنة القادمة. لكنه أخبرني أن أعمد إلى التقديم عند عرض المنح الدراسية والتدريبية، لكنني أقسمت له أنني لن أقدم حتى يتضح لي من هو صاحب القرار في تلك المنح. عندها، كلف الدكتور نوري، السيد سليم عرفات أن يقدم طلباً باسمي، وتم طلبي للمقابلة للسنة الثالثة على التوالي.
عند المقابلة قال لي العضو الأميركي في اللجنة، وأمام اللجنة كلها: لماذا قدمت هذا العام. لقد رفضناك في مرتين سابقتين؟
فقلت له: إذا كنت أنت صاحب القرار فارفضها.
وصل كلامي لوكيل الوزارة، فقال للجهة المانحة: إذا تم رفض عبد اللطيف، سوف أقوم بإلغاء البرنامج كله.
عندها، قررت اللجنة، وبالإجماع باستثناء المندوب إياه الذي سجل اعتراضه سابقا، تنسيب اسمي مع الأسماء المرشحة. وكوكيل وزارة، أقرّ الدكتور نوري شفيق القائمة كما هي، ولكن الجهة المانحة حولتها إلى سنة واحدة تدريبية.
كنت قد قدمت طلبات للقبول في عدد من الجامعات الأميركية، وجاءني قبول من جامعة تكساس (A&M) ووصلني برنامجهم الدراسي.
وجدت في البرنامج أن موعد القبول في المساق الخريفي في يبدأ شهر أيلول (سبتمبر)، وقبله يوجد مساق صيفي لمدة شهر ونصف الشهر لدراسة اللغة الإنجليزية كمتطلب لقبول الدراسة في فصل الخريف.
كنا ستة، وقيل لنا إن البرنامج تدريبي في الجامعة للمقبولين فيها، ويمكنكم أخذ عدد من المساقات التي ترغبون بها، ولا يشترط الحصول على درجة الماجستير.
صممت أن أستغل هذه الدورة لدراسة الماجستير، وقررت دراسة ثماني ساعات لغة إنجليزية في المساق الصيفي في أقل من شهرين. وقد وجدت في برنامج الجامعة المذكورة أن المساق الصيفي يبدأ في الخامس عشر من تموز (يوليو) العام 1966.
غادرنا الأردن في اليوم التالي، ووصلنا واشنطن، وقابلنا رئيس البعثات هناك، فقال لنا: عليكم حضور دورة تعريفية في واشنطن لمدة أسبوعين، ثم تلتحقون في جامعاتكم بعد ذلك.
لكنني وجدت أنني إذا أخذت ببرنامجهم سوف أفقد مساق اللغة الإنجليزية الذي هو متطلب للفصل الخريفي، وهو الذي أعتبره المدخل لبرنامج الماجستير. قال لي المسؤول: هذا برنامج يجب أن نحضره فهو إلزامي على الجميع.
قلت له: عندي ترتيب أن أسافر غداً صباحاً إلى تكساس لكي أقبل في البرنامج الخريفي، فرفض. وبعد جدال طويل، قلت: إن لم أسافر غداً إلى تكساس فسوف أعود للأردن فورا. وأخيرا، انصاع لإصراري، وقال: هذه بطاقة السفر، اذهب إلى حيث تريد. فسافرت كما خططت، والتحقت بمساق اللغة الإنجليزية، ولو متأخراً حوالي أسبوع. أنهيت هذا المتطلب ومقداره ثماني ساعات معتمدة لغة إنجليزية، وسجلت للماجستير فوراً ست عشرة ساعة دراسات عليا، وكلها كمتطلب للماجستير.
حاول الأستاذ المشرف أن ينقصها إلى اثنتي عشرة ساعة، فأصررتُ على ما طلبت، وقال: إن الطلاب الأميركان لا يأخذون هذا العدد من الساعات في الدراسات العليا. فقلت له: صحيح، ولكن ظرفي استثنائي حتى أكمل الدراسة مع المتطلبات المطلوبة، فوافق أخيراً.
كان خريفاً صعبا، ولكن التصميم وبذل أقصى الجهد بعد التوكل على الله ساعد على تنفيذ الخطة في مرحلتها الأولى بنجاح والحمد لله. وسجلت للفصل الثاني الربيع أربع عشرة ساعة، وبقي علي ساعتان مع البحث في المساق الصيفي الأول، وبذلك أنهي متطلبات الماجستير. وتمت الخطة بحمد الله في الوقت المحدد، بينما رفاقي، وهم ستة، أخذوا مساقات اللغة الإنجليزية في فصل الخريف، ثم حصلوا على أربع عشرة ساعة في بقية المدة.

التعليق