جهاد المنسي

خافوا على الدولة.. لا تخافوا منها

تم نشره في الاثنين 12 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:03 صباحاً

استمعت لمحاضرة ألقاها الخبير الاقتصادي عمر الرزاز حول الاقتصاد الأردني (تحديات وفرص)، أجمل فيها ما يعتري الاقتصاد الأردني من عقبات، والفرص التي يمكن ان يتم اجتراحها للتعامل مع تلك العقبات التي تقف حائلا دون تطور اقتصادنا، والفرص الاستثمارية التي يمكن خلقها لاحقا.
شخص الرزاز الواقع بكل تفاصيله، مشددا على أهمية خروج اقتصادنا من فكرة الاقتصاد الريعي (النفعي) والذهاب إلى الاقتصاد الذي يقوم على الانتاج وتعزيز العدالة وتعميق فرص الاستثمار، والقى الضوء على جيوب مهمة يمكن من خلالها تقوية الاقتصاد ونقله من مرحلة العجز إلى مرحلة النمو، وأبرز ذلك الذهاب الى التعامل مع المشاريع المتوسطة والصغيرة بشكل صحيح، باعتبارها أحد أهم روافد الاقتصاد ان تمت رعايتها.
الرزاز يرى أن فكرة المناطق الصناعية المؤهلة لا تعزز الاقتصاد الأردني بالشيء الكثير، ولا يمكن أن يتم تصنيف تلك المصانع فيها ضمن الاستثمار ذي الفائدة الكبيرة، باعتبار أن عوائدها ليست ذات قيمة مرتفعة في ضوء اعتماد المصانع في المناطق المؤهلة على تشغيل عمالة وافدة، وتصدير ما يتم انتاجه للخارج، بمعنى انها لا تقوم بتشغيل اعداد كبيرة من الاردنيين ولا تقدم مردودا ماليا عالي الافق للاقتصاد يمكن الاعتماد عليه.
ولان فكرة الريعية، تقف دوما حائلا بين التطور الاقتصادي وحتى التطور السياسي فان ما قرأته بين ثنايا فكرة الرزاز هو ضرورة اتخاذ طريق اقتصادية تصل بنا في نهاية المطاف لتحفيز الانتاج والعمل، بالاعتماد على الذات، وهذا لا يتم الا من خلال إيمان الدولة بدور الشركات الصغيرة والمتوسطة في تعزيز الاقتصاد، وعدم النظر الى عدد العاملين فيها، وانما توسيعها ونشرها كثقافة مجتمعية، حتى لو كانت تلك الشركات تقوم بتشغيل 5 او 10 عمال فقط، اذ ان تحفيز هذا الشكل من الاقتصادات من شأنه خلق فرص عمل حقيقية، وتوسيع آفاق التصدير، فيما يعني بقاء الناس معتمدين على رعوية الدولة لهم أنه سيوسع شريحة العاطلين لدينا، ويرفع جيوب الفقر.
الرزاز استذكر كمثال على أهمية الشركات الصغيرة والمتوسطة ان دراسة اشرف عليها كشفت ان بعض تلك الشركات تقوم بالتصدير لالمانيا، ولكن التصدير يتم بارقام متواضعة بسبب عدم الرعاية لها وعدم فتح افاق استثمار حقيقية امامها، من هناك انطلق في دعوته لفتح افاق امام تلك الشركات، وعدم تركها تعتمد في التصدير على دول مجاورة فقط، لا سيما وان تلك الدول بات التصدير اليها يلاقي عقبات جمة نتيجة ما يجري فيها من صراعات سياسية وحروب.
كان الدكتور الرزاز واضحا وهو يؤكد على ضرورة تغيير نمط التفكير المجتمعي ايضا، والايمان بان هذا الوطن للجميع، وتعزيز فكرة التشاركية للنهوض بالاقتصاد، وتنفيذ البرامج المكتوبة على الورق وعدم وضعها على الرفوف يتراكم عليها الغبار سنين وسنين.
كل ذاك يعني ان نذهب بالدولة للامام، ونؤسس لدولة القانون والعدالة والمساواة والمواطنة، وان يتم تغيير نمط التفكير السائد بيننا حاليا والذي يقوم على الاقتراب أكثر من الدولة والدفاع عنها ما دامت الدولة قريبة من مصالح أولئك، والابتعاد عنها إن ابتعدت عن تحقيق مصالحهم ومكاسبهم، فالدولة للجميع وعلى الجميع البقاء في محيطها، تحقق تطلعات الجميع من دون استثناءات، وتدافع عن الجميع من دون واسطات ومحسوبيات.
فالدولة لا يتم التعامل معها بنظام القطعة والمصالح المتبادلة، وانما يتوجب تعزيز وتوسيع افق التفكير بالدولة والخوف عليها وحمايتها، من دون الخوف منها، فالدولة في ظل الفكر الاصلاحي المدني، وفي منطق الاقتصاد المنتج غير الرعوي لا تظلم ابناءها، وانما تحقق مصالحهم، وترعى تطلعاتهم.

التعليق