فهد الخيطان

الحقيقة في موت "السفير"

تم نشره في الثلاثاء 13 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:08 صباحاً

مع بداية العام الجديد، ستختفي صحيفة "السفير" اللبنانية من الأسواق. ناشر الصحيفة ورئيس تحريرها طلال سلمان، كان قد نعى صحيفته قبل أشهر، وهدد بدفنها. لكن أطرافا لبنانية تدخلت، وقدمت منحة مالية للصحيفة، سمحت لها بالصمود عدة أشهر.
هذه المرة، يبدو أن أحدا لن يهب لتقديم المساعدة. ولهذا، حدد ناشر الصحيفة موعد الإغلاق، وسرّح كادرها الصحفي، ووعد بتسطير بيان مفصل، كالبيان الذي كتبه قبل أشهر، يشرح فيه أسباب الرحيل مع بداية العام.
لكن القائمين على "السفير" يجافون الحقيقة عمدا بالقول إن الصحيفة ضحية لتراجع الإعلام الورقي لصالح الرقمي وإعلام التواصل الاجتماعي، وعزوف الشركات عن الإعلان في الصحف، وانحياز الجمهور للطبعات الإلكترونية على حساب الاشتراك بالورقي.
نعم، هناك أزمة عالمية تواجه الصحافة الورقية، للأسباب آنفة الذكر، لكنها لا تنطبق على حالة "السفير". فالصحيفة منذ صدورها قبل 42 عاما، لم تعتمد في تمويلها وسد نفقاتها على مواردها من الإعلانات والاشتراكات. في لبنان حصرا، حصة الصحف من الإعلانات كانت شحيحة على الدوام، خاصة في العقدين الأخيرين، حيث التهمت محطات التلفزة النشطة والمنتشرة بكثرة الحصة الأكبر من السوق الإعلانية.
وفي عز النهوض الصحفي، لم تكن اشتراكات أكثر الصحف اللبنانية انتشارا تزيد على عشرة آلاف نسخة. ويعلم كل مشتغل بهذه الصنعة أن ثمن النسخة الورقية لا يعادل عُشر كلفتها.
"السفير" مثل سائر الصحف اللبنانية، اعتاشت على الدعم المالي من قوى طائفية لبنانية وأنظمة عربية. ولولا هذا الدعم، لخرجت من السوق منذ زمن بعيد.
ناشر "السفير" كان أستاذا في هذا الكار؛ فقد وظف الوجه القومي للصحيفة، لكسب الدعم المالي من عدة أنظمة عربية. لسنوات مضت، اعتمد على نظام صدام حسين، ومن ثم نظام معمر القذافي، وما بينهما النظام السوري. ولم يبخل حزب الله في دعم "السفير" وناشرها.
ثورات "الربيع العربي" مثلت النقطة الحرجة بالنسبة للسفير؛ فقد سقطت الأنظمة الداعمة أو ترنحت. الأهم التطورات التي عصفت بسورية وما استدعته من إعادة هيكلة لإعلام "حلف الممانعة". إيران وحزب الله أعادا ترتيب البيت الإعلامي، فولدت صحيفة "الأخبار" اللبنانية، كممثل للخط الإيراني في المنطقة؛ صحيفة تضم خيرة الكوادر الصحفية، أكثر التزاما من "السفير" بالخط المرسوم، وإلى جانبها محطة "الميادين" التلفزيونية التي نجحت في فرض نفسها على خريطة المشاهدة بفترة قياسية.
معركة سورية تطلبت تغييرات واسعة، كان من بين ضحاياها "السفير" وناشرها الكهل طلال سلمان.
على الجبهة المقابلة، يعيش إعلام "14 آذار" التابع لبيت الحريري أزمة مماثلة. صحيفة "النهار" تترنح حاليا، ومصيرها مثل مصير "السفير". ويواجه تلفزيون "المستقبل" وضعا مشابها، وربما تغيب شاشته قريبا. كل ذلك على وقع أزمة مالية خانقة تعاني منها مؤسسات الحريري.
عديد القوى الطائفية في لبنان تتجه أكثر لدعم محطاتها التلفزيونية على حساب الصحف. وفي خضم هذه التحولات، وجدت "السفير" نفسها خارج المنافسة؛ فلا رعاة خارجيون أو داخليون، فكان لا بد أن يتخذ ناشرها قرار الانسحاب من السباق، متذرعا بالثورة الرقمية، وشح الإعلانات والاشتراكات، منكرا الحقيقة المرة، عن صحيفة تيتمت بعد أن عاشت عقودا على نفقة أنظمة مستبدة.

التعليق