الحلقة التاسعة

عربيات: لم أحتمل رؤية القدس محتلة فبللت قميصي بكاء

تم نشره في الثلاثاء 13 كانون الأول / ديسمبر 2016. 07:57 مـساءً - آخر تعديل في الثلاثاء 13 كانون الأول / ديسمبر 2016. 08:01 مـساءً
  • رئيس مجلس النواب الاسبق عبداللطيف عربيات - (تصوير: محمد أبو غوش)

محمد خير الروشدة

عمان - يكشف رئيس مجلس النواب الأسبق القيادي البارز في صفوف الحركة الإسلامية الدكتور عبداللطيف عربيات في حلقة اليوم من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر" مع "الغد" قصة عودته من الولايات المتحدة وانتظامه في السلك التعليمي في وزارة التربية والتعليم.
وفي تزامن عودة عربيات مع العام الدراسي 1966 - 1967، تحديات كبيرة جراء الأوضاع الأمنية والسياسية ومرارة الهزيمة بعد حرب العام 1967 واحتلال بقية فلسطين. ويؤكد "لقد عانينا من ذلك ونحن في الغربة معاناة نفسية هائلة، فكيف نقوم بواجباتنا الدراسية ونحن نعيش مرارة الهزيمة والاحتلال".
وفي حلقة اليوم يؤكد عربيات مواصلة نشاطات جماعة الإخوان المسلمين الجهادية ضد الاحتلال، حيث لم يتح لهم إلا معسكر خاص باسم قاعدة الشيوخ في قرية الرفيد شمال المملكة، وتحت جناح حركة فتح العام 1968.
ومن هناك يكشف عربيات الذي كان عضوا في المكتب التنفيذي للجماعة، أن مشاركة إخوان الأردن في العمل قوية، على الرغم من وجود بعض الاجتهادات الخاصة التي لم تُعِقْ زخم العمل الجاد والبناء.
لكن عربيات يتوقف عند محطة أحداث العام 1970، ويؤكد سلامة موقف الجماعة من عدم التدخل في أحداث أيلول، ويقول: وقف المجاهدون موقفاً تاريخياً إذ لم يدخلوا في تلك الفتنة، وكان رأيهم واضحاً وتاريخياً بأننا جئنا لمقاتلة اليهود، ولا نقبل أن نرفع السلاح بوجه أحد غير اليهود والمحتلين"، ويشدد "مرت الأيام وثبت صحة الموقف المبدئي السليم بداية ونهاية".
ومن هناك يغادر عربيات إلى الولايات المتحدة الأميركية ليكمل مشواره الدراسي في الجامعة، ويحصل على شهادة الدكتوراة التي كانت الأولى على مستوى المنطقة والإقليم، ويكشف عن قصص له في تلك المرحلة، وقدرته في مواصلة رحلته التعليمية والدعوية.
وكان عربيات قد تحدث في الحلقة الماضية عن قصة بناء مسجد في الولاية التي زارها وأقام فيها خلال رحلته الدراسية في الولايات المتحدة الأميركية لحصوله على شهادة الماجستير. كاشفا عن التفاصيل التي ألهمته في الفكرة، بعد أن سأل عن أعداد الطلبة المسلمين الذين يدرسون في الجامعة، ليقرر التقدم بطلب لرئاسة الجامعة يتضمن مطالبة بتخصيص مصلى. وكيف أنه وعددا من زملائه في الجامعة استطاعوا فرش المصلى وإقامة الصلاة فيه.
وفيما يلي نص الحلقة:

* عدت من الولايات المتحدة الأميركية، لتواجه مع الأردنيين تداعيات النكسة. كيف كانت الأجواء حينها، وكيف تعاملت الحركة الإسلامية، التي صرت ناشطا فيها، مع تلك النكسة؟ وكذلك أسأل عن المستوى الوظيفي الذي بلغته؟

- عملت بعد عودتي في العام 1967 في وزارة التربية والتعليم كما ذكرت، وكان العام الدراسي 1966-1967، عاماً صعباً وقاسيا، سواء في الجهد المبذول أو في الوضع السياسي المتمثل باحتلال بقية فلسطين.
لقد عانينا من ذلك ونحن في الغربة معاناة نفسية هائلة. فكيف نقوم بواجباتنا الدراسية ونحن نعيش مرارة الهزيمة والاحتلال.
أذكر أنني عندما عدت في نهاية العام 1967، وجدت مؤتمراً إسلامياً منعقداً في عمان لعلماء المسلمين، وشاركت فيه وكنت مع المستقبلين والمرافقين لهم، خصوصا في زيارتهم للحدود وجسر الملك حسين.
كنت في سيارة فيها اثنان من الضيوف من شرق آسيا، وعندما أطللنا من ناعور على القدس، أذكر أنني كنت أشرح لهم عن القدس المقابلة لنا من هناك، ولا أدري ماذا حصل معي. وقفت وأنا قريب من الأغوار، وإذا بي قد بللت قميصي من البكاء؛ لأنني لم أحتمل رؤية القدس محتلة.
قال لي من في السيارة: قدرنا وضعك عندما توقفت عن الكلام وأصابك نوع من الإغماء، واتفقنا أن ندعك حتى ترتاح.
في العام 1968، كان نشاط الإخوان في الحشد للجهاد ضد الاحتلال، ولم يتح لهم إلا معسكر خاص باسم قاعدة الشيوخ في قرية الرفيد شمال المملكة، وتحت جناح حركة فتح. دخل الكثير من إخواننا الكرام في تلك القاعدة، وشارك معنا إخوان من السودان ومصر واليمن وسورية، واستشهد عدد منهم من الأردن وخارجه، ونحسبهم من المقبولين إن شاء الله.
كنت في تلك الأثناء في المكتب التنفيذي للجماعة، وكانت مشاركة إخواننا في الأردن في العمل قوية، على الرغم من وجود بعض الاجتهادات الخاصة التي لم تُعِقْ زخم العمل الجاد والبناء.
وعند أحداث العام 1970، وقف المجاهدون موقفاً تاريخياً إذ لم يدخلوا في تلك الفتنة، وكان رأيهم واضحاً وتاريخياً بأننا جئنا لمقاتلة اليهود، ولا نقبل أن نرفع السلاح بوجه أحد غير اليهود والمحتلين.
وقد سعى الإخوان بكل قوة لجمع الكلمة وعدم الدخول في قضايا داخلية تحبط العمل الشريف الذي حملنا السلاح من أجله، ومرت الأيام وثبت صحة الموقف المبدئي السليم بداية ونهاية.

* ومتى أكملت دراستك الجامعية العليا، أي الدكتوراه، ومن أين حصلت على شهادتك؟
- كما أسلفت؛ بعد الثانوية العامة عملت مدة عام معلماً في مدرسة عقبة بن نافع في السلط، كما عملت معلماً مدة سنة في منتصف الدراسة الجامعية الأولى عندما فصلت من الجامعة، بسبب إضرابات العام 1956، والعام 1957، على إثر العدوان الثلاثي على مصر، وقد عملت معلماً ومشرفاً تربوياً مدة خمس سنوات، بين الدرجة الجامعية الأولى والثانية، ومثلها بين المرحلتين الجامعيتين الثانية والثالثة، حيث كنت مديراً لمكتب الكتب المدرسية ورئيساً لقسم المناهج المركزي في الوزارة.
في تلك المرحلة بدأت أفكر في إتمام المرحلة التعليمية الجامعية العليا، وقد كانت وزارة التربية والتعليم تعمل مسابقات لمنح دراسية تقدم من جهات مختلفة. قدمت منظمة اليونسكو عدة منح للوزارة، ومنها منحة لدراسة الدكتوراة في موضوع التعليم المهني والمناهج والإدارة التربوية، قدمت لهذه المنحة وكانت مناسبة للموقع الذي كنت فيه وهو رئيس قسم المناهج المركزي في وزارة التربية والتعليم.
تم اختياري لهذه المنحة، وجاءني القبول من الجامعة نفسها التي درست فيها الماجستير، وهي جامعة تكساس، وكنت قد تعرفت سابقاً على مستوى هذه الجامعة التي كانت تضنف من الجامعات العشر الأوائل في الولايات المتحدة في هذا الاختصاص.
كانت الدراسة في الولايات المتحدة هذه المرة مريحة ومبرمجة زمناً وموضوعاً، بالإضافة إلى الخبرة في الاختصاص ومكان الدراسة والوقت الذي تتيحه المنحة، وهو من 2-3 سنوات. كما أن منظمة اليونسكو ذات أهداف تربوية واضحة، من أجل تطوير التعليم في المناطق أو الدول التي تتعامل معها، وهذا يتفق مع موضوع الدراسة وأهدافه التربوية.
تميزت وزارة التربية والتعليم في الأردن في مؤسستها الفريدة في داخل الأردن والبلاد العربية منذ وضع قانون التربية والتعليم العام 1964. هذا القانون حدد فلسفة للتربية والتعليم منذ ذلك التاريخ، وهو الوحيد في البلاد العربية الذي حدد الفلسفة والأهداف بمستوياتها المختلفة والمراحل والهياكل التنظيمية لمختلف المستويات وميادين العمل.
القانون، كذلك، جعل صاحب السلطة العليا في الإدارة والتوجيه الأعلى هو مجلس التربية والتعليم الذي يرأسه الوزير، ويشاركه من الوزارة 3 أو 4 أشخاص، منهم الأمين العام، والباقي وزراء وأصحاب اختصاص، وتأهيل تربوي من قطاعات مختصة من خارج الوزارة.
إضافة إلى ذلك، جعل القانون كل السلطة في موضوع المناهج والكتب المدرسية بيد مجلس التربية والتعليم، وتضمن مواد خاصة بالامتحانات العامة، ومنها أن نتائج امتحانات الثانوية العامة محصنة ضد أي طعن أو استئناف أو تمييز لدى المحاكم، وذلك لدقة الموضوع وخطورته وأهميته.
وعلى الرغم من سرعة تغيير الوزارات وتبدلها، قامت الوزارة بالالتزام بالخطط المركزية فيها لتطوير التربية وحشد الكفاءات اللازمة لذلك، ومن ضمن ذلك ابتعاث العديد من الكفاءات في جهاز الوزارة للحصول على أعلى التخصصات في ميدان التربية، حتى حصلت الوزارة على الدرجة الأولى خلال الأربعين سنة الماضية في البلاد العربية، بحسب تقرير الأمم المتحدة الأخير بهذا الشأن.
كان التعاون مع منظمة اليونسكو مثالاً حياً لابتعاث بعض الكفاءات لتلبية حاجات الوزارة من المختصين في ميادين المناهج، والتعليم المهني، والتخطيط التربوي، وتقنيات التعليم، والمدارس الشاملة.
كما أسلفت سابقا، فبعد أن أعلنت الوزارة عن فتح المجال لبعض التخصصات للحصول على درجة الدكتوراة في ميدان المناهج والتعليم المهني، تقدمتُ مع من تقدم، وقد تم اختياري مع من اختيروا، وجاءني قبولات من أكثر من جامعة، لكنني اخترت الجامعة التي درست فيها الماجستير.
هنا، لا أنكر فضل الخبرة الطويلة في الإشراف والمناهج وفي ميدان التعليم المهني، وأيضا معايشتي لواقع التعليم المهني في المرحلة الثانوية. كما أنني لم أكن مقتنعا بما يتم من تصنيف الطلاب في المرحلة الإعدادية إلى مهني صناعي أو زراعي أو تجاري ومن دون رغبة أو معرفة بما هو مطروح للاختصاصات.
كل ذلك جعل موضوع الدراسة لرسالة الدكتوراة واضحا تماما لدي، وفي الميدان الذي يجب أن أبدأ فيه، إضافة إلى إيماني بأن من حق الوزارة والبلد الذي أنتمي إليه أن أخدمه بصورة حقيقية ومفيدة، وأن أفيد من هذه الفرصة لتقديم الخدمة المطلوبة له، خصوصا في ميدان الاختصاص والعمل.
من المهم جداً في الدراسات العليا وضوح الصورة لمسار الدراسة، وما يراد تحقيقه، ومتطلبات ذلك، والعائد الذي يسعى الباحث إلى تحقيقه. ومن منطلق هدفي الصادق في خدمة الأردن وفي ميدان في أمس الحاجة لإحداث التغيير، ولعدم وجود اختصاصات عليا في هذا الميدان في الأردن، فكانت رسالتي في التعليم المهني هي أول رسالة في هذا الميدان، وكان عنوانها "الخطوط العريضة لتطوير التعليم المهني الإعدادي وإعداد المعلمين في الأردن"، أما عنوانها الذي اتفقت عليه مع المشرف واللجنة المسؤولة فهو "الخطوط العريضة لتطوير التعليم المهني الإعدادي في الأردن".
بعد الاتفاق مع المشرف على العنوان السابق، أضفت عليها "وإعداد المعلمين"، فقال لي المشرف: هذا يكلفك جهداً إضافياً وهو غير مطلوب لنا. فقلت له: هذا مطلوب لنا نحن في التربية الأردنية. فقال: هذه أول مرة أصادفها أن يطلب المشرف الأقل والباحث يطلب الأكثر والأصعب.
وضعت اثنين وأربعين خطاً عريضاً للتعليم المهني الإعدادي، وأربعين خطاً عريضاً لإعداد المعلم اللازم لتدريس هذه المادة، وهذا يبين أهمية الخبرة في ميدان البحث والسعي لتحقيق الحاجة التي تحل مشكلة قائمة في ميدان العمل.

*وهكذا عدت إلى جامعتك، وبدأت مشوارا أطول في دراساتك العليا. هل كان الأمر أكثر سهولة بالنسبة إليك، خصوصا أنك تركت أصدقاء وإنجازات لك هناك، وماذا عن طبيعة الدراسة أيضا؟
- الإنسان يسعد ببذل الجهد المطلوب مهما كانت درجة الصعوبة فيه إذا وضح الهدف والغاية لما يقوم به، خصوصا عندما يشارك دافعاً في التخطيط والتنفيذ والتقويم لهذا العمل.
في الشوط الثالث من الدراسات الجامعية العليا، كنت في حالة من الراحة النفسية، والثقة بما أقوم به، والوضوح للمتطلبات الواجب اتباعها أو الإعداد لها.
في هذه المرحلة من الدراسات العليا، كانت لدي القدرة على التخطيط والتنفيذ والتقويم، على ضوء الخبرات السابقة، بما فيها من تجارب وصعوبات، وبما لدي من وضوح في حاجات التعليم في الأردن وأولويات التطوير أو التحديث فيه.
من الأمور التي يواجهها الباحث في الدراسات العليا؛ موضوع الدراسة ومدى ملاءمتها للباحث وقبولها من المشرفين، أو مدى الحاجة إليها في نظر من له حق قبولها وإقرارها.
كان هذا الموضوع واضحاً في ذهني نتيجة خبرتي في وزارة التربية وفي هذا الميدان بالذات، والإشكالات التي تعاني منها الوزارة وتحتاج إلى من يقدم الحل بطريقة علمية مقبولة لدى المعنيين؛ لهذا طرحت على الأستاذ المشرف قضية التعليم المهني الإعدادي، ومتى يمكن أن يسأل الطالب عن نوع المهنة التي يريد، وتتوافق مع ميوله واتجاهاته.
هذه قضية تربوية أساسية، خصوصا أن النظام الأميركي قد أدخل نظام المدارس الشاملة منذ العام 1909. لكن حتى الآن لم يتم تعميمه، وبقي تحديد الاختيار يتفاوت الأخذ به من ولاية إلى أخرى حتى اليوم. وكان تعليق الأستاذ المشرف أن "بحثك هذا سيضيف شيئاً جديداً في هذا الميدان لدينا هنا في الولايات المتحدة؛ لأن موضوعي المدارس الشاملة والإعداد المهني ما يزالان يحتاجان إلى المزيد من البحث والدراسة".
يتراءى وضوح الهدف والثقة بالنفس في أكثر من موقف، ومنها عند مناقشة مشروع البحث الذي اخترته عن الأردن، ولمعالجة واقع قائم نريد له تأصيلاً تربوياً وتطويراً يتفق مع المصلحة العامة والاتجاهات التربوية الحديثة.
بدأت في كتابة مشروع البحث وتقديمه للمشرف قبل إتمام الساعات المعتمدة التي أنجزتها حسب النظام الخاص بذلك، شرحت للمشرف أنني مضطر إلى مناقشة المشروع قبل نهاية الفصل الذي كنا فيه، وذلك بسبب أن البحث عن الأردن، وأنني أريد أن أوزع الاستبانة على المدارس والمسؤولين في الأردن قبل بدء العطلة الصيفية هناك. قَبِلَ الأستاذ المشرف العذر ورفع الطلب إلى الجهات المعنية لأخذ الموافقة، وقد تم ذلك، وبدأتُ في إعداد المشروع وتقديمه، وطلبتُ عقد اللجنة لمناقشته.
أثناء نقاش اللجنة المشرفة لمشروع البحث، حدثت مناقشة حادة بيني وبين أحد أعضاء اللجنة، وطعن ذلك العضو بصحة الطريقة الإحصائية لاستخراج النتائج.
حاولت كل جهدي أن أوضح له صحة هذه الطريقة، ولكنه أصر على طعنه، وأعلن تمسكه برأيه، وبقية أعضاء اللجنة والمشرفين يتفرجون على الحوار بيننا.
استمر الأمر في النقاش والحوار والإعادة مع التوضيح لما يزيد على ساعة. كان الحوار بيني وبينه مباشرا. حينها، كنت أوازن الأمر في عقلي، وأقيمه، وأنا أفكر كيف يمكن أن أقول له إنه مخطئ، وما أثر ذلك على النقاش، وعلى النتيجة بعد ذلك.
وجدت أنه لا بد لي من أن أصر على رأيي، وأن أقول له بصراحة إنه مخطئ، خصوصا أنني رجحت أن الأستاذ المذكور ليس مختصاً بالإحصاء. نظرت إلى الأستاذ المختص بالإحصاء في اللجنة وقد أخذ ورقة وبدأ يتشاغل فيها. تشجعت على أن أصارحه بخطئه، وفعلت ذلك.
قلت له: يا أستاذ، أنت مخطئ بما تقول، وأنا واثق مما لدي في الطريقة الإحصائية بالتحليل.
تفاجأ الأستاذ، وقال: إذن دعنا نسأل أهل الاختصاص في الإحصاء في هذه المسألة.
وجه المعترض السؤال لأستاذ علم الإحصاء في اللجنة، فكان الجواب أن الطريقة صحيحة، وأنها أفضل طريقة لمثل هذه الحالة.
عندها، قام الأستاذ المعترض بالاعتذار. وقال: أهنئك. استمر في البحث.
بعد إقرار خطة مشروع البحث، ذهبت إلى الأستاذ المشرف وسألته عن النقاش الذي دار في اللجنة، وهل كنت غير واضح في شرحي أم أن هناك شيئا آخر، فقال: كنت موفقاً وقوياً، ولو لم تقم بما قمت به وتقول له أنت مخطئ لتحفظت أنا على بحثك.
سار البحث بصورة جيدة، وقمت بتأدية الامتحان التحريري لكل واحد من أعضاء اللجنة، وكانت النتائج جيدة، خصوصا من الأستاذ الذي اعترض في اللجنة، وقد بعث برسالة إلى المشرف يخبره فيها أنني أحسن طالب أجنبي في امتحانه التحريري، وأبلغه تهنئتي.
أبلغني الأستاذ المشرف ذلك، كما أنه أخبرني أن الأستاذ بيركنز، لم يرسل مثل هذه الرسالة في حق أي طالب من قبل.
في تلك المرحلة أيضا، كان من متطلبات الدراسة لنيل درجة الدكتوراه دراسة مساقين خارج دائرة الاختصاص، أو الدائرة التربوية التي فيها الاختصاص الذي ينتمي إليه الدارس، ولما كانت دائرة الاختصاص عندي هي التربية وفي مجال التعليم المهني العام، رغبت في دراسة مساقين في الإدارة بسبب قرب هذا الموضوع من ميدان اختصاصي، ولميلي ورغبتي الشخصية في ذلك.
بدأت التحضير لهذا الأمر، وسجلت في كلية الإدارة على الأساس الذي ذكرت، وقبل التسجيل كان لي أصدقاء في دائرة الإدارة، كان منهم صديق سعودي هو الدكتور رويد العقاد، وهو مهندس بترول أخذ مساقين في تلك الدائرة. كل أولئك الأصدقاء حذروني وبالإجماع: إياك أن تأخذها عند الدكتور وولف، لأنه صعب جداً ولا يعجبه العجب.
من باب التحدي، خصوصا أن العلامة في هذين المساقين لا تحتسب بالمعدل العام الذي سأحصل عليه في النتيجة؛ كونه خارج الاختصاص، قررت أخذ هذين المساقين عند الدكتور وولف، فكل ما أحتاجه هو علامة النجاح فقط.
بدأت أفكر في موضوع الإدارة وأبحث عن بعض المصطلحات والتعريفات في هذا الموضوع، وصدفة وقع تحت يدي عدد من مجلة في ميدان الإدارة، ورغبت أن أبلور ما هو تعريف الإدارة.
قرأت تعريفاً بسيطاً جداً لمفهوم الإدارة، وما أزال أذكره حتى اليوم لبساطته، ولما ترتب عليه عند أخذي لهذا المساق.
ذهبت إلى الحصة قبل دقيقتين من بدء الحصة، ووجدت الدكتور ولف يتبختر داخل الصف، وبدأ الحصة بالسؤال ما هي الإدارة؟
دخل الحصة طالب متأخر حوالي دقيقتين، فخاطبه بصوت عالٍ: يا سيد أنت متأخر، لا تفعل ذلك مرة أخرى. ثم عاد وطلب من الطلاب تعريف الإدارة.
انبرى كثيرون لتقديم تعريف مقنع للإدارة، بينما بقيت أنا صامتا، ولم أضع نفسي معهم، كوني جديدا واختصاصي متقدم وعالٍ، وطلابه يدرسون اختصاصهم، فلماذا أضع نفسي من المبادئين. لكنني صرت أسترجع التعريف الذي قرأته في المجلة، ووضح في ذهني.
بعد حوالي ثلث ساعة من التعريفات غير المقبولة، توقف الطلاب عن رفع الأيدي، وصار الأستاذ يسأل ويكرر: ما هي الإدارة؟ ولا يجد مجيبا.
قلت في نفسي لماذا لا أقول ما في ذهني. وقررت رفع يدي. فقال: تفضل. فقلت له التعريف البسيط الذي كونته من قراءتي للمجلة، وهو: وضع أشياء مع بعضها للوصول إلى حالة نريدها. قال: أعد التعريف مرة أخرى. فأعدته. فكتبه على السبورة، وأعاد الكرة على الطلاب سائلا: ماذا عندكم من تعريفات. واستمر النقاش بعد ذلك طويلا، لكن، وقبل أن تنتهي المحاضرة، أشار إلى تعريفي المكتوب على السبورة، وقال: هذا أحسن تعريف سمعته في حياتي. وأصبح يشرح أهمية هذا التعريف الجامع المانع والبسيط والقصير. كان للأستاذ المحاضر مؤلفات عديدة في علم الإدارة، وهو يعتبر نفسه من المراجع المعروفة في هذا الاختصاص.
في نهاية المحاضرة جاء إلي، وسألني من أين جئت بهذا التعريف، فقلت له إنني وجدته في مجلة في مكتبة الجامعة، ثم أخذ يسألني من أين أنا، وماذا لدي من خبرات.
في المحاضرات التالية، كان يسألني حول رؤيتي المادة، كما يسألني إن كان لي أي اقتراحات، خصوصا عندما علم عن خبراتي في الإدارة التربوية.
ذات مرة، أعطى امتحاناً تجريبياً للطلاب، وقال فيه: أنا وفلان متفقان تماماً في نظرتنا للموضوع الفلاني. (صح أم خطأ). وكان قد قال ذلك فعلاً، فوضعت مقابلها علامة (خطأ).
حين تسلم الأوراق، سأل: من وضع هذه النقطة خطأ؟
قلت له: أنا وضعتها خطأ.
فقال: أنا قلت لكم ذلك، فلماذا وضعتها خطأ؟
قلت له: السؤال خطأ.
قال: كيف؟
قلت له: لا يوجد في خلق الله اثنان متشابهان مائة بالمائة.
فقال: أين هذا؟
قلت له: في القرآن.
دار نقاش مطول حول هذا الموضوع، وبعدها سألني: كيف يمكن أن يكون السؤال صحيحاً؟
شرحت له ذلك بأن يضع (تقريباً، إلى حد ما) في مجمل الموضوع، في نهاية السؤال حتى يظهر أن الفروق أساسية مهما تشابهت الآراء في أي موضوع في مثل هذا السؤال.
بدأ الأستاذ وولف يلتفت إلي، ويتابعني في موضوعات تخص علم الإدارة. وذات مرة، وحين كان يشرح مثلث الإدارة: الشخصية والاختصاص والأمانة، سألني: هل لديكم شيء في القرآن عن الإدارة؟ فقلت له: نعم.
وشرحت له ما جاء في القرآن على لسان ابنة شعيب عليه السلام عندما قالت عن موسى عليه السلام (القصص آية 62)، فقارن القوي الأمين بما هو متعارف عليه في مثلث الإدارة، الشخصية والاختصاص والأمانة.
عندها، قال إنهما كلمتان بدل ثلاثة، كما أن القوة أشمل من صفتي الشخصية والاختصاص، كما أن الصفة الثالثة واحدة في الطرفين. فقال: القوي الأمين أفضل من الأخرى، وسوف أعدل مثلث الإدارة بما جاء عندكم في القرآن؛ لأن هذا شيء في منتهى الدقة.
خلال هذا المساق والذي تلاه في علم الإدارة، كان الأستاذ ولف يسألني عن أمور كثيرة في القرآن الكريم، كما طلب ألفاظ القرآن المفهرسة، ولم يكن عندي ما طلبه، فأرشدته إلى من يؤمن له ذلك.
كان الأستاذ الذي يخافه الطلاب من أكثر الأساتذة تقديراً لي، وكان يتابعني بعد أن أنهيت الدراسة معه، ويسأل عن قضايا سياسية واجتماعية، ويقول لمن حوله: أنا استفدت من هذا الرجل، وأعتز بفكره وآرائه.
كانت نتيجة المساقين في الإدارة لي عنده هي أعلى درجة، وكان معنا في الصف طالب من ليبيا تخصص علم الإدارة، وكانت نتيجته في المساق أقل، فقال له الطلاب الأميركيون: أنت هذا هو اختصاصك وعبد اللطيف من اختصاص آخر، فكيف تأخذ أنت هذا وهو أفضل منك؟
فكان يجيبهم عني: أنه كان يناقش بالإسلام وما فيه، وأنا قصرت في ذلك.

عناوين الحلقة المقبلة

• كنت في الطريق لتسلم عملي في جنين حين سمعت أخبار اغتيال هزاع المجالي
•  الابتعاث دين واجب السداد والوفاء من دون مماطلات أو تسويغات أو مبررات
•  مسؤول في البنك الدولي عرض علي العمل معهم واستغرب كثيرا حين رفضت
•  سألني الوزير الشنقيطي عن المكان الذي أرغب بالتعيين فيه فأخبرته أن كل الأردن بلدي
•  لم أضع في حساباتي العمل خارج الأردن أو حتى خارج وزارة التربية

التعليق