مروان المعشر

"الأبيض ما بيغطي الاغتصاب"

تم نشره في الأربعاء 14 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:08 صباحاً

العنوان هو الشعار الذي رفعته منظمة "أبعاد" اللبنانية، في حملة استهدفت إلغاء المادة 225 من قانون العقوبات اللبناني، والتي تتيح للمغتصب التزوج من ضحيته من دون عقاب. وقد ملأت شوارع بيروت إعلانات ضخمة، تُظهر صورة لفتاة بثوب زفاف أبيض، يتبين بعد النظر جيدا أنه ثوب ممزق وملطخ بالدم. كما تم نشر فيديو على شبكات التواصل الاجتماعي، مدته أقل من دقيقة، لفتاة تملأ جسدها الكدمات، ويتم تضميد جروحها بلفافات بيضاء، حتى تنتهي وكأنها تلبس ثوب زفاف، وهي في الحقيقة تلبس جروحها وآلامها. وكل من يشاهد هذا الفيديو لا يستطيع إلا أن يعيش الفاجعة التي تصيب كل فتاة تجد نفسها في موقف مماثل؛ مجرم يغتصبها، وعائلة تغتصب روحها حين تجبرها على الزواج من هذا المجرم (الرابط الإلكتروني للفيديو: https://youtu.be/6P7z8wUmoDM).
هذه الحملة من المجتمع المدني، ساعدت في تسليط الضوء على هذه المادة القانونية الفضيحة، حتى قرر مجلس النواب اللبناني إلغاء المادة كليا من قانون العقوبات، بعد أن حركت الحملة مشاعر اللبنانيين، وأظهرت الظلم والإجحاف اللذين يقعان بحق مواطنات وقعن فريسة مجرمين ليس فيهم شيء من الإنسانية.
لقد شهدنا حملات كثيرة في الأردن لم تنجح في إقناع مجالس النواب السابقة إلا في تخفيف، وليس إلغاء؛ المادة 308 المشابهة من قانون العقوبات الأردني. إذ في كل مرة، يتم التحجج بشرف مزيف ندّعي الحفاظ عليه، ونضعه فوق مكانة وشعور المرأة الأردنية، ونقابل الاعتداء عليها وانتهاك أبسط حقوقها بدعاوى العادات والموروثات الثقافية.
عيب علينا أن نتحجج بالعشائرية في المجتمع الأردني لنعامل النساء وكأنهن مخلوقات ناقصة، لا اعتبار لشعورهن طالما أن الشرف الذكوري المزيف محفوظ. وما كانت العشائرية الحقة إلا لدعم حقوق المواطنين والمواطنات جميعا، وليس لهذه الممارسات التي ندعمها، بل ونشجع عليها حين نقبل وجود مثل هكذا قوانين.
عيب علينا، أيضا، ادعاء أن من يطالب بإلغاء المادة 308 لا يفهم الخصوصية الأردنية ويحاول تطبيق ثقافة غربية، وكأن حقوق المرأة ليست شأنا إنسانيا، بغض النظر عن المجتمع الذي تعيش فيه. نحن لسنا الدولة العربية الوحيدة التي تشهد مثل هذا النقاش، وقد سبقتنا حتى الآن ثلاث دول عربية إلى إلغاء هذه المادة، هي مصر والمغرب والآن لبنان، لم تمنعها "خصوصيتها" من الإقدام على هذه الخطوة. فكفانا التغني بمكانة المرأة في الأردن ونحن نساهم في اغتصابها كل يوم تشريعيا.
لا الدين، ولا المنطق، ولا مبدأ المواطنة المتساوية، تسمح باستمرار هذه المادة في القانون الأردني.
وكلما نادى أحد بشعار المواطنة المتساوية، نتهم رافعيه بالتوطين. مسكين هذا التوطين الذي يئن من ثقل ما حمّلناه من أثقال! نستخدمه فزاعة في هذه الحالة، كي نبقي سيطرتنا الذكورية على نصف المجتمع، فننتقص من إنسانيتنا ونتشبث بشرف زائف، فيما تستمر معاناة المرأة الضحية من مجرم يغتصبها كل يوم، وتشريع يسمح له بذلك، وعائلة همها نفسها قبل ابنتها، ومجتمع متمسك بموروث بال آن له أن يتغير.
الأمل معقود على مجلس النواب الجديد باتخاذ خطوة سبقته إليها مجالس نيابية عربية عدة؛ تنصف المرأة وتعترف بمكانتها وحقوقها غير المنقوصة، بأن تلغي المادة 308 نهائيا من دون قيد أو شرط، وتؤكد على حق النساء الناجيات في رفض الزواج من المغتصب، وتعتبر الاغتصاب جريمة يعاقب عليها القانون من دون اي إجراءات تخفيفية.
تستحق نساؤنا هذه الخطوة، ويستحق مجتمعنا هذه النقلة الحضارية، فبها ترتقي إنسانيتنا، ويُستأصل ظلم مارسناه طويلا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نداء لنائباتنا في مجلس النواب الاردني (عدنان عبد النور)

    الأربعاء 14 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    عليكن وبكل ما اوتيتن من قوة العمل على الغاء هذه المادة المشينة لكل امرأة.
  • »أصل العلة (حسام الحياري)

    الأربعاء 14 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    المادة 308 هي أحد جوانب ضعف مكانة المرأة المجتمعي، فرغم أن المرأة تشكل نصف عدد أفراد المجتمع الأردني ، ورغم التعليم ورغم وجود المرأة في مجلس النواب والوزراء والأعيان ورغم الكوتا التي طال العمل بها، والتي أراها مخالفة لمبدأ المساواة بين المواطنين، رغم كل ذلك لم تستطع المرأة الأردنية تحقيق إستقلاليتها وحضورها وهذا ما يدفعنا لمزيد من البحث عن أصل العلة.