رنا الصبّاغ

عصر مصائد الفساد العابرة للحدود

تم نشره في الأربعاء 14 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:01 صباحاً

اقتنع المشاركون في آخر مؤتمر صحفي للاستقصائيين العرب بأن الفساد وتهريب الأموال يتصدران القضايا العابرة للحدود. وبالتالي، عليهم صقل مهاراتهم، وتوزيع المهام فيما بينهم، والتشبيك مع زملائهم خارج الإقليم، لتعقبهما والمساهمة في تعرية من يقف وراءهما، وربما استرجاع بعض الأموال المنهوبة. فالعالم الآن أصبح قصة صحفية متشابكة بفضل ثورة تكنولوجيا المعلومات وعلوم صحافة البيانات والتطبيقات الذكيه المتلازمة.بانت هذه الخلاصة خلال جلسة عقدت في الأردن بداية الشهر الحالي بعنوان "الشرق يلتقي الغرب: وثائق بنما – الدروس المستفادة وطرق التعاون عبر الحدود لفضح الفساد المالي والتهرب الضريبي".
في هذه الجلسة، استعرض ثلاثة محققين استقصائيين -ممن انخرطوا ضمن فريق التحقيقات العالمية "وثائق بنما"- آلية عملهم في أكبر مشروع عابر للحدود، نتج عن تسريب 11.5 مليون وثيقة من بيانات شركة محاماة في بنما اسمها "موساك فونسيكا". في هذا التحقيق الأضخم حتى الآن، شارك 400 صحفي/ة و100 مؤسسة إعلامية من 100 بلد، في أكبر تحالف صحفي لكشف فساد وتهرب ضريبي وتضارب مصالح، نفذّته شركة قانونية واحدة، وسهلت لنحو نصف مليون شخص في العالم، من رجال أعمال ومسؤولين وغيرهم، تسجيل شركات خفية في الخارج (أوف شور).
ولم تكن تلك الوثائق المليونية سوى دليل آخر بأنّ العمل الجمعي لم يعد خياراً، بل هو ضرورة حتمية أمام صحفيي الاستقصاء. فالصحيفة الألمانية "زوديتشه تسايتونغ" التي حصلت على الوثائق أولاً، أقرت بأنّها غير قادرة وحدها على إدارة تحقيق صحفي بهذا الحجم الضخم من الوثائق. وكما لجأت "لوموند" الفرنسية قبل عام إلى الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين لحشد الشركاء عبر العالم من أجل تحليل ونشر/ بث تسريبات وثائق "سويس ليكس"، كذلك فعلت الصحيفة الألمانية، لتصبح وثائق بنما في حيازة الفريق الأقدر على إدارة الجانبين التقني والعملي: الأول، عبر "تطوير منصات إلكترونية للبحث في هذه الوثائق وإدارتها". والثاني، بانتقاء فريق على امتداد أكثر من نصف دول العالم "والإشراف على عمله وتنسيق أوركسترا التعاون فيما بين أعضائه".
المتحدث الأول في ملتقى عمان كان من الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين (ICIJ) الذي وزع المعلومات المسربة على أعضائه. أما الثاني، فمثّل "زوديتشه تسايتونغ". فيما كان الثالث زميلا عربيا أدار 10 صحفيين استقصائيين في الأردن ومصر وتونس والجزائر ولبنان وفلسطين. هذا الفريق استخدم قاعدة بيانات وأبحاثا عربية جاهزة لمطابقة الأسماء العربية في الوثائق مع سجلات الشركات وغيرها من الوثائق الرسمية، ثم نبش الوقائع للتثبت من المعلومات ومحاولة أخذ ردود أفعال من الأشخاص مثار الشكوك. هكذا نجح الجهد الذي أنجز في أركان الكرة الأرضية الأربعة.
تحقيقات بنما، وقبلها "سويس ليكس" والـ"لكوس ليكس" شكلت مصدر إلهام للصحفيين في مسعاهم إلى كشف الفساد العابر للحدود. سبق ذلك عديد تحقيقات حصدت جوائز دولية، مثل تحقيق "التحالف غير المقدس" الذي كشف روابط تبييض الأموال بين مافيا في أوروبا الشرقية وصولاً إلى شرق آسيا. وقد نفذ ذلك التحقيق بقيادة فريق صحفي من "مشروع التحقيقات الاستقصائية في الفساد والجريمة المنظمة" (OCCRP). وتحقيق آخر عكس تمدد الجريمة عبر الحدود، بعنوان "امبراطورية الرماد"؛ إذ كشف مسارات تهريب التبغ بين البرازيل وسائر دول أميركا الجنوبية. إذا، شعار "العالم قصة واحدة" أصبح واقعا لتوصيف حال فرضت نفسها في السنوات الأخيرة مع ثورة وسائل التواصل الاجتماعي وتكنولوجيا الإنترنت والتشفير. إذ التقط الصحفيون معنى جديدا لدورهم كسلطة رابعة. لكنّ ذلك تطلب تحالفات لتحليل تسريبات "أوف شور ليكس"، و"سويس ليكس"، و"لكوس ليكس". ومن خلال وثائق الشركات والحسابات السرية في سويسرا ولكسمبورغ وغيرها مما تسمى ملاذات ضريبية آمنة، اكتشف الصحفيون أنّ الفاسدين وأقطاب الجريمة المنظمة يتقدمون عنهم بخطوات كبيرة في طريقة عملهم. إذ ترسخ التعاون عبر السنين بين مسؤول فاسد أو رجل أعمال متهرب ضريبياً في بلد ما، وبين مكتب قانوني يغطي قانونياً في بلد ثان، وبنك يسهّل في بلد ثالث، وسلطات أخرى تسمح بتسجيل شركات سرية وتخفي أسماء مالكيها في بلد رابع. وبهذه المصالح المشتركة، تكتمل حلقة من التحالف "غير المقدس" بين أركان شبكة الفساد وتبييض الأموال، وقد لا يعرفون بعضهم بعضا. وهنا نشأت الحاجة إلى تطوير أدوات الصحفيين وصقل مهاراتهم لتعقب هذه الشبكات. فظهرت لأول مرة تحالفات منظمة "ومقدّسة" بين صحفيين عبر الحدود، لمواجهة تلك التحالفات. وتابعنا فرقا إعلامية وهي تعتلي منصات التتويج لتُكرّم بجوائز عالمية كانت لسنوات حكراً على صحفيين فرادى، لم يحققوا ربما التأثير والانتشار العالمي الذي يمكن أن تحدثه تحقيقات الفرق الصحفية العابرة للحدود.
وكما اعتمد تحالف شبكات الفساد على تقاسم الأدوار وفق الاختصاص والموقع، سعت الفرق الصحفية إلى قطع الطريق على تحالفات الفساد بمهارات وتشبيكات معقدة. فالبنك الذي يساهم في حركة الأموال القذرة، خضع لأسئلة متخصصة أعدّها صحفي متدرب على ملفات المصارف وقراءتها، وفهم الحركة والقوانين التي تحكمها في كل بلد. والمحاسب الذي يتلاعب بالميزانيات بهدف التهرب الضريبي، واجه أسئلة صحفي آخر ضمن الفريق العابر للحدود، متخصص في تحليل الميزانيات وقراءة ما بين السطور من طرق للتهرب أو التجنب الضريبي. كذلك واجهت الفرق الصحفية فرق التهريب عبر الشحن البحري، وتغيير أعلام السفن وطرق تسجيلها. وبذلك بات الإعلاميون خبراء في تعقب شحنات النقل البحري، وتبدل السفن وملكياتها، والأسماء الخفية لبعض مالكيها تحت سلطات مختلفة. بل أكثر من ذلك، ظهر خبراء صحفيون متخصصون في تعقب شحنات الأسلحة، وفي تعقب ملكيات الشركات بطرق قانونية. ولم يكن المتلاعبون يعتقدون أنّ ثمة صحفيين يتقنون فك شيفرة تحالفات الفساد. وهكذا استطاع الإعلاميون الوصول إلى المالكين الحقيقيين لشركات الـ"أوف شور"، مهما كانت طرق إخفائها معقدة: ترست، أوف شور، شل، شلف... إلخ.
إذا، يوما بعد يوم، يطور الصحفيون أدواتهم في مواجهة النقلات السريعة في عالم الجريمة والفساد، لدرجة ظهر فيها هذا التحالف المقدس في مواجهة التحالف غير المقدس، تماماً كما نشأ ما يسمّى بـ"الهاكر الأخلاقي" في مواجهة "الهاكر غير الأخلاقي".
اليوم، تتكامل الفرق الصحفية لإنجاز تحقيق واحد. وقد تكون نقطة قوة أحد أعضاء الفريق إقامته في هذا البلد أو ذاك، ونقطة قوة زميل آخر خبرته في عالم البنوك. وثالث قد يكون متخصصاً بالميزانيات، ورابع بشركات الـ"أوف شور" وخامس بخبرته التكنولوجية. وفي بعض الحالات، انضمّ للفريق الصحفي محامون وخبراء في التهرب الضريبي أو في البيئة، وهكذا، لدرجة أن بعض التحقيقات دفعت بعض الحكومات إلى الاستعانة بخبرة الصحفيين لمساعدتها في حل ألغاز أنشطة المافيا والتهريب والجريمة المنظمة في أكثر من بلد.
في المقابل، بلغت محاولات بناء التحالفات بين الصحفيين الاستقصائيين ذروتها هذا العام. عولمة السياسة والاقتصاد فرضت عولمة موازية في الإعلام وتكنولوجيا المعلومات. لكن أياً منّا لا يستطيع الزعم أنّه خبير في جميع البلدان والقطاعات. ولا يمكن أن يستغني أحدنا عن بناء شراكات بهدف المصلحة العامة. فيمكن للشريك المحلي توفير خبرته وفهمه لبيئة العمل في بلده، أكثر من مجرد الوصول لمعلومات متاحة عبر الإنترنت. وستتراكم خبرات فردية في إطار الفريق الواحد بعد طرق قصص مشابهة أو متعلقة بذات الأشخاص والشركات. 
ورغم انتشار سياسات التحالفات السياسية والعسكرية التي بدأت تعود لدواع أمنية واقتصادية حول العالم، فإنّ ميزة التحالف الصحفي العالمي تكمن في تلاقي أفراده حول "المصلحة العامة"، ومكافحة الفساد والجريمة المنظمة. هذا التلاقي قد يجمع صحفيين في دولتين متضادتين ضد الفساد في كلا البلدين. وهذا ما حصل في تحالف صحفيين من 100 دولة ضمن "وثائق بنما"؛ فكان الصحفي الروسي متحالفاً مع الأميركي، ومعهما الصيني والعربي والكوري الجنوبي والياباني والتركي وغيرهم. جميعهم في خندق واحد.

التعليق