الحلقة العاشرة

عربيات: سمعت باغتيال هزاع المجالي وأنا بطريقي لاستلام العمل بجنين

تم نشره في الأربعاء 14 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:00 صباحاً
  • رئيس مجلس النواب الاسبق عبداللطيف عربيات - (تصوير: محمد أبو غوش)
  • عربيات مع بعض القيادات الاسلامية - (من المصدر)

محمد خير الروشدة

عمان- بين تكساس وعمان وجنين يأخذنا رئيس مجلس النواب الأسبق عبداللطيف عربيات في رحلة تعليمية مهنية تزيد من حجم الخبرات التي نالها الرجل خلال سنوات عمره.
وفي الحلقة العاشرة من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر" مع "الغد" يتوقف عربيات مع آخر محطاته التعليمية في الولايات المتحدة الأميركية، وحصوله على درجة الدكتوراة التي كانت الأولى في ميدان تخصصه على مستوى المنطقة.
ثم يقفل عربيات عائدا إلى عمان، ليواصل عمله في وزارة التربية والتعليم، تاركا وراءه عددا من عروض العمل التي كانت مغرية في ذلك الوقت، سواء لجهة العمل في المملكة العربية السعودية، أو في البنك الدولي، بعد ما حققه من إنجازات خلال سنوات عمله.
ويؤكد القيادي البارز في صفوف الحركة الإسلامية في حلقة اليوم أن الالتزام بشروط الابتعاث للدراسة كان وراء تخليه عن عروض العمل المغرية، مقدما التزامه بشروط التوظيف التي وقع عليها قبيل مغادرته في رحلة اكمال دراساته العليا.
وكان عربيات قد تحدث في الحلقة الماضية عن تزامن عودته من رحلة الماجستير ومواصلة عمله التدريسي العام الدراسي 1967-1966، حيث واجه تحديات كبيرة جراء الأوضاع الأمنية والسياسية ومرارة الهزيمة بعد حرب العام 1967 واحتلال بقية فلسطين.
لكنه أكد أيضا مواصلة نشاطات جماعة الإخوان المسلمين الجهادية ضد الاحتلال، حيث لم يتح لهم إلا معسكر خاص باسم قاعدة الشيوخ في قرية الرفيد شمال المملكة، وتحت جناح حركة فتح العام 1968.
وكشف عربيات الذي كان عضوا في المكتب التنفيذي للجماعة، أن مشاركة إخوان الأردن في العمل قوية، على الرغم من وجود بعض الاجتهادات الخاصة التي لم تُعِقْ زخم العمل الجاد والبناء.
وتوقف عند محطة أحداث العام 1970، ويؤكد سلامة موقف الجماعة من عدم التدخل فيها، وقال: وقف المجاهدون موقفاً تاريخياً إذ لم يدخلوا في تلك الفتنة، وكان رأيهم واضحاً وتاريخياً بأننا جئنا لمقاتلة اليهود، ولا نقبل أن نرفع السلاح بوجه أحد غير اليهود والمحتلين"، ويشدد "مرت الأيام وثبت صحة الموقف المبدئي السليم بداية ونهاية".
وفيما يلي نص الحلقة:
* توقفنا في الحلقة الماضية عند نشاطاتك الدعوية في مرحلة دراسة الماجستير، فماذا عن نشاطاتك تلك بعد عودتك الثانية إلى تكساس؟
- ميادين العمل الإسلامي في ذلك الوقت كانت مفتوحة وميسورة، سواء على مستوى النشاط في الجامعة، أو على مستوى اتحاد الطلاب المسلمين في الولايات المتحدة كلها، وكانت تتم إما عن طريق المؤتمرات العامة التي يلتقي فيها الآلاف، أو بحضور ندوات متخصصة لبحث موضوع معين.
من هذه اللقاءات المتخصصة بحث موضوع مصطلح إسلامية المعرفة، وكان الأخ الدكتور محمود الرشدان رئيساً للاتحاد، وقد تم عقد أكثر من ندوة في مركز الاتحاد في أنديانا والمؤتمر العام عُقَد في أوهايو.
كما عقدت ندوة خاصة حول المدرسة الإسلامية أو منهاج المدرسة الإسلامية ومقرراته، وقد حضره المرحوم الدكتور إسماعيل الفاروقي. وكان حديث الحضور التعاون في ندوات متخصصة من هذا النوع مع الاتحاد الإسلامي، كما بحث موضوع تأسيس ودعم رابطة الاجتماعيين الإسلاميين، التي ما تزال مجلتهم تصدر حتى اليوم وبدرجة متخصصة عالية ومفيدة، وكان يرأسها المرحوم الفاروقي.
من الملاحظات التي أذكرها في مؤتمر أوهايو، حضور أعداد كبيرة من المسلمين، ومن جميع الطبقات والجنسيات، ومن مختلف الولايات المتحدة الأميركية. ومن الملاحظات على ذلك المؤتمر الكبير أيضاً، حضور بعض المسلمين الأميركيين، وكان بعضهم جديد الدخول في الإسلام ولبس دشداشاً وبيده عصا طويلة.
وفي أثناء الحوارات كان يقف بعض المسؤولين في المؤتمر ليرشدوا المتحدثين المتحمسين في المؤتمر، ويدعوا لأسلوب الحكمة وعدم الصدام.
فوقف مسلم أميركي يلبس دشداشاً وبيده عصا طويلة، وقال رداً على المسؤول في المؤتمر: ماذا تقول أيها الناصح. في قلبك لا إله إلا الله وتخشى أحداً من البشر. نريد التحرك والعمل.
كان معنا آنذاك الأخ الدكتور عمر الصوباني، فقال لي: هل سمعت التعليق؟ فقلت: نعم. فقال: حقيقة إنه يقول الصدق، فمن يملك أن يقول له لا.
كان من حضور ذلك المؤتمر الدكتور إبراهيم يزدي، من إيران وهو من منطقة هيوستن في تكساس، وكنت التقيته في تكساس، فخرج من المؤتمر وقال: أخ عبد اللطيف، طريقكم طويل. نحن لا ننتظر على طريقتكم.
والدكتور يزدي، دخل مع الإمام الخميني طهران عند بدء الثورة، وأصبح أول وزير خارجية في إيران الإسلامية في عهد الخميني، ولم أره من يومها إلا بعد بضع سنوات في طهران في عام الثورة، حيث زرته في مكتبه في الخارجية الإيرانية وهو وزير لها، مع المرحوم كامل الشريف، وقد ذكرني بأيام اتحاد الطلبة المسلمين والنشاطات هناك. والدكتور يزدي عقلية شامخة وهو على خلاف مع الحكم القائم الآن في طهران، وقد شكل حزباً معارضاً في إيران.
لقد كان النشاط الإسلامي في الجامعة في تلك المدة مستمراً، إضافة إلى لقاءات الجمعة وخطبتها والكتب التي نزود بها المصلى في الجامعة، مع إعطاء محاضرات في بعض الكنائس بناء على طلبهم.
أمّا الإفطارات الرمضانية والإفطار العام والعيد في ساحات الحدائق العامة، فكانت مستمرة أيضا، بالإضافة إلى لقاءات الدارسين في الجامعة، وهم في أغلبهم من تونس والباكستان ومصر والعراق والسعودية، هذا بالإضافة إلى إقامة ندوات في الجامعة في موضوعات تهم المسلمين والغرب، وكان يحضرها أساتذة وطلاب من مختلف الجنسيات.
زرت المشرف على إعداد أجندة الجامعة، وقلت له: لماذا لا تضعون في أجندة الجامعة المناسبات الإسلامية؟ فقال: ماذا عندكم؟ فأعطيته مناسبة يومي عيد الفطر وعيد الأضحى، فسجلهما تحت الاسم والمناسبة التي أعطيته إياها، وأوَّل مرةٍ تظهر مثل هذه الملاحظات في أجندة الجامعة.
كان بعض الطلاب العرب والمسلمين، خصوصاً الذين معهم عائلاتهم يضحون في عيد الأضحى، وكنا نأخذ الأضاحي إلى مزرعة قريبة ونقوم بذبحها وتوزيعها حسب الأصول.
ومن النشاطات أيضا، استقبال الطلاب الجدد الذين يلتحقون بالجامعة، سواء للدراسة أو التدريب، خصوصا المجموعات التي كانت تحضر للجامعة من الطلاب السعوديين للتدريب لبضعة أشهر أو سنة واحدة، وكانت توضع لهم برامج خاصة بالتعاون مع إخواننا السعوديين الدارسين في الجامعة.
* ماذا عن البعثة واستكمال متطلبات شهادة الدكتوراة؟
- تضع وزارة التربية والتعليم شروطاً للابتعاث، سواء أكان ذلك على حساب الأردن مباشرة أو بصورة غير مباشرة عن طريق الجهات المانحة، وتشمل هذه الشروط بنوداً تُلزم المبتعث أن يعمل في الوزارة ضعف المدة التي قضاها في الدراسة في الخارج، ومؤكدة بكفالة مالية عالية. لكن الكثير من المبتعثين يحاولون العمل خارج الأردن بعد التخرج لأسباب مصلحية، ويبذلون من أجل ذلك الوسائل الكثيرة.
شخصياً، أشعر أن الابتعاث دين في عنق المبتعث، واجب السداد والوفاء من دون أي مماطلات أو تسويغات أو مبررات، وقد أصبحت أميناً عاماً لوزارة التربية في فترات لاحقة، وكنت أحاسب على ذلك بدقة، ولا يُعفى أحد منها إلا إذا كانت الوزارة ليست بحاجة إلى هذا الإنسان وبمؤهلاته الجديدة. وأعرف بعض الذين حصلوا على منحة، وبشروطها ولكنهم نكثوا بذلك بعد عودتهم، مع أن أحدهم مركزه كان ما يزال شاغراً بعد عودته، وبذل كل مستطاع للتهرب من الوفاء بالتزامه، مع أنه من المنظرين الدائمين في قضايا التربية، ويعلق الألقاب والنياشين في شؤون التربية، وهو ما يزال حتى اليوم من الكتاب الذين لا أقرأ ما يكتب بسبب ذلك السلوك.
* عدت من الولايات المتحدة، فماذا كانت خططك ومشاريعك بعد حملك للدرجة العلمية العليا؟
- أذكر أنني كنت رئيساً لقسم المناهج والكتب المدرسية عندما ابتعثت للدكتوراه في موضوع المناهج والتعليم المهني، ولي خبرة مستمرة في هذين الميدانين. لم أفكر ولو للحظة واحدة أن أعمل خارج وزارة التربية والتعليم أو خارج الأردن.
في الوقت ذاته، كنت أفكر كيف يمكن أن أخدم الوزارة في بحثي بعد عودتي، وأسوق المثالين التاليين على مدى الالتزام الأخلاقي لتنفيذ شروط العقد مع الوزارة، وبكل قناعة ووعي لمعنى الالتزام الأخلاقي والرسمي.
الأول، نتيجة لعملي المستمر في وزارة التربية، وفي موضوع التعليم المهني والمناهج، اتضح لي أن هناك مشكلة تربوية فنية ومهنية في تدريس مادة التربية المهنية في المرحلة الإعدادية. حيث كان يصنف الطلاب بين اختصاصات الزراعة أو التجارة أو الصناعة، ومن دون اختيار منهم.
كان يفرض تدريس الزراعة في مناطق القرى والريف، والصناعة أو التجارة في مناطق المدن، وحسب توفر التجهيزات لكل من النوعين المشار إليهما، أي: الصناعة أو التجارة، والسؤال الذي اخترته لموضوع البحث هو "هل صحيح أن إدخال الطلاب في إحدى هذه الاختصاصات بعد الصف السادس الابتدائي، يتفق مع مبادئ التربية والتخصص المهني؟". فما هو السن المناسب، في حده الأدنى، لدخول هذه التخصصات؟ وما متطلبات ذلك الاختيار من توفر المعرفة عمّا يقدم للطلاب من أجل الاختيار، أو تفضيل تخصص على آخر؟
هذه الأسئلة كانت جاهزة في ذهني مع بدء دراستي في الولايات المتحدة، وكنت أبحث عن الإجابات الصحيحة أثناء الدراسة.
هذا أمر مفيد جداً أن تكون لديك مشكلة تسعى لحلها من خلال البحث والتمحيص الدراسي في المستويات العليا الجامعية. بدأت للتحضير من أجل اختيار عنوان البحث وموضوعه منذ الفصل الأول الدراسي، وكنت أناقش ذلك مع الأستاذ المشرف.
كان إعجاب المشرف كبيراً من وضوح أبعاد المشكلة التي أبحث لها عن حلول من خلال الدراسة، ولكنه قال لي: كيف يمكن أن تبحث عن موضوع في أميركا ومجتمع الدراسة له في الأردن؟
أوضحت للأستاذ المشرف أن لي من الأصدقاء والمساعدين الذين يقومون بتوزيع ما أعده هنا في الجامعة وإعادته إلي بصورة منظمة؛ ولهذا صممت الاستبيانات والبيانات المطلوبة لكي يتم توزيعها وجمعها قبل عطلة المدارس في الأردن. من أجل ذلك طلبت تبكير مناقشة مشروع البحث من اللجنة المسؤولة قبل الموعد، وقد تم ذلك كما ذكرت سابقاً.
كان عنوان الدراسة وموضوعها كما ذكرت هو: "الخطوط العريضة لتطوير مناهج التعليم المهني الإعدادي في الأردن، وإعداد المعلمين اللازمين لذلك"، وهذا البحث تم الأخذ به قبل عودتي للأردن بشهرين، حيث طلب مني أحد الأصدقاء الكبار السابقين في الوزارة موضوع رسالتي، كما طلب إرسال نسخة له قبل طباعتها النهائية، وقام بعرضها على الوزير، فكلفه الوزير، مع لجنة، بإجراء وإدخال التعديلات اللازمة، وسميت "تدريس المادة المهنية المشتركة"، لكنهم، مع الأسف، أهملوا إعداد المعلم اللازم، وهذه نقطة ضعف وارتجالية غير مقبولة.
أما المثال الآخر، فكما ذكرت في المثال الأول، كنت مصمماً أن لا أسعى لتقديم طلب عمل خارج وزارة التربية بعد حصولي على الدكتوراة في موضوع التعليم المهني، وكانت رسالتي ودرجة الدكتوراه في هذا المبحث هي الأولى في الأردن.
في منتصف السبعينيات، وبعد دوامي في مركز الوزارة، بدأ التوجه لتطوير التعليم المهني وتشعيب التعليم على أكثر من مستوى في مواد الثانوي أو الجامعي المتوسط (كليات المجتمع)، كما تمت تطويرات على إدخال مساقات مهنية أو مختلطة في الدراسات العليا؛ لمواجهة متطلبات التنمية داخلياً وخارجياً.
بعد عودتي للأردن، زارني وفد من جامعة الملك عبدالعزيز في السعودية، وعرضوا علي أن أعمل عندهم في الجامعة. فكان جوابي السريع الشكر وعدم تلبية الطلب، لأنني لم أضع في حسابي العمل خارج الوزارة.
بعدها، زارني الوفد أكثر من مرة، ثم ذهبوا إلى مصر، واتصلوا بي من هناك مكررين الطلب، وكان الجواب نفسه والتأكيد علي بذلك.
بعد مدة قصيرة من عودتي للوزارة، تسلمت إدارة وحدة مشاريع البنك الدولي في الوزارة، وهذه الوحدة هي المسؤولة، وباستقلالية تامة، عن إدارة مشاريع البنك الدولي من معاهد فنية مهنية ومدارس شاملة ومراكز إعداد مهني ومعاهد معلمين (كليات مجتمع).
كان نجاح مشاريع البنك الدولي في الأردن مجال نقاش وبحث تقييمي لدى البنك الدولي، وصنفت مشاريع الأردن التي أشرفت عليها وأدرتها بالدرجة الأولى المميزة في المنطقة، وكان اعتزاز مدير المشروع في البنك الدولي كبيراً بهذه الإنجازات، وفي إحدى زياراته لنا في عمان، أحضر معه نموذج طلب للعمل في البنك الدولي، وعرضه علي، وطلب تعبئته. وقال: أنا مكلف بذلك. وضعت الطلب على مكتبي، وقلت له: أنا لا أفكر بالعمل خارج الأردن.
بعد أشهر، عاد مندوب البنك إلى دخل مكتبي، ورأى طلب البنك في مكانه على الطاولة، فأمسك به وقال: لم تعبء الطلب، ولم يتحرك من مكانه؟ فقلت له: أنا لا أفكر بالعمل خارج الوزارة. فنظر بتعجب وقال: يا فلان، البنك الدولي لا يعرض الطلبات على كل إنسان. إننا نتلقى طلبات من كل العالم من وزراء ورؤساء وزارات سابقين للعمل في البنك، ولا تقبل إلا بعد مراجعات وتدقيقات ومتابعات. نحن أحضرنا لك الطلب وأنت تعتذر!!
فقلت له: الاعتذار ليس لعدم الحاجة، وإنما في ذمتي عهد وعقد أن لا أعمل خارج الوزارة إلا بعد وفائي بالتزاماتي.
في أحد اجتماعاتنا في البنك الدولي بواشنطن، كنت في مكتب مدير المشروع في الأردن، فجاءته مكالمة هاتفية وبعدها قال لي: سيأتي المدير الفلاني في البنك للتعرف إليك. وقد تم ذلك. وفي اليوم الثاني كنت عنده في مكتبه، فأبلغني أن مديراً آخر يريد زيارتك والتعرف إليك. وقد تم ذلك أيضاً.
كان الحديث في المرتين عن مشاريع الأردن، وأنها ناجحة بدرجة عالية. وقالوا لي: نشكرك ونهنئك. وفي نهاية الدوام سألني مدير المشروع: هل تعلم لماذا جاء هذان المديران لزيارتك؟ قلت: لما سمعته من مجاملة طيبة.
فقال: فقط من أجل هذا؟ قلت: طبعاً. قال: لا. جاء كل منهما ليتعرف إليك، ويعرف لماذا أنت رفضت العمل في البنك الدولي مع تقديم البنك الطلب ومن دون أن تطلب أنت ذلك.
فقلت له: أنا لم أقصد سوى أنني ملتزم بعملي في الأردن، وأود أن أكون وفياً لالتزامي مع بلدي.
عبر لي عن تقديره العالي لهذا الالتزام، وقال إنه أيضاً صنف المشروع الذي يشرف عليه عندنا بالدرجة الأولى بين المشاريع وإنه حصل على تقدير وإعجاب رؤسائه في البنك.
* بدأت عملك في وزارة التربية والتعليم معلما، ثم تدرجت في المراتب الوظيفية. نحتاج تسليط الضوء أكثر على تجربتك كمعلم، وكيف تدرجت في سلك الإدارة العامة؟
- كما تعلم، بعد الثانوية العامة، عملت معلماً في مدرسة عقبة بن نافع بين العام 1954 والعام 1955، مدة عام واحد، كما عملت معلماً أيضاً بعد فصلي من الجامعة في بغداد بعد العدوان الثلاثي على مصر العام الدراسي 1956-1957، في مدرسة أديب وهبة في السلط.
كان عملي في السلط، في المرتين، خلال أوج نشاط الحركة الإسلامية في الأردن بعامة والسلط بخاصة، وكانت في ذروة النشاطات الطلابية ونشاطات نقابة المعلمين التي أنشئت العام 1954.
كانت المهرجانات الحاشدة في كل أنحاء الأردن خصوصا في عمان، فكنا نشارك في مهرجانات عمان بشكل واسع، حيث يتم تهيئة عدة حافلات للذهاب في الصباح والعودة في المساء في كثير من الأحيان والمناسبات ذات العلاقة بالأوضاع المتوترة في مصر وسورية والعراق.
شعبة الإخوان المسلمين في السلط، كانت في مقدمة شعب الأردن في مختلف النشاطات والمناسبات الوطنية والإسلامية. العمل كان مفيداً ويقدم لنا الخبرة والاتصال بالناس من جميع الطبقات، وفيه نشاط دعوي ومشاركة في القضايا المحلية والوطنية.
كان التعليم في المرحلة الابتدائية، وكنت أُعلِّم العلوم الاجتماعية، وهي المفضلة لدي. ولكن في بعض الحالات كنت أُعلم ما يتوفر أو يسد فراغاً في المدرسة بصفتها من المستوى الابتدائي.
لا أنكر الفائدة التي جنيتها من خبرة التعليم، لما فيها من تعزيز لأي دراسة تالية لذلك، مع أن بعض الناس لا يفضلها، ويجد فيها فاصلاً بين الدراسة في المرحلة التي سبقتها، وفيها تطويع لمن كان موظفاً معلماً أو غير ذلك، ويعود للدراسة في غرفة الصف كطالب. لكنني أرى فيها زيادة في التأهيل والقدرة على مواجهة ظروف الحياة، وفيها تطويع للنفس ومعرفة حقيقة أن هذه هي الحياة؛ فإما أن تُعلم أو تتعلم، أو تمارس الحالتين جنباً إلى جنب، وفي ذلك فائدة كبيرة على المستوى الشخصي أو العام.
* أي بقيت معلما من بعد نيلك الدرجة الجامعية الأولى، وعودتك من بغداد العام 1960، وحتى بعد عودتك حاملا شهادة الدكتوراة من الولايات المتحدة؟
- بعد عودتي من بغداد، وفي ذلك الوقت كان وزير التربية والتعليم هو المرحوم محمد الأمين الشنقيطي، وكان يقابل كل خريج أو من يتعين حديثاً بنفسه، وبحضور وكيل الوزارة أو مساعده. وكان رئيس قسم البعثات الدكتور محمد نوري شفيق قدمنا له كرئيس البعثات بصورة جيدة، وكنت والأخ موسى زيد الكيلاني.
قال للوزير: هذان الخريجان حصلا على علامات عالية في جامعة بغداد، فالأول هندسة زراعية، والثاني في اللغة الإنجليزية، مع التوصية بتعيننا في المكان المناسب لكل منا.
كان من عادة الوزير أن يفاجئ كل خريج بقوله: هل أنت حزبي؟ أنت مع كذا من الأحزاب، والجواب كان لا، لسنا حزبيين. وبعد ذلك يسأل: أين ترغب بالتعيين؟ فيقول: أنا أرغب في المكان كذا، فيكون جواب الوزير عكس رغبته، وفي المكان النقيض.
فسألني: أنت عربيات؟ قلت: نعم. فقال: أنت بعثي؟ فقلت له: لا. فقال: أين تريد أن تتعين؟ فقلت: كل الأردن بلدي، وحيث يوجد مكان لاختصاصي ومصلحة لبلدي فهو المكان الذي أرغب فيه.
تفاجأ الوزير بهذا الجواب، فطلب منا الجلوس، وأرسل في طلب الشاي لنا، ثم سألنا عن الجامعة. وقال لمساعد الوكيل يومئذ الشيخ إبراهيم القطان، رحمه الله: يعين عبداللطيف في المكان الذي يرغب فيه، فهذه النوعية من الخريجين هي التي تخدم البلد بصدق.
لم أسأل من هي اللجنة التي تقرر المراكز، وقد تم طلبي بعد أيام، وأبلغني المسؤول أن مكان تعييني هو مديرية تربية نابلس. قلت له: لا بأس، وتسلمت الكتاب منه، وخرجت.
في اليوم التالي، ذهبت إلى نابلس، وقابلت المسؤول هناك، وكان مدير التربية المرحوم عبداللطيف عابدين، ومساعده المرحوم محمد رجا المسعود الخريسات، فقال لي المسؤول: إن مكان تعيينك في مدرسة جنين الثانوية لتعليم الأحياء وبعض الموضوعات العلمية، فأخذت الكتاب، وتوجهت من فوري إلى جنين.
أثناء الذهاب إلى جنين، سمعنا في الأخبار عن الانفجار الذي أودى بحياة رئيس الوزراء آنذاك المرحوم هزاع المجالي.
قابلت، في اليوم التالي، مدير المدرسة الثانوية الأستاذ مختار كمال الذي رحب بي كثيرا، وأخبرني عن المواد التي تنتظرني لتدريسها. ثم أخبرني أنهم رتبوا لي، كذلك، حصة في مدرسة البنات الثانوية. لكنني قلت له إنني لا أدرس إلا في مدرسة الذكور الثانوية، وبقيت مصرا على ذلك.

التعليق