موفق ملكاوي

يوم اللغة العربية: ليس ضروريا!

تم نشره في الخميس 15 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:00 صباحاً

نحتفل الأحد المقبل باليوم العالمي للغة العربية، وهو اليوم الذي أدخلت فيه العربية لغة رسمية عاملة ضمن منظمة الأمم المتحدة في العام 1973.
ورغم أن القرار مهّد إلى جعل العربية لغة عالمية من خلال هذا الاعتماد، الذي أصبحت قرارات الأمم المتحدة بموجبه متوفرة بالعربية، إضافة إلى وثائق العمل والمحاضر وتأمين خدمات الترجمة الفورية إلى العربية ومنها إلى لغات أخرى، إلا أن واقع العربية اليوم بعيد جدا عما يمكن اعتباره عالميا، كما أن مستقبلها قاتم، وينذر بخطر كبير.
خلال انفجار الثورة المعرفية الأخيرة، تفاجأ العالم الثالث، ومن ضمنه العرب، بهذه الثورة التي عمّت العالم، وجعلته، فعلا، قرية صغيرة، ملغية بذلك الخصوصيات الثقافية للأم والشعوب الضعيفة، وجاعلة من الثقافة الغربية، والأميركية على وجه الخصوص، ثقافة مركزية عالمية.
ومع دخول الإنترنت البلدان العربية، وشيوع استخدامه في المنازل، أصبحت هذه الثقافة سائدة في مجتمعاتنا، وصارت اللغة الإنجليزية ضرورة حتمية لمن يريد الاستفادة من هذا العالم الافتراضي.
كما أن من الأمور الخطيرة التي لم يتم التنبه لها منذ البداية لدينا، هو الاتجاه العالمي نحو التخلي تدريجيا عن المصادر الورقية، وتعزيز المصادر الإلكترونية كبدائل، ما أدى إلى فجوة كبيرة بين المصادر العربية الإلكترونية ومثيلتها الإنجليزية، مثلا، أسهمت، هي الأخرى، في ابتعاد الباحثين والدارسين تدريجيا عن العربية، واعتمادهم اللغة الإنجليزية كلغة بحث.
المحتوى العربي على الإنترنت ما يزال، حتى اليوم، يواجه أزمة ندرة، والموجود منه ينقصه الكثير لكي يحقق معايير النوعية والجودة والانتشار، خصوصا أن كثيرا منه غير محقق؛ أي تغيب عنه سلامة المعلومة والنقل اللغوي والمعرفي ومراعاة التسلسل المنطقي لكثير من المواد.
وتمثل مساحة المحتوى معضلة أخرى للباحثين، ففي أحسن الدراسات، لم يحقق هذا المحتوى سوى 3 % من نسبة المحتوى الإجمالي، رغم أن الدراسات تقول إن هناك حوالي 422 مليون شخص يتحدثون بالعربية، وإن هناك أكثر من 100 مليون مستخدم عربي للإنترنت.
لكن 3 %، ورغم ضآلتها، إلا أنها نسبة خادعة هي الأخرى، فالذي يطلع على هذا المحتوى، سيكتشف أن كثيرا منه هو محتوى منتحل، وأن هناك آلاف الصفحات المعادة والمكرورة، كما أن من ضمنه آلاف المنتديات التي لا تقدم شيئا، وإن قدمته فهو بحاجة لتحقيق وتدقيق، إضافة إلى وجود ثابت لصفحات باللهجات العامية، ومن ضمنها مدونات علمية وثقافية وإبداعية.
نعم، الصورة قاتمة على الشبكة العنكبوتية، ولكن هذا ليس مجمل الخراب، فبعد أن أصبح الإنترنت أساسيا في حياتنا اليومية، تسللت من خلاله العديد من الظواهر السلبية التي أثرت على الحضور اليومي للغة العربية، خصوصا ما بات يعرف بـ”الأرابيزي”، فنسبة كبيرة من الأطفال والمراهقين والشباب يعتمدون هذه اللغة الهجينة في تراسلاتهم عبر التطبيقات المختلفة على الهواتف الذكية، وهو ما قاد إلى ضعف حقيقي في التعبير بلغة عربية سليمة لدى أكثر من جيل.
هناك أيضا أبواب وأسباب أخرى للضعف، فطلبة اليوم لم يعودوا يمتلكون المهارات الأساسية التي امتلكها الطلبة الماضي، خصوصا ما يتعلق بالقراء والكتابة (الخط) والتعبير، بعد أن تغيرت معايير التدريس وفلسفته على ضوء التكنولوجيا الحديثة.
هذا الخراب قائم اليوم في معظم المجتمعات العربية، لكن المستقبل ينذر بخراب أكبر، يتم من خلاله ضياع اللغة العربية، بعد هوانها الشديد على يد أبنائها، خصوصا صناع القرار.
في يوم العربية، لا بد أن نقف قليلا لنفكر بجدية: لماذا نحتفل بيوم للغتنا الضائعة؟

التعليق