علاء الدين أبو زينة

هدر الوقت على الطريق..!

تم نشره في الخميس 15 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:07 صباحاً

في اليومين الأخيرين، أضاف هطول الأمطار سبباً إلى ازدحامات السير في عمان، لتصبح أكثر كثافة. وكلما سقط المطر، أتساءل: لماذا اختنق السير أكثر من المعتاد لمجرد المطر، مع أن الشوارع هي نفسها، والمطر ليس كثيفاً بعدُ بحيث تغرق الطرق أو تنهار، ولا هناك مجال للانزلاقات بحيث تدب المركبات كالنمل من باب الحذر؟ لكن هناك دائماً ظواهر صعبة التفسير على طرقنا –مثلاً: لماذا يكون السير على المسارب اليمنى سالكاً أكثر من التي على اليسار، في تعارض مع المنطق؟
المهم، استغرقت المسافة القصيرة نسبياً بين مكانين في عمان الغربية ساعة ونصف الساعة، في حين يجب أن تستغرق عشر دقائق إلى ربع ساعة بسرعة عادية، فقط لو كان السير سالكاً. وللمصادفة، كان برنامج منوعات في إذاعة محلية يبث شيئاً عن "القطار الخفيف". وأجرى مقدم البرنامج مقابلة هاتفية مع مسؤول في هيئة السكك الحديدية، وقال المسؤول إنهم تقدموا لوزارة النقل باقتراح لتشغيل قطار خفيف بين الزرقاء وعمان لتخفيف الضغط على الحافلات. وقال إن القطار سيصل إلى مطار الملكة علياء لينقل الركاب أسرع، ويتغلب أيضاً على الأحوال الجوية الصعبة، مثل الثلج وغيره.
اقتراح جديد؟! بدا الأمر طريفا بشكل خاص، وخفف طرافته توتر ازدحام الطريق. ليس موضوع "القطار الخفيف" بين عمان والزرقاء جديداً بأي حال من الأحوال. وفي حين تعثّر مشروع "الباص السريع" بضع سنوات الآن، فإن مشروع "القطار الخفيف" يكاد يصبح بعمر جيل. وعندما وصلت وجهتي، بحثت عن "القطار الخفيف"، فوجدت خبراً –على سبيل المثال- نشرته الصحافة المحلية في شهر حزيران (يونيو) 2006، يقول: "وقعت الحكومة الأردنية مع تجمع كويتي إسباني في عمان اليوم اتفاقية مشروع "قطار السكة الخفيف" الذي يربط مدينتي عمان والزرقاء بكلفة 236 مليون دينار أردني". ووجدت خبراً آخر في شهر شباط (فبراير) 2010، يقول: "أكد مصدر مطلع أن وزارة النقل ستطرح عطاء مشروع القطار الخفيف بين عمان والزرقاء للمرة الرابعة... وكانت الحكومة طرحت عطاء المشروع ثلاث مرات في السابق؛ الأولى في العام 1998، والثانية في العام 2004، والثالثة في العام 2006".
وهكذا، ما يزال مشروع "القطار الخفيف" الاستراتيجي بالنسبة للنقل في البلد عالقاً هو الآخر في زحمة السير منذ العام 1988، أي مدة 28 عاماً حتى اليوم، رغم القناعة بجدواه، واستعداد جهات كثيرة لتمويله وتشغيله، وجاهزية الدراسات البيئية والتشغيلية المتعلقة به. بعد ذلك، لا يمكن سوى أن يتساءل مستخدم الطريق الذي يضيّع وقته في رحلة الذهاب إلى عمله والعودة منه: هل يستحيل فعلاً إيجاد حلول لجعل التنقل اليومي للمواطن في الأردن أسهل؟ أم أنه ليست هناك جديّة في تقدير الوقت بحيث تحضر الحلول، ثم تُنفذ إذا حضرت؟
في الكثير من بلدان العالم المتقدم، يقيسون قيمة العمل بالوقت. المحامي يحاسبك على الساعات التي يعمل فيها على قضيتك؛ والميكانيكي الذي يصلح عطل سيارتك يحاسبك على ساعات عمله عليها، وهكذا. وفي الحقيقة، يدرك قيمة الوقت كل من يكون لديه عمل ينبغي إنجازه في موعد محدد، ثم يجد أن ثلاث ساعات تُهدر من يومه وهو مسجون في الزحمة على الطريق، في حين يمكن اختصار هذا الوقت ليصبح نصف ساعة. لكن الثقافة العامة التي تتخلق من الإفراط في التمهل وازدراء الأشياء وفقدان الإحساس بالجدوى، تجعل الناس يتعاملون مع الوقت والعمل وكأنهما بلا ثمن ولا أهمية.
تَعطُّل المشروعات الوطنية الاستراتيجية، عندما يظهر في الإعلام أن شروط تنفيذها متحققة، يعني أن يكون تضييع المواطن وقته على الطريق ناتجاً حتمياً وعرضاً حياً لفكرة ازدراء الوقت والتأجيل التي تحكم كل شيء على أي مستوى. وإذا كان المواطن يضيع 3 ساعات يومياً في رحلة الذهاب إلى عمله والعودة -أي 4 أيام في الشهر تقريباً- بلا ثمن، فيمكن تخيل الخسارة الوطنية من تضييع 28 عاماً من عمر مشروع نقل استراتيجي، وما يعادل ذلك من ساعات يضيعها آلاف –بل ملايين- المواطنين في زحمة الطريق، والتي ينبغي أن يكون لها ثمن. الأمم أيضاً يجب أن تحسب ثمن عملها بالساعة، وبغير ذلك يلقى بالمال الوطني في سلة مهملات الوقت، على قارعة الطريق!

التعليق