محمد أبو رمان

وباء لثلاثين عاماً!

تم نشره في الخميس 15 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:09 صباحاً

أخيراً نطق أحد السياسيين الإيرانيين بكلامٍ عاقل ومنطقي (وأعلم أنّ هذه الأصوات موجود في إيران، لكنّها ليست مرتفعة)؛ إذ صرّح محمود مير موسوي، المسؤول السابق في الخارجية الإيرانية، بأنّ "نجاح العمليات في حلب هو فرحة لليلتين فقط، بعدهما علينا أن نقلق للثلاثين عاماً المقبلة".
وأضاف موسوي (في تصريحات لصحيفة "الشرق" الإيرانية) بأنّه يرى "الأوضاع سيئة جداً". وقال: "إنّ مقتل 300 ألف شخص وتشريد ونزوح 12 مليونا في سورية، لا يولّد إلاّ العنف والكراهية". معلّلاً ذلك بأنّ هناك "10 ملايين عائلة سورية ستعيش الكراهية والبغضاء. وهذا يحتاج لحل على مدى عقدين من الزمن".
من يتابع الردود والنقاشات والحالة النفسية العربية العامة على مواقع التواصل الاجتماعي، جرّاء المجازر في حلب، سيعرف تماماً أنّنا مقبلون على مرحلة معقدة وصعبة، مشحونة بالطائفية والتعصب والعنف والراديكالية. وحتى في بلد مثل الأردن، لا يوجد فيه انقسام طائفي، فإنّ تحولاً دراماتيكياً كبيراً حدث تجاه إيران وحزب لله (وللآسف الشديد تجاه الشيعة عموماً) نتيجة ما يحدث في سورية، لكن مع مشهد حلب تحديداً!
ما سيزيد الطين بِلّة وصول شخص مثل ترامب إلى البيت الأبيض؛ فهو فاشي بقناعٍ ديمقراطي، مع طاقم لا يؤمن بأيّ دور للولايات المتحدة الأميركية في الدفع نحو حقوق الإنسان والديمقراطية. وقد قرأنا مقالة أحد اليمينيين المعروفين (المؤيدين له)، هو دانيال بايبس (في "بوسطن غلوب"، ونشرت "الغد" ترجمتها أمس)، وهو يتحدث عن خيارات ترامب في الشرق الأوسط، والتي يمكن اختصارها -كما ذكرنا سابقاً- بالعودة إلى المدرسة الواقعية التقليدية، وإلى مفهوم المصالح والأمن، مع تجنب أي تشجيع للديمقراطية قد يؤدي إلى وصول الإسلاميين إلى السلطة.
ومن المعروف أن بايبس من أعداء الإسلاميين، وممن يقولون بأنّه لا يوجد إسلام معتدل ومتطرف. لذلك، هو يرى الصراع في سورية بين أعداء الولايات المتحدة جميعاً؛ إيران وروسيا من جهة، والمعارضة ذات الطابع الإسلامي من جهةٍ أخرى، فلا يرى غير الأكراد حليفاً قوياً للولايات المتحدة هناك. وحتى بالنسبة للأتراك، فإنه معادٍ لأردوغان، وهو بالمناسبة لا يبتعد بذلك عن الرؤية الصلبة الجوهرية لليمين الأميركي المؤيد لترامب.
مع انفجار الصراع الطائفي، وبروز الفاشيات، بألوانها وصورها المتعددة، بين أنظمة طائفية تابعة لإيران، وحركات متطرفة معادية لها، وملايين من المهجرّين واللاجئين، وأزمة إنسانية في المنطقة لم تحدث في أوج عهد الاستعمار؛ ومع إدارة أميركية لا تهتم ولا تعبأ بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وليست لديها مشكلة مع الأنظمة الاستبدادية، ومع تجديد التحالف معها، في مثل هذا المناخ الموبوء والكارثي في المنطقة العربية، فإنّ الحلم الديمقراطي الذي يراود شريحة اجتماعية واسعة، أصبح بعيد المنال، على الأقل على المدى المنظور.
ليس ذلك فحسب! بل إنّ الأمن الذي تروّج له الأنظمة العربية بوصفه، عملياً، بديلاً من الديمقراطية، لن يتحقق أيضاً. فما لا يدركه أصحاب هذه النظرية (تجديد السلطوية) هو أنّ الوضع السياسي الراهن في العالم العربي لم يعد قابلاً للاستمرار أو الدوام، ومناهج الحكم والشرعية الحالية أصبحت بالية، وحجم الأزمات والانهيارات أكبر منها. لذلك، فإنّ الطريق البديلة من الديمقراطية لن تكون إلا أزمات وصراعات وانهيارات قائمة ومقبلة.
أعتذر عن هذه الجرعة السوداوية، لكنّها ليست سيريالية ولا فنتازية. فقط انظروا حولكم وفكّروا بما يحدث بمنظور أعمق؛ إنّها لحظة تاريخية جديدة ومرحلة بدأت تتشكّل، لا بد أن نفهمها جيداً.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »جرعة تفاؤل (اياد صالح)

    الخميس 15 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    فعلا مقالة سوداوية !!!، لكنها للأسف واقعية وتقدم الحقيقة التي لا يريد أن يعترف بها أحد، وهي أن مجتمعاتنا العربية بدون استثناء تتجه للتطرف الأعمى تجاه كل شيئ، ولكن يجن أن ندعوا قليلا للتفاؤل ونتعلق بقشة :"الضوء في آخر النفق" و"ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل"، ويجب على الإعلام المسؤول تغيير بوصلة المجتمعات...ولنتذكر نلسون مانديلا ومقولته الخالدة " نسامح ولا ننسى "...
  • »"مخرجات السياسة الأمريكية" (يوسف صافي)

    الخميس 15 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    ان جاز لنا التعليق وصفا د.محمد حيال تصريحات موسوي وغيره تبقى من باب تلطيف الأجواء من أجل امتصاص غضب الأطراف المتضررّة من امتنا العربيه شعوبا وحكومات (الضعيف يلهيه معسول الكلام ) وان كانت غير ذلك لاأعتقد اي من الساسة الإيرانيين قادر على تجاوز سياسة السيد الولي الفقيه ؟؟؟وليس كما نحن اصبحنا ادوات لاوبل شركاء تبعيين في ترويج ما ارادوا اعداء الأمة والدين حيث يظهر جليا ان ما آلت اليه الأحوال من تفتيت للساحة هي من مخرجات السياسة الأمريكية وحتمامن تبعهم بتقاطع المصالح حقد وعداء للعروبة والإسلام واو عن جهالة ؟؟؟؟؟امّا ترامب وغيره ماهم الإ ادوات لتنفيذ مايملى عليهم من صنّاع السياسة الأمريكية ؟؟؟ ولاادري كيف لسياسة المصالح ان تتلحف الديمقراطية نصا ومضمونا ؟؟؟ الديمقراطية كما غيرها من المصطلحات المزركشة ساترهم للولوج ل اهدافهم ؟؟؟؟؟ كما ان سياسة المصالح لاتصنع تحالفات وفق تعريفها الحقيقي حيث تتراقص السياسة وفق مؤشر غير ثابت ومحدد؟؟؟ وما تصريحهم حيال الأكراد سوى من باب تعميق الهوة العرقية كما نجحوا في المذهبية (سنّه وشيعه) وفي العمق الآخر اعطاء الضؤ الأحمر للدول المتضررّة من قيام الدولة الكردية" ؟؟؟ ولا اعتقد ان السياسة الأمريكية التي تسعى لتفتيت المنطقة الى فسيفسات من خلال مشروعها القديم الجديد وفوضاها الخلاقّة (فخّار يكسر بعضه) ان تلبي رغبات الأخوة الأكراد الذين غرقوا في مستنقع حرب المصالح القذرة كغيرهم بل من باب خلط الأوراق تناغما واستراتجيتها من أجل زيادة العديد وللهيب ؟؟؟؟"ولاراد لقضاء الله بل اللطف فيه"
  • »من غير عنوان (علاء المجالي)

    الخميس 15 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    هي ليست جرعة سوداوية و لكن توقع و تصور منطقي للقادم الذي لن يكون نزهة جميله على الاطلاق. يمكن ان نرجع الى امثله بعيده تاريخيا مثل ما حدث في اوروبا بعد سقوط هتلر و موجة الانتقام من كل ما هو نازي و مختلف او يمكننا الرجوع الى ما حدث بعد سقوط صدام وتحرير العراق من الديكتاتوريه لتشتعل بعدها موجة الانتقام من كل ما هو بعثي او متعاطف مع الصداميين و من ثم الانتقام الشيعي الذي أثارته جماعات و للاسف وجد الاذان الصاغيه و العقول المتطرفه التي نفخت في بوق الانقسام اكثر و اكثر و الى الان يعاني العراق بعد ١٣ سنه من الانقسام القائم على الكراهية و التطرف الجاهل.

    لن يكون هنالك وقت افضل من الان لنبدا في الاردن للتجهيز و صنع دروع الثقافه و العلم لخلق بيئة إجتماعية بعيده عن التطرف و الكراهية و علينا ان نوؤد الاشاعه المغرضه مهما كانت و هذا يجب ان يتوازا مع خلق دروع امنية داخلية و خارجيه من كل ما هو قادم من الخارج و خصوصا المقاتلين الاردنيين الذي ذهبوا الى سوريا و الان سيعودون الى الاردن بشكل او اخر. و السؤال الان ماذا جهزنا لهذه المرحله؟ و كيف ستتعامل الدوله و الشعب مع هذه الآفة الاجتماعية العائده و كيف سنحتوي هذا الوباء و كيف سنعالجه حتى لا يتكتل مره اخرى داخليا. المرحلة القادمة لن تكون اجمل من ما هي عليه الان و لكن التخطيط و التجهيز و التطبيق من الان فيه من الحكمه ما نرغبه جميعا و للشهادة ان الاردن نجح في الحفاظ على تماسكه اجتماعيا و امنيا و لكن يجب الاستمرار بتحفيز هذا التماسك و يجب تدعيمه و تحديثه لان كل الاشياء لا بد ان تصداء اذا لم نقم بصيانتها من وقت الى الاخر.