الحلقة الحادية عشر

عربيات: رفضت أن أكون مديرا لمدرسة السلط الثانوية

تم نشره في الخميس 15 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:00 صباحاً
  • رئيس مجلس النواب الاسبق عبداللطيف عربيات - (تصوير: محمد أبو غوش)

محمد خير الروشدة

عمان- في حلقة اليوم يعود رئيس مجلس النواب الأسبق عبداللطيف عربيات إلى ذكرياته في سنوات عمله معلما في الضفة الغربية، وفي تلك السنوات يحكي عن مواقف وتجارب ثرية.
ويكشف القيادي الإسلامي البارز في صفوف الحركة الإسلامية الدكتور عربيات في حلقة اليوم من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر" مع "الغد"، عن مدة إقامته القصيرة في جنين، ومقابلته للدكتور عبدالله عزام هناك، قبل أن يغادر إلى طولكرم ليدرس العلوم الزراعية في مدرسة خضوري المتخصصة.
وهنا يكشف عربيات أيضا عن رفضه عرضا يقضي بنقله مديرا لمدرسة السلط الثانوية للمساعدة في ضبط الأمور والسيطرة على نشاطات الطلبة، وهو العرض الذي رفضه، حتى يكمل عمله في مدرسة خضور الزراعية، مقدما النصيحة لوزارة التربية والتعليم في أن تعين لنفس الموقع حسين كوكش.
وفي نهاية الحلقة يوضح عربيات قصة نقله إلى القدس مساعدا لمدير التربية، وهي القصة التي يعتبرها عربيات مؤامرة ضد مدير مدرسة خضوري الزراعية، بسبب إضعافه في القيام بمهامه ومسؤولياته. ورغم مساعي عربيات في إلغاء قرار نقله إلى القدس، إلا أنه امتثل للقرار في نهاية المطاف.
وكان عربيات تحدث في حلقة الأمس عن رحلته في مشواره لنيل الدرجة العلمية الثانية والثالثة، ورحلته بين العواصم ونشاطاته الدعوية، كاشفا عن زهده في القبول بعدد من عروض العمل التي كانت مغرية في ذلك الوقت، سواء لجهة العمل في المملكة العربية السعودية، أو في البنك الدولي، بعد ما حققه من انجازات خلال سنوات عمله.
وأكد القيادي البارز في صفوف الحركة الإسلامية عربيات في حلقة أمس أن الالتزام بشروط الابتعاث للدراسة كان وراء تخليه عن عروض العمل المغرية، مقدما التزامه بشروط التوظيف التي وقع عليها قبيل مغادرته في رحلة إكمال دراساته العليا.
وفي مايلي نص الحلقة الحادية عشرة:

* بدأت معلما بشكل رسمي في الضفة الغربية بعد الشهادة الجامعية. كيف بدأت؟ وما هي انطباعاتك عن مهنة التعليم في مدن الضفة الغربية؟
- جنين بلد طيب، وأهلها كرماء، وقد ساعدني إخواننا هناك على استئجار البيت، وتناوبوا على استضافتي، وفي مقدمتهم المرحوم الشيخ فريز جرار، وكان هناك ابنه مأمون وإخوته الصغار في بيت الشيخ فريز، وهي عائلة ودودة، يقدم كل منهم المساعدة على طريقته الخاصة وبتوجيه من والدهم الكريم.
وما إن علم الشيخ الشهيد عبدالله عزام رحمه الله بقدومي، حتى جاءني مسرعا، وأخذني إلى بلدة سيلة الحارثية، حيث يسكن، ثم جمع الناس، وعمل مأدبة عشاء للجميع، ونمت عنده في تلك الليلة الأنيسة.
في جنين، شعرت بأنني بين إخواني وأهلي، وانسجمت مع المدير، وهو رجل مهذب، وكذلك الإخوة المعلمون.
الطلاب كذلك كانوا مميزين، وشعرت منهم أنهم يرغبون في التعرف والحديث عن القضايا العامة إلى جانب المادة الدراسية المقررة. ومع أنها مادة علمية بحتة، إلا أن الذي يريد الاتصال بالناس فالباب مفتوح في كل لحظة.
ومن عائلات جنين الرئيسية؛ آل جرار وآل عبد الهادي، وكان الجميع يتسابقون على إكرام الضيوف القادمين من خارج جنين.
كانت شعبة الإخوان في جنين ملتقى لكثير من أبناء البلدة، خصوصا المثقفين منهم، وكانت تعقد فيها محاضرات وجلسات ولقاءات عامة، وكنا نحضر ونشارك فيها.
مدة عملي في جنين كانت حوالي أسبوعين أو أكثر بقليل، ولكنها كانت ثرية ومريحة من جميع الوجوه. كانت اللقاءات مع الطلاب تجري في الحصص وفي خارج الحصص، وكان باستطاعتي رؤية الحماسة الشديدة في وجوه ونفوس المعلمين والطلاب والمدير، فتشعر أنك مدفوع بعوامل عديدة لأداء أقصى ما لديك، وهذه من ميزات البيئة المدرسية الناجحة.
* درًست في جنين فقط اسبوعين. ما هي أسباب مغادرتك لها بهذه السرعة؟
- كنت قد ذكرت لبعض المسؤولين في الوزارة أن مدرسة خضوري الزراعية في طولكرم هي المكان المفضل والمناسب لي من حيث الاختصاص، وفعلا، بعد أسبوعين من العمل جاءني مدير المدرسة وقال لي: هناك خبر يفرحك ويزعجني. قلت: ما هو؟ قال: اتصل بي الوزير شخصياً وأخبرني أن على عبد اللطيف عربيات أن يتحرك ابتداءً من الغد إلى خضوري الزراعية في طولكرم، والكتاب في الطريق.
فقلت له: هذا يسرني، وبالتأكيد ويؤسفني فراقكم.
العمل في جنين انطبع في ذاكرتي، وها أنا ذا أذكره تماما بعد حوالي ستين عاماً وكأنه أمامي الآن.
غادرت جنين إلى طولكرم، وهو بلد جميل أيضاً تابع إلى متصرفية نابلس، كما هو الحال لجنين في ذلك الوقت.
طولكرم تقع بين أرض الساحل والجبل، وتبعدُ عن البحر حوالي اثني عشر كيلومتراً، وكنا نشم منها رائحة البحر، وأرضها عميقة وخصبة ومياها متوفرة.
قيل لنا إن خضوري اليهودي أنشأ مدرستين زراعيتين؛ واحدة للعرب وهي هذه المدرسة، وأخرى لليهود في مدينة حيفا، وقد تناوب على إدارتها الأستاذ أحمد طوقان، وزير المعارف ورئيس الحكومة الأردنية لاحقاً، كما أن الأستاذ علي رؤوف، كان مديراً تاريخياً لها، وله سمعته ومكانته في إدارة المدرسة، وبنى لها صورة وهيبة أكسبتها أهمية حتى خارج الأردن، حتى إن جامعة أريزونا في الولايات المتحدة الأميركية كانت تقبل خريجيها، وتحسب لهم مساقات تعادل عامين جامعيين، وخريج هذه المدرسة يدرس عامين في أميركا ويحصل على بكالوريوس في الزراعة.
ومن خريجيها الدكتور عدنان بدران والدكتور صبحي القاسم وغيرهما الكثير، وكان يدرس فيها أوائل الطلبة في الضفتين، وبعدد محدود حوالي أربعة وعشرين طالباً للشعبة الواحدة، والتجهيزات العلمية الزراعية متوفرة بصورة جيدة، كما أن فيها مزرعة متقدمة للتطبيق العملي وإجراء التجارب لمن يرغب في ذلك.
حين بدأت العمل التدريسي في مدرسة خضوري في العام 1960، كان مدير المدرسة هو الأستاذ المرحوم شفيق الحسيني، وكان قبله بعام الأستاذ علي رؤوف، وبعد عام من عملي في المدرسة وعند بدء التدريس في كلية الحسين الزراعية التي أنشئت في أرض المدرسة، جاء الدكتور سليم الناشف عميداً للكلية ومديراً للمدرسة.
عملت في خضوري مدة سنتين، الأولى كانت في المدرسة وحدها، وفي السنة الثانية درّست في الكلية والمدرسة معاً، وكانت من أسعد أيام عملي الوظيفي، وذلك لأسباب علمية تطبيقية، وكذلك لأسباب اجتماعية من حيث السكن والتعامل اليومي مع أساتذة وطلاب متميزين، وحياة بيئية اجتماعية نظيفة.
للعمل في طولكرم ميزات كثيرة، وأنا فعلا أعتبرها من أمتع أيام عملي الوظيفي، لأن هناك أسبابا مهنية وأسبابا ذاتية أيضا؛ فمن الجانب العلمي التطبيقي كنت أتعامل مع طلاب منتخبين من مدارسهم، وبأعداد محددة، وحسب المعايير التربوية المتقدمة. كان الأمر يدفع المعلم للعطاء وبالاتجاه المفيد الذي يشجع على المزيد من النجاح في تحقيق النتائج المرغوبة.
كنت أدرّس مادة البستنة، موضوع اختصاصي، إلى جانب مادة الأحياء وبعض العلوم المرافقة، وكنت أجري بعض التجارب على تكثير الحمضيات والزيتون بطريقة العُقل، ومعروف أنها تتكاثر بالبذور أولاً، ولكن من باب إجراء التجارب على أمور جديدة في هذا الميدان. أذكر أنني عملت تجربة رئيسية في تكثير بعض أصناف الحمضيات بالعقل، فكانت ناجحة، ووصلت نمواتها حوالي 30 سم.
في السنة الأولى أذكر أن الأستاذ الدكتور عبد الكريم الخضيري، رئيس جامعة بغداد، وهو مختص في الهرمونات النباتية، جاء لزيارتي في الكلية، وحين أطلعته على تلك التجربة، سأل عن نوع الهرمونات التي استخدمتها. قلت له: لم أستخدم أي هرمونات، بل هي خلطة ترابية معروفة للجميع. فقال: أنا أستخدم الكثير من الهرمونات ولا تصل نموات العقل لهذه الدرجة في هذه المدة التي لديك!
كما أذكر أن أحد طلابي، وهو من قرية كفر اللبّد، قال لي إن عنده أنواعا من العنب يكون عليها قطوف ناضجة وأخرى غير ناضجة (حصرم)، إضافة إلى أخرى في طور النخل (الإزهار)، فطلبت منه أن يحضر لي عقلة منها في شهر شباط (فبراير)، وقمت بزراعتها بمشاركة الطلاب في ذاك الشهر، ونمت العُقل، فاستمر سقيها ورعايتها، وعندما عاد الطلاب إلى المدرسة في شهر آب (أغسطس)، وجدنا أن طولها كان ستة أمتار، كما أننا وجدنا عليها عنبا ناضجا، إضافة إلى مستويات أخرى من العنب كما ذكر.
في طولكرم أيضا، لم أغفل جانب النشاط الإسلامي، فقد كانت المدرسة شبه مغلقة عن أي نشاط إسلامي، سواء في داخل المدرسة أو خارجها، حيث الطلاب يسكنون في القسم الداخلي ويطبق عليهم نظام إغلاقي. ولم يكن هناك من يوجه أو من يجرؤ على الحديث في موضوع ديني.
والسبب الذي أبعد الناس في المدرسة عن الاتجاهات الإسلامية كان سببا فكريا، إذ إن الناصرية كانت في أوجها والناس كانوا متعلقين بأفكار الرئيس المصري جمال عبد الناصر من أجل التحرير.
أما السبب الثاني، فقد كان سببا أمنيا، إذ إن الناس أيضاً في المدرسة لا يجدون من يحثهم على التمسك بالدين، ولو بحدود معينة، وقد التقيت هناك مع المهندس محمد الحنبلي، وهو من نابلس، وكان جديداً، وأيضا المهندس أحمد سعيد عبد الكريم، وهو من قرية أم الفحم، وهذا الرجل طيب بذاته، لكنه لم يكن قادرا على النشاط والتحرك بسبب مجمل الظروف المحيطة. وكان هناك الأستاذ عبدالله حسنات، وهو جيد في فكره وسلوكه، ولكنه كان غير مهيأ للنشاط لأسباب مختلفة.
عندما التحقت بمدرسة خضوري، اخترت أن أقيم في سكن المدرسة، فطُلب مني أن أكون مشرفاً على القسم الداخلي فيها مع وجود مدير للمنزل، وهو يحمل الفكر القومي المعادي للفكر الإسلامي.
بدأت بطلب عمل مصلى في المدرسة للطلاب ومن يرغب من الأساتذة، فقالوا: لا يوجد مكان محدد لذلك، فاتفقنا على تخصيص قاعة في المدخل في الطابق الثاني، وهي مقابلة لسكني في المدرسة.
خصصنا فرشاً لتلك القاعة، وهو مكون من مجموعة من الحصر بالعدد اللازم، وبدأت بتأدية صلواتي في ذلك المصلى، فبدأ يحضر معي بعض الطلاب في الصلوات العادية. وعندما جاء رمضان زاد العدد كثيراً، وصرت أعطي بعض الكلمات، وأكلف بعض الطلاب بذلك، فزاد النشاط إلى حد أقلق بعض المسؤولين، خصوصا مدير المنزل للقسم الداخلي، الذي قام بإبلاغ مدير المدرسة الأستاذ شفيق الحسيني بذلك.
كان الطلاب بعد السحور يصعدون للقاعة بانتظار صلاة الفجر، وكان الكثير من الطلاب يلقون بشاكيرهم على رؤوسهم أثناء الصلاة أو الانتظار لها، وللوهلة الأولى، فإن من يراهم يحسب أن الأمر مرتب، وتظهر القاعة كما لو أنها مليئة بالعمائم.
* الحياة السياسية كانت ناشطة في الضفة الغربية، ولعل خصومك من اليسار والقوميين لن يدعوا نشاطك الإسلامي يمر بسهولة؟
-نعم، لقد حدثت بعض الأمور في هذا الاتجاه، فقد طلب مدير المنزل من مدير المدرسة أن يحضر قبل صلاة الفجر وبعد السحور ليرى هذا المنظر الجديد.
فعلاً، جاء مدير المدرسة على غير عادته، وللمرة الأولى في حياته في هذه الساعة من الليل، ودخل القاعة، ورأى المنظر. وقال: ما شاء الله، هذا معهد أزهري.
كنت في الجهة المقابلة له من القاعة، وأمام غرفة مكتبي الداخلية. فقلت: نعم هؤلاء هم عدة الأمة، وهؤلاء شباب طيب وفيهم الأمل، تفضل يا أبا نبيل اشرب فنجان قهوة قبل الإمساك. بعدها قلت بعض العبارات لكي أدخل الطمأنينة إلى قلوب الطلاب وأشعرهم أن الأستاذ المدير جاء ليطمئن عليهم، وأنني أرحب به كما لو أن كل شيء اعتيادي. أدخلت المدير إلى غرفتي وطلبت له القهوة، ثم خرج بعدها، فدعوته للصلاة معنا، لكنه اعتذر وقال: لست على وضوء. أنا ذاهب إلى البيت.
وفي حادثة أخرى، دعانا المدير في أحد الأيام إلى عقد مجلس معلمين لبحث أمر منشور وزع في المدرسة باسم الإخوان المسلمين. شرح المدير المسألة، وقال: وجدنا هذا المنشور في مكان كذا، ونريد أن نحقق مع الذي وزع هذا المنشور، فنحن لا نسمح بأن تدخل الحزبية إلى المدرسة.
ثم بدأ المدير يشرح عن محتوى المنشور، فسألته هل في هذا المنشور ما يمس بأمن البلد أو أي مخالفات أخرى من أي نوع؟ فقال: لا نسمح بأي شيء، فالجهات الأمنية حذرتنا.
وبينما نحن نستمع إلى تعقيبات بعض المعلمين وبعض الشهود، فإذا بطالب يدخل علينا الاجتماع، وقال موجها كلامه لرئيس الجلسة مدير المدرسة: أنا الطالب أحمد سليمان الشراري آل خطاب، أنا الذي وزعت المنشور، وأتحمل كامل المسؤولية عن ذلك. فما هي المشكلة؟
وجهت أنا كلامي للمدير، وقلت له: أجبه. فقال المدير: هذا ممنوع، فقال الطالب: ليس فيه أي شيء ضد البلد، وأنا أتحمل كامل المسؤولية عنه، ثم تركنا وانصرف.
نظرنا إلى بعضنا بعضاً من دون أي تعليق، وبعد قليل، قلت لهم: أغلقوا ملفاتكم، لا توجد عندنا مشكلة، ولا حاجة بنا لاستمرار هذا التحقيق. وفعلاً كان ذلك.
ذلك الطالب الشهم كان من معان، وكان طلاب المدرسة، في ذلك الوقت، من جميع أنحاء الأردن بضفتيه. تخرج هذا الطالب من المدرسة وعمل في وزارة الزراعة، ثم أصبح مديراً  لزراعة معان، وبعدها أصبح نائباً في البرلمان، ثم وزيراً للزراعة، وهو من وجهاء معان المعروفين المقدرين، وصلتي به لم تنقطع حتى اليوم.
* نعود إلى مهنة التعليم ومدى انخراطك فيها، ومدى المتعة في هذه المهنة الصعبة مهنة التدريس، خصوصا وأنت تتنقل بين عمان وطولكرم والسلط؟
-الأسباب المهنية هي التي دفعتني للتعلق بمهنة التدريس في مدينة طولكرم، وكما ذكرت لك أن بدايات عملي الوظيفي في جنين وطولكرم، كانت أمتع أنواع العمل الوظيفي الذي استلمته في حياتي، وقد تعرضتُ لإغراءات عديدة لتغيير هذا العمل بما هو أعلى وأهم، ولكنني رفضت، وفضلت هذا العمل على غيره في أكثر من مرة. فبعد عام من عملي معلماً في طولكرم، جاءني المرحوم حسني فريز إلى طولكرم ومعه الدكتور عبد الكريم خليفة. كان فريز في ذلك الوقت وكيلاً للوزارة، أما خليفة، فقد كان رئيس مفتشي اللغة العربية في الوزارة.
قال لي فريز: نريدك مديراً لمدرسة السلط الثانوية. قال ذلك وهو ينتظر مني أن أشكره، وأن أفرح بما عرض علي.
لكن، ورغم أن ما عرضه كان كبيرا ومهما، إلا أنني قلت له: شكراً لك، لكنني أعتذر عن عدم القبول بذلك لأنني أحب عملي هنا، وأنا مرتاح فيه كثيرا.
فقال: مدرسة السلط أكبر ثانوية في الأردن، وهي في بلدك السلط، وستكون مديرها!
قلت له: كل ذلك واضح لدي، ولكنني أعتذر عن عدم تلبية هذا الطلب، مع شكري لك.
قال: هل عقلك معك!! قلت له: نعم، فأنا بكامل قواي العقلية.
وبعد شرح مطول والرد على ذلك، قال: هناك مشاكل طلابية في السلط الثانوية، وقد قمنا بتغيير المدير، ولكن هناك رأي ونصائح في الوزارة أن تأتي أنت من أجل ضبط المدرسة، وإعادة النظام إليها.
قلت له: أكرر الشكر، وأنصح أن تأخذوا الأستاذ حسين كوكش في جنين ليكون مديراً للمدرسة. وقد كان أن أخذوا بنصيحتي، وعينوا كوكش مديرا لمدرسة السلط الثانوية.
بعد عام من ذلك التاريخ، وقد كنت أصبحت مدرساً في المدرسة وفي كلية الحسين الزراعية، بجانبها، وكان العميد فيها الدكتور سليم الناشف آنذاك، عرفت أن هناك تخطيطاً في الوزارة لإفشال سليم الناشف.
كانوا يتحينون الفرصة لإفشاله، وقد أرادوا تنفيذ ذلك حين طلب الناشف من الوزارة أحد المعلمين ليتم تعيينه عنده، وكان يحمل شهادة الماجستير. قالوا له: إذا أعطيتنا عبد اللطيف فسنلبي طلبك بفلان، فوافق على ذلك وهو لا يعرف خطوط المؤامرة عليه.
وسرعان ما تم إصدار كتاب من الوزارة يقضي بنقلي إلى مساعد مدير التربية والتعليم في القدس، وبتعيين من طلب عنده في المدرسة.
جاءني الدكتور سليم في اليوم التالي، وأخبرني بالقصة، وقال لي: هذا ما حصل معي مع الوزارة، ولا أدري هل أخطأت في ذلك أم أصبت. قلت له: وقعت في الفخ، فهم يخططون لذلك ويسعون لإفشالك.
تحدثنا مطولا في الأمر، وبعد ذلك قال لي بعد أن أعطاني كتاب نقلي موقعاً من الوزير: أرجوك أن تذهب الآن إلى الوزارة، وأن تحاول إلغاء النقل.
ذهبت في اليوم التالي إلى الوزارة، وقابلت وزير التربية وقد كان حينها المرحوم إبراهيم القطان، وقلت له: أرجو أن تقوم بإلغاء نقلي إلى القدس، فأنا مرتاح بالتدريس في طولكرم.
نظر الوزير نحوي مستغربا، وقال: يا عبد اللطيف، أنت تعلم مدى سنوات خدمتك القليلة، ومع ذلك يتم نقلك إلى وظيفة مساعد مدير تربية القدس، ثم تأتي لتعتذر. أنت تعلم أنك أصغر سناً من أي مفتش هناك.
بعد حوار طويل مع الوزير، لم أستطع أن أثني الوزير عن قراره، وقال لي: أرجوك؛ أنا وقعت الكتاب وصدر رسمياً، ولن ألغي توقيعي.
عدت إلى طولكرم، وأبلغت الدكتور الناشف بما تم، فأبدى أسفه الشديد، وقال: لقد وقعت في الخديعة. أرجوك أن نعمل معا من أجل عودتك إلى الكلية.
قلت له: لا أعتقد أن ذلك سيجدي، فالأمر قد انتهى، ومن عمل ذلك لن يتراجع تحت أي سبب.
اتضح فيما بعد أن المخطط  يقضي بسحب عبد اللطيف عربيات من الكلية، لأنه يساعد الناشف في ضبط طلبة المدرسة والكلية، وبعدها تكثر احتجاجات الكلية وتصل إلى الوزارة التي ينتظر بعضهم فيها ذلك بفارغ الصبر.
ما توقعناه حصل فعلاً، فجاءت لجان من الوزارة للتحقيق في إدارة هذا المعهد المتقدم الذي أسيء إليه كثيراً بهذا العمل. فقد وقعت إضرابات واحتجاجات من قبل الطلبة، سواء كان ذلك من خلال مشاكل بين طلاب المدرسة أو طلاب الكلية أو بسبب النتائج، وحتى في العمل الفني في المزرعة. كل تلك الاحتجاجات كانت تجد آذاناً صاغية في الوزارة، وبعضهم كان يشجعها من طرف خفي لأسباب شخصية بحتة لا علاقة لها بالعملية التربوية.

التعليق