"ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين"

تم نشره في الجمعة 16 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:00 صباحاً

أ. د. محمد خازر المجالي

هي سنن الله التي لا تتخلف أبدا. ولله حِكم كثيرة في تسييرها؛ فهو العليم الحكيم، وهو صاحب الشأن كله، لا يجري شيء إلا بعلمه وإرادته ووفق حكمته، فهو قدره تعالى وقضاؤه، وهو على كل شيء قدير، له الحكم وله الأمر، تبارك الله رب العالمين.
وقد يبدو أن بعض الأمور التي يقدرّها الله تعالى في ظاهرها قاسية، فلله حكم كثيرة فيها، فقال الله تعالى: "... وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ" (البقرة، الآية 216)، وقال: "... فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا" (النساء، الآية 19). فما على العبد إلا الأخذ بالأسباب، وأن يكون مع الله تعالى قلبا وقالبا، وبعد ذلك فكل شيء يأتي منه سبحانه فهو خير.
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة؛ فهو أعز الخلق على الله، ومع ذلك كانت الهزيمة في أحُد، وقُتل من الصحابة سبعون، وكانت جراحات كثيرة، حتى كُسرت رباعيته صلى الله عليه وسلم، وشُجَّ في وجهه، وأشيع مقتله. وكان ابتلاء شديدا؛ ففي القوم رسول الله، ومع ذلك كانت الهزيمة المادية على الأقل. وأنزل الله آيات ستين من سورة آل عمران (121-180)، كلها في غزوة أُحُد، تعالج النفوس، وترد الأمور إلى سنن الله تعالى، وتكشف الخلل، وتربي على المنهج الصحيح، وتصرِّح بما في مكنونات القلوب من ظنون وشوائب، وتكشف أقوال المنافقين وحقيقة مواقفهم من الله والرسول والإسلام.
إنه نداء الله الدائم أن لا نهِن ولا نحزن ما دمنا مؤمنين، فلله الأمر من قبل ومن بعد، وهو سبحانه العليم الحكيم العزيز الجبار المنتقم، لا نشك للحظة في إرادته وحكمته؛ قد نعلم بعض ملامحها وقد لا نعلم، والمهم هو أن نكون على الصراط المستقيم، أن لا نؤتى مِن قِبلنا، أن لا يكون الخطأ الذي لا مجاملة فيه، فسنن الله لا تحابي أحدا، من أخذ بها وفقه الله، ومن تنكبها تنكبت له.
قد تكون الهزيمة لخلل في النفوس وضعف في الإيمان، وقد تكون لخلاف بين المسلمين أدى إلى تنازع ففشل وذهاب قوة، وقد يكون لميل نحو الدنيا وغنائمها، وقد يكون لتشتت ولاء المسلمين بجعله لغير الله ورسوله والمؤمنين، وقد تكون لتقصير في الأخذ بالأسباب، فيحقق الله تعالى أهدافا كثيرة، منها ليعلم المؤمنين الصابرين علم مشاهدة يقيم به الحجة، وليتخذ الله من المؤمنين شهداء، ويمحّص المؤمنين بتعريضهم للبلاء استعدادا لما هو مقبل في معركة الإسلام مع الكفر: "إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ" (آل عمران، الآيتان 140 و141).
يسلّي الله نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآيات؛ فإن مسّكم قرح فقد مس القومَ قرح مثله، ومداولة الأيام هي بناء على الإيمان والاستعداد والاستحقاق للنصر والخلافة في الأرض، فأن نكون على قدر المسؤولية، فحينها نحن سادة الدنيا، ولنا الغلبة، لا لذات النصر ونشوة التفوّق، بل لما يحمله المسلم من مبادئ يريد نشرها في العالم كله، حيث سعادة الإنسان وحريته وقيامه بمسؤولياته، وأهمها تحريره من عبادة غير الله تعالى، وأن يكون إيجابيا مكرَّما في هذه الحياة.
وهي مشيئة الله في أن يكون الإيمان والكفر، والحق والباطل، والخير والشر. وبيّن سبحانه سنّة المدافعة بين هذه الأصناف، وأمهل سبحانه إبليس لما طلب منه ذلك إلى يوم القيامة، وتوعّد إبليس الناس أنه سيغويهم ويضلهم ويصدهم عن الحق، وهو نفسه يصرّح بأنْ لا حيلة له مع العباد المخلصين، والله نفسه سبحانه يؤكّد أن لا طريق لإبليس إليهم: "إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ" (الحجر، الآية 42). وبيّن سبحانه أن إبليس لا يملك إلا الوسوسة ليس إلا، وأما أن يتبعه بعض البشر فلغواية وميل منهم ابتداء: "وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" (إبراهيم، الآية 22).
ومع هذا فلا يعتقد المسلم أبدا أن الله يصرف النصر عن قوم يستحقونه، فلا تكون الهزيمة إلا لخلل كما ذكرت، وإلا فالله يقرر حقيقة لا تتخلف أبدا: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ" (محمد، الآية 7)، ويقول: "... وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ" (الحج، الآية 40). وبناء عليه، فلا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. فلنتفقد أنفسنا على ما بدا منا، وما نعتقده في قرارة أنفسنا، وما هي وجهتنا الحقيقية، أهي من أجله تعالى وفي سبيله، أم لأهداف أخرى؟
لن تكون حلب هي آخر ملحمة دموية، ولا ندري عما قدّره الله تعالى. لكننا نعتقد يقينا أن الهزيمة لا تكون إلا بسبب. أما الأبرياء، فإن الله اتخذهم شهداء. وهذا الدين عزيز عليه سبحانه، وهو أكثر غيرة منا على هذه الدماء والأعراض، ولكنه تعالى يدبّر أمرا ما، ولا يمكن للباطل أن يدوم. أما الظلمة فليس كسبهم للجولة حبا من الله لهم، بل هو الاستدراج، فلا يمكن للقاتل والسفّاح والذي يتلفظ بالكفر ويقتل على الهوية أن يكون محبوبا عند الله ليعطيه النصر.
مرت على الأمة أحداث أشد من هذه التي تمر بها، فقد اجتاحها الصليبيون والتتار وكانت حروب بين الصفويين والعثمانيين، وكان الاستعمار الحديث، والتشتت العجيب لأمة الإسلام، والفُرقة الناتجة عن الهوى وتشتت الولاء لغير الله ورسوله والمؤمنين، فأصبحنا شعوبا مقسَّمة، وعصبيات وقوميات مختلفة.
سيسجل التاريخ تقاعس المسلمين والعالم كله عن نجدة مستضعفين أبرياء، حين نزعم الأخوة الإسلامية ولا نقدم شيئا، وحين يزعم العالم سعادة الإنسان وحريته، وينافق في الحفاظ على مصالحه. ولسنا يائسين ولا قانطين، فالأمل بالله عظيم، فلن نهن ولن نحزن، فنحن الأعلون بإيماننا به، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

التعليق