جميل النمري

توقعات اقتصادية قاتمة؟!

تم نشره في الجمعة 16 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:09 صباحاً

نخشى أن الأسوأ هو ما ينتظرنا للعام المقبل. وقد لا يخفف منه إلا انفراج حاسم شرقا وشمالا؛ أي في سورية والعراق، فتنفتح الحدود وتتحرك العجلات على الطرق، ويدخل الأردن بقوة على خط إعادة البناء والمشاريع المشتركة. وهذا الأمر ليس بيدنا، بل إن المؤشرات، مع الأسف، لا تدعو إلى التفاؤل حتى بعد تحرير الرقة والموصل، لأن السؤال الذي يبعث القشعريرة في الأبدان هو: ماذا بعد "داعش"؟ فالسيناريوهات كئيبة، بل مخيفة. والمتوقع مباشرة هو صراع محتدم بين الأطراف الكثيرة في الميدان لتحقيق وتثبيت مكاسب، بما في ذلك إحداث تغييرات ديمغرافية على الأرض يدفع ثمنها السكان المدنيون. ولعل ما يحدث في حلب هو نموذج للتوحش الكامل الذي سيتوالد وتنغمس فيه الأطراف كافة التي ستدخل في تحالفات فرعية وتكتيكات براغماتية وغير أخلاقية، بما فيها إعادة توليد دواعش جديدة، أو حتى إعادة الاستثمار في "داعش" الحالي، كما رأينا ذلك بجلاء في تمكين التنظيم من احتلال تدمر، بينما المفروض أنه قيد التراجع والاندحار!
لا نريد الغرق في السوداوية. لكن لغايات موضوعنا، فإن الفرضية الأكثر واقعية هي تحييد العامل الإقليمي؛ فهو مفتوح على تطورات سلبية أو إيجابية ليست باليد على كل حال. وتبقى المعطيات المحلية بين أيدينا لا تشير الى أي خطة ملموسة لمواجهة الموقف. فهناك فقط فكرة الحكومة عن زيادة الإيرادات بحجم ملفت (مليار دينار تقريبا)، من دون أن تقول الحكومة كيف ستحققها. فالخطة، كما وردت في قانون الموازنة للعام المقبل، هي تحصيل زيادة عن العام الحالي بنسبة 16 %، معظمها من الضرائب التي ستشكل 70 % من الإيرادات المحلية، فتكون نسبة الزيادة في الضرائب عن العام 2016 هي 20 %. وقد اعترف وزير المالية الصريح دائما أن الحكومة لم تقرر بعد كيف ستحصّل هذه النسبة.
وإذا أخذنا بالاعتبار أن رفع الإيراد من ضريبة الدخل يحتاج تعديل القانون خلال العام 2017، ولن يدخل حيز التنفيذ قبل العام 2018، يبقى المصدر الآخر هو الضرائب على السلع والخدمات! وربما أيضا الجمارك، إضافة إلى التشدد في ملاحقة التهرب الضريبي وتحصيل مستحقات الحكومة على المواطنين؛ وكلها أمور غير مؤكدة. واللجنة المالية في مجلس النواب تناقش الآن مشروع قانون الموازنة. ونفترض أنها ستناقش هذا مع الحكومة، وستصل معها إلى تفاهمات محددة، مع أنني -حسب خبرتي- أشك في قدرة الطرفين فنيا وسياسيا على الوصول إلى قرار. فالنواب شعبيا لا يحبون التورط في المسؤولية عن رفع الضرائب والأسعار؛ والحكومة لا ترغب في التزامات مسبقة. وستصبح مصلحة الطرفين تعويم الموقف عبر توصيات عامة وربما متناقضة، مثل التأكيد على رفع الإيرادات وتخفيض الأسعار في الوقت نفسه.
منتدى الاستراتيجيات الأردني برئاسة د. عمر الرزاز، أصدر ورقة تحليلية حول موازنة العام 2017، وأبدى ملاحظات مهمة بهذا الصدد، من بينها أن الإيرادات الضريبية ستزيد بنسبة عالية تفوق كثيرا نسبة النمو في الناتج المحلي الإجمالي، وهذا يعني زيادة كبيرة في العبء على المواطن، تؤثر سلبا على الاقتصاد باتجاه الانكماش، وهو ما يؤدي إلى تراجع النمو، مع أن النسبة المفترضة أصلا من الحكومة غير واقعية. ويلاحظ أن اهتمام الحكومة بالبعد الاجتماعي ودعم الفئات الفقيرة لم يتقدم. وكذلك عدم وضع استهدافات لتخفيض نسب البطالة. وطالبت الورقة بمنهجية للموازنة موجهة بنتائج الأداء، أو وفق العبارة المعروفة "موازنة موجهة بأهداف قابلة للقياس".
يجب أن نعبر بأمانة عن مخاوفنا؛ فالتوقعات للوضع الاقتصادي الاجتماعي للعام المقبل ليست وردية أبدا، ونخشى الأسوأ. ونقترح أن تنفتح الحكومة على حوارات حقيقية مع المجتمع حول الخطة والإجراءات لمواجهة الموقف.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ليس ممكنا (huda)

    الجمعة 16 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    على الحكومة ان تفهم جيدا ان لا مجال ابدا لزيادة الضرائب والرسوم لان ذلك سيؤدي الى اصابة الاقتصاد في مقتل وسيؤدي الى مناخ استثماري طارد للاستثمار وبالتالي المزيد من التباطؤ في معدل النمو الاقتصادي وتفاقم البطالة ولا حل الا بتصغير حجم القطاع العام المتضخم والمتورم ووقف كافة اشكال التعيينات في جميع اجهزة ومؤسسات الدولة كافة ودونما استثناء ولمدة ٥ سنوات مع الغاء وشطب المؤسسات التنفيعية المستقلة وتسريح كافة موظفيها ووقف الرواتب التقاعدية لرؤساء الوزارات والوزراء والاعيان والنواب ومن في حكمهم في كافة اجهزة ومؤسسات الدولة المدنية والامنية والعسكرية والغاء التأمين الطبي ذو النجوم الخمسة وكذلك وقف الاستثناءات في القبول الجامعي كافة حتى يتم تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنيين دافعي الضرائب ممن يمولون بضرائبهم هذه الجامعات
  • »كم سنة صعبة آخرى سنحتمل (بسمة الهندي)

    الجمعة 16 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    لسبب ما أستاذ النمري، ما زلت أذكر مقالك "السنة الأصعب" والذي كتبته نهاية 2007 وبشرت به بأن سنة 2008 ستكون صعبة اقتصاديا على الأردنيين. وبالفعل كانت سنة صعبة، ولكن كل السنين التي تلتها كانت أيضا صعبة على الأردنيين، بل أصعب. واليوم تكتب لتبشرنا بأن السنة القادمة ستكون صعبة أيضا، ومعك حق لأن كل الدلائل تدعم ذلك. ومن المرجح أننا سنحتفل، أنت ونحن، بالذكرى العاشرة لمقالك "السنة الأصعب" بمقال شبيه يبشر بسنة صعبة في 2018.
    ولذلك كان يمكن حينها أن تعنون مقالك "العقد الأصعب" أو حتى "القرن الأصعب". ويبقى السؤال؛ كم سنة صعبة متتالية نستطيع أن نحتمل قبل أن نركع ونسقط على الأرض؟