فهد الخيطان

ماذا لو كان العظم أردنيا وفي هذا الزمن؟

تم نشره في السبت 17 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:09 صباحاً

ثمة محطات أردنية ذات دلالة في سيرة المفكر السوري الراحل صادق جلال العظم، على الصعيدين الاجتماعي والأكاديمي.
اجتماعيا، كان العظم متزوجا من السيدة فوز طوقان؛ ابنة رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد طوقان، شقيق شاعر فلسطين إبراهيم طوقان، والشاعرة الكبيرة فدوى طوقان. وتفيد روايات لمطلعين على تاريخ عائلة طوقان أن المرحوم أحمد طوقان انتقل مع عائلته من نابلس إلى بيروت حين التحق بالعمل في منظمة "اليونسكو"، وهناك تعرف العظم على الراحلة فوز ابنة طوقان، وتزوجا.
لكن المهم في سيرة المفكر العظم أنه، وعندما تعرض للاضطهاد والطرد من الجامعة الأميركية في بيروت وجامعة نيويورك، نهاية الستينيات، عين أستاذا للفلسفة بالجامعة الأردنية، بقرار من رئيسها الأستاذ الدكتور ناصر الدين الأسد؛ صاحب الفضل الكبير في مسيرة الأردن التعليمية والأكاديمية.
كان العظم قد أصدر حينها كتابا أثار ضجة كبيرة حمل عنوان "نقد الفكر الديني"، فتخلت عنه الجامعة الأميركية في بيروت تحت ضغوط المعارضين لفكره، مستغلة هي وجامعة نيويورك توقيع العظم على عريضة عالمية تطالب الجيش الأميركي بالانسحاب من فيتنام.
لم يكن قد مضى على تأسيس الجامعة الأردنية في ذلك الوقت سوى سنوات قليلة. لكنها، رغم ذلك، كانت منارة للمعرفة والتنوير، يلتقي في رحابها الأساتذة العرب من مختلف الجنسيات والمدارس الفكرية والفلسفية. وكان الدكتور الأسد من أشد المعجبين بفكر العظم، كما يفيد تقرير توثيقي في صحيفة "الغد" عن حياة المفكر السوري، فقام بتعيينه أستاذا في الجامعة الأردنية. لكن بعد فترة ليست طويلة، جاء رئيس جديد للجامعة الأردنية هو الدكتور عبدالكريم خليفة، وأنهى خدمات العظم. ولم تتوفر لنا معلومات كثيرة عن دوافع قرار الدكتور خليفة، سوى جملة عابرة تفيد بأن رئيس الجامعة لم يكن يتفق مع العظم في آرائه.
ربما يكون لقرار إنهاء خدمات المفكر العظم دوافع أخرى، يستطيع أن يجليها من عايشوا تلك المرحلة من أساتذة "الأردنية" أو طلبتها.
المفارقة تظل حاضرة في قرار تعيينه بالجامعة الأردنية لا فصله. أستاذ جامعي غير أردني يؤلف كتابا يعرض رؤية مخالفة للسائد من فكر، ومعارض للتدخل الأميركي في فيتنام، لا تحتمل جامعة أميركية مواقفه، فلايجد غير جامعة أردنية وليدة ليواصل عمله الأكاديمي فيها.
ترى لو أن أستاذا أردنيا في إحدى جامعاتنا، وليس سوريا، اجتهد في زمننا الحالي مثلما فعل العظم، وأصدر كتابا أو دراسة تخالف السائد من الأفكار والمفاهيم في حقول الدين والفلسفة وعلم الاجتماع، ماذا سيكون مصيره؟
المؤكد أنه لن يبقى يوما واحدا في الجامعة، وسيكون محظوظا لو أن العقوبة توقفت عند هذا المستوى، ولم تبلغ حد تكفيره من طلبته قبل غيرهم، ورجمه إذا كان ذلك متاحا، وشن حملة تشهير بحقه على مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى منابر الخطابة.
المؤكد أيضا أن هذا الأستاذ الجامعي ما كان ليبقى يوما واحدا في الأردن. سيضطر لهجرة وطنه خوفا على حياته وحياة عائلته، ولن يلقى جامعة عربية واحدة تحتضنه. لن يكون أمامه سوى البحث عن وظيفة في جامعة أميركية، وربما الجامعة الأميركية في بيروت.
الزمن تغير حقا، لكن للأسوأ؛ فجامعاتنا لم تعد منارة للمعرفة والعلم، بل ساحات للعنف والتكفير.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مواطن (رأيك)

    السبت 17 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    المسؤول عن الاسوء ،هم المتنفذين في الدولة من أصحاب القرار واصحاب المصالح الخاصة
  • »الفكر الديني (امجد)

    السبت 17 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    شكرا لك استاذ فهد للكتابه في هذا الموضوع , لقد تغنينا عن عصر التنوير والخروج من نفق الظلام والأنغلاق وعلمونا ذلك في المدارس وكانت مصر الرائده في ذلك , واعتقد ان منطقتنا العربيه قد دخلت في نفق فكري مظلم آخر لا يجوز لك فيه ان تعترض او تفكر . تبقى مصر هي الأمل ولا تخلوا بلدان عربيه أخرى من محاولات .
  • »العنف، من سببه؟! (واحد من الناس)

    السبت 17 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    أنت محق في عبارتك "الزمن تغير حقا، لكن للأسوأ؛ فجامعاتنا لم تعد منارة للمعرفة والعلم، بل ساحات للعنف والتكفير" . . ولكن لا يجب التوقف عند صياغة عبارات على هذا النحو. يجب الكتابة، بجرأة، عن الأسبابا التي دفعت الجامعة الأردنية، مثلًا، والتي كانت، فعلًا، منارة للعلم، إلى أن تصبح "تجمًعًا للعنف؟ أليس سيطرة الأجهزة الأمنيّة على مقاليد كل شيء في الجامعات الأردنية، هو السبب؟!
  • »"لو تفتح عمل الشيطان " (يوسف صافي)

    السبت 17 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    ان جاز لنا التعليق "لا احد يستطيع خلع جلده "(مركز الحماية للجسم) ولكل مجتمع ذاته ومكنوناته من "قيم وثقافة وعقيدة" واي مغاير لها يتطلب الصد دفاعا عن النفس ؟؟؟ولايعقل لمدرس ان يتجاوز حدود منظومة المعرفة المجتمعية حتى ينير لها الطريق والمعرفة وخصوصا اذا ماتم غرس نقده في رافعتها الثابته (العقيدة) وخصوصا انها بنيت على قاعدة "اقرا وربك الأكرم الذي علم بالقلم علّم الإنسان مالم يعلم"؟؟؟