الحلقة الثالثة عشرة

عربيات: آلاف الطلاب شجروا وادي السير وناعور بناء على طلب التل

تم نشره في السبت 17 كانون الأول / ديسمبر 2016. 07:02 مـساءً
  • رئيس مجلس النواب الاسبق عبداللطيف عربيات - (تصوير: محمد أبو غوش)

محمد خير الروشدة

عمان – يسهب رئيس مجلس النواب الأسبق الدكتور عبداللطيف عربيات بشرح تجربته في العمل في وزارة التربية والتعليم، حيث يأخذنا إلى مواصلته ارتقاء السلم الوظيفي.
وفي حلقة اليوم من سلسلة "سياسي يتذكر" مع "الغد" يوضح القيادي البارز في صفوف الحركة الإسلامية جوانب مفصلية في مسيرة وزارة التربية والتعليم، التي رفعت شعار "تنويع التعليم" في حقبة السبعينيات من القرن الماضي.
ويروي عربيات نقلا عن الشيخ عبدالعزيز الخياط رحمه الله، قصة معلم الحميمة، حيث زار الخياط تلك المدرسة كمفتش تربوي ووجد أن المدرسة عبارة عن خيمة، وأن الطلبة يقيمون فيها، بعد أن "شرق" أهلهم مع "الغنم"، وتركوا أبناءهم أمانة في المدرسة التي كانت عبارة عن خيمة تغوص وسط الرمال، لكن الدهشة التي انتابت من سمع الرواية، كانت بسبب تفوق طلبة تلك المدرسة في مناقشة مناهجهم التي كانوا يدرسونها.
كما يروي عربيات قصة قرار الشهيد وصفي التل إبان تسلمه رئاسة الحكومة في منتصف الستينيات، حيث أمر وزارة التربية والتعليم بأن تشرف على مشروع تشجير مناطق واسعة من ناعور ووادي السير، وكيف أن الوزارة جندت 10 آلاف طالب ونظمتهم لإنجاح هذه المهمة.
وكان عربيات تحدث في حلقة أمس عن رحلة العمل في مدينة القدس، والجوانب الاجتماعية والمعيشية لتلك الفترة، وطبيعة العمل الذي كان يقوم به في مديرية التربية والتعليم هناك.
كما كشف عن تفاصيل المضايقات الأمنية التي كانت تلاحقه كمعلم منتم إلى تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، وأساليب التحري الأمني عنه في أماكن إقامته في مدينة القدس.
وروى عربيات في الحلقة الماضية، كيف أن أحد زملائه ذهب إلى مركز وزارة التربية والتعليم وكذب على المسؤولين وزعم بأنه وعربيات "سكرا" في أريحا، لكي ينفي تهمة الانتماء لتنظيم جماعة الإخوان المسلمين عن عربيات. وهو ما كان يعيق انتقال "أبي سليمان" إلى عمان.
كما تحدث عن قصة إقرار وتطبيق قانون وزارة التربية والتعليم العام 1964، الذي يعده عربيات وراء نهضة مسيرة التربية والتعليم في البلاد، وأن القانون حقق سمعة رائدة للأردن في هذا المجال.
وفيما يلي نص الحلقة:

•  بالعودة إلى مسيرتك المهنية، هل استمررت في موقعك مفتشا في وزارة التربية؟

- لقد استقر مفهوم الإشراف التربوي في منتصف الستينيات بدلاً من مفهوم التفتيش، خصوصا بعد وضع قانون التربية والتعليم. وقد أصبح الإشراف ميدانياً، أي من خلال مديريات التربية في الميدان، بدلاً من التفتيش المركزي من الوزارة.
كنت مشرفاً في موضوع التعليم الزراعي في منطقة الوسط والمركز هو عمان، وكذلك أضيف إلي، ولبعض المشرفين، العمل مدة أسبوع في معان التي كانت تضم العقبة وما يتبعها اليوم.
كنت مكلفا بالإشراف على الموضوع الزراعي وبعض الموضوعات العلمية كالأحياء والكيمياء. هذا الميدان الواسع في مديريات التربية أعطاني خبرة واسعة، إضافة إلى عملي السابق في مدن الضفة الغربية.
ويمكن أن أُشير هنا إلى بعض المميزات التي منحني إياها هذا النوع من العمل، فقد قمت بالتأليف في ميدان الاختصاص، ووضعت ثلاثة كتب للتعليم الزراعي في المرحلة الإعدادية مع آخرين من الزملاء، في نفس الاختصاص، وقد تم تدريسها لسنوات طويلة في هذه المرحلة.
كما قمت منفرداً بوضع كتاب بعنوان "نباتات الخضر في الأردن"، وكان الوحيد بهذا العنوان وبهذا المستوى في الأردن في حينه. وقد طلبه مني بعض الأساتذة من الجامعة الأردنية لإرساله إلى بعض دول الخليج، والتي كانت قد طلبت هذا العنوان منهم.
كما قمت بوضع كتاب العلوم العامة للمرحلة الابتدائية مع آخرين، وقد تم تقريره من الوزارة في هذه المرحلة.
إضافة إلى ذلك، شاركت بترجمة كتب الأحياء للمرحلة الثانوية مع الدكتور عدنان بدران، ووضعنا كتب العلوم العامة مع أُخوة آخرين، كما شاركت في وضع كتاب "المناهج المدرسية الإسلامية"، ومنفرداً كتاب "دور القيم في التعبير الاجتماعي".
أذكر قصة رواها لنا الأستاذ عبدالعزيز الخياط رحمه الله، وكان من الفريق الذي تم تكليفه بالإشراف على منطقة معان بالإضافة إلى محافظة العاصمة والوسط، وكنا نخرج للتوجيه أو الإشراف في مجموعات، وبحسب البرنامج الموضوع. وفي مساء إحدى الجولات قام الأستاذ الخياط بسرد قصة معلم الحميمة في لواء العقبة الذي أعطاه تقدير "امتياز" في تقريره الإشرافي. روى لنا أنه عندما وصل إلى المنطقة، قام بالبحث عن "مدرسة الحميمة"، في حينه، لكنه لم يجد بناءً، وكل ما وجده كانت خيمة تغوص في الرمال المتحركة. فسأل هل هذه مدرسة الحميمة الابتدائية؟ فقال له المعلم: نعم، وأنا المعلم والمدير المسؤول.
ومضى الأستاذ الخياط في سرد قصته قائلا: جلس الطلاب على الأرض، فجلست معهم، وبدأت أسألهم في المقرر، فتفاجأت بأنهم كانوا على مستوى تعليمي جيد جداً، وكان دفتر تحضير المعلم ممتازاً، والمادة التي قطعها معهم متقدمة بالنسبة إلى الزمن الذي كنا فيه.
ثم قال: سألت المعلم أين أهالي الطلاب؟. فقال: شرّقوا مع الغنم، وهذا يعني أنهم ذهبوا بأغنامهم إلى الشرق طلباً للكلأ. فسألت أين يسكن الطلاب، فقال المعلم: هنا في هذه الرمال. قلت: كيف ذلك؟. قال: عند النوم يحفر كل طالب حفرة له في الرمل، وبطوله، ثم يضع نفسه فيها ويهيل التراب فوقه ولا يبقى إلا رأسه، وفي الصباح ينهض الطلاب ويغسلون وجوههم أو يتوضؤون، ونُعد لهم الفطور، ثم يقومون ببعض الرياضات الخفيفة، قبل أن نبدأ الدراسة.
وسأله كيف يصنعون الطعام، قال: عندنا مجموعة من الأدوات البسيطة، ونعجن معا، ونخبز العجين على النار، وهكذا.
أخبرنا الأستاذ الخياط بأنه دهش كثيرا عندما اطلع على هذه التجربة الفريدة في التعليم، والحماسة التي كان يبديها المعلم وطلابه. وقال: كنت لا أملك إلا أن أشكر المعلم والطلاب، وأن أعلن أن تقدير المعلم امتياز بامتياز.
القصة كانت غريبة على جميع من سمعها، وقد أكدوا على ضرورة تقدير هذه المدرسة ولفت الانتباه إلى الجهود التي يقوم بها ذلك المعلم مع طلابه.
ألفت الانتباه إلى أن هذا الأمر حدث في منتصف الستينيات من القرن الماضي، وقبل عقود قليلة أصبحت الحميمة مدرسة ثانوية كاملة، ومن كبريات مدارس محافظة العقبة اليوم.
كما أذكر في تلك الفترة قضية التشجير الإجباري أو التطوعي، ففي منتصف الستينيات كان رئيس الوزراء السيد وصفي التل، رحمه الله، وكان وزير التربية والتعليم السيد ذوقان الهنداوي  رحمه الله. طلب السيد رئيس الوزراء من السيد الوزير إخراج عشرة آلاف طالب من عمان لزراعة الأشجار في منطقتي وادي السير وناعور، فقام الوزير بإبلاغ ذلك لمدير التربية وناداني المدير وأنا مساعده والمسؤول الزراعي، فأبلغني بالأمر، وطلب التنفيذ فوراً حسب طلب دولة الرئيس. حين سألت ما إذا وضعوا مخططات لتنفيذ هذا الأمر، جاءني الجواب: "دبروا حالكم". سألت، حينها، عن التبرعات المدرسية لعمان والزرقاء ومأدبا، فكان المبلغ كما أذكر 823 ديناراً، وهو مبلغ لا يكفي أجرة حافلات لنقلة واحدة، فكيف نستطيع تدبر الأمر والتكليف ينبغي أن يكون مدة أسبوع.
قلت للمدير: لا بد من الاستعانة بسيارات الجيش، فهم الأقدر على تنفيذ مثل هذه المهمة. وطلبت منه أن نذهب إلى محافظ العاصمة ليتولى ذلك.
كان المحافظ، حينها، ضيف الله الحمود، رحمه الله، وطلبنا منه الاتصال بالقيادة لتخصيص العدد الكافي من الحافلات لنقل الطلاب وإحضار الأشتال من مشتلي فيصل ووادي الوالة. ولم يتردد المحافظ لحظة، وأجاب مطلبنا.
سألنا وزارة الزراعة عن أدوات الحفر، فلم نجد لديهم شيئاً يذكر، فطلبنا العون من وزارة الأشغال العامة لتزويدنا بالعدد اليدوية المطلوبة، وكلفنا الطلاب مع سيارات الجيش بحملها وإيصالها إلى مكان العمل. وطلب محافظة العاصمة من مديري الدوائر في عمان حضور حفل الافتتاح، وألقى المحافظ كلمة عصماء خلال الحفل، وبقينا نعمل على التشجير مدة أسبوع.
اليوم، وكلما دخلت وادي السير أو مررت بناعور، أذكر تلك الأيام المجيدة، وأشعر أن هذه الأشجار الجميلة التي تعطي ذلك الشعور، وكأنها حديقة خاصة في بيتي، فتتملكني السعادة الغامرة.
لو أن كل جيل قدم شيئاً وأضاف شجرة جديدة لكان واقع الأردن غير هذا الذي نرى من أن نسبة الأرض المغطاة بالأشجار أقل من 1 % من المساحة العامة للأردن. لقد تناوب العديد من رؤساء الحكومات ووزراء الزراعة، فماذا أضافوا في هذا الميدان؟
أذكر في ذلك الوقت معسكرات الحسين للشباب التي كانت تقوم بأعمال تطوعية، وأعمالها في هذا المجال، ولكن كم من الهدر في طاقات الشباب لدينا اليوم، في حين لا يفكر أحد من المسؤولين باستثمارها.
•  كم بقيت مفتشا تربويا، وماذا كانت الخطوة اللاحقة للعمل في وزارة التربية والتعليم؟

 - بعد عودتي من الولايات المتحدة، وحصولي على شهادة الماجستير، عملت مدة قصيرة مساعداً لمدير التعليم المهني في الوزارة، ثم انتقلت إلى مديرية المناهج والكتب المدرسية.
بموجب القانون، أصبحت مديرية المناهج والكتب المدرسية قلعة التطوير والتحديث في المناهج والكتب المدرسية. وبموجب القانون، أيضاً، كان الوزير والأمين العام ومدير المناهج وأحد مديري التربية، وغالباً ما يكون مدير التخطيط، أعضاء في مجلس التربية والتعليم.
هذا المجلس هو الحاكم، بموجب القانون، على جوانب العملية التربوية، خصوصا المناهج والكتب المدرسية، حيث لا يجوز لأحد أن يغير جملة أو كلمة أو يقرر شيئاً جديداً في هذا المجال إلا عن طريق مجلس التربية والتعليم، ما حفظ التقدم المخطط له في ميادين الوزارة المختلفة.
كان تشكيل المجلس بموجب القانون على أساس ثلث للوزارة وثلث من أهل الاختصاص، والمهتمين من خارج الوزارة وثلث من الوزارات والمؤسسات ذات العلاقة بالتربية، كما ذكرت سابقاً.
مديرية المناهج والكتب المدرسية كانت هي البوابة المباشرة على مجلس التربية، وهي التي تُعد، بالتعاون مع أمين سر المجلس، جدول الأعمال وتقدم أوراق العمل فيما يخص المناهج والكتب المدرسية.
بعد أن تم تأميم الكتب المدرسية، وأصبحت أصول جميع الكتب المدرسية ملكاً للوزارة، كان لا بد من طباعتها سنوياً بالأعداد التي تلبي حاجة جميع الطلاب من الكتب كافة، وفي جميع المستويات، كما ذكرنا سابقاً، وحسب إلزامية التعليم حتى نهاية المرحلة الإعدادية، فأصبحت الكتب توزع بالمجان على المرحلة الإلزامية (الإعدادية) وبسعر التكلفة على المرحلة الثانوية.
تسلمتُ إدارة مكتب الكتب المدرسية في أواخر الستينات، وهذا يحتاج إلى تخطيط وتنفيذ وتقويم بمستوى دقيق، وحجم عمل كبير ومسؤولية واسعة لشراء ما نحتاج من الكتب من مؤلفيها، ثم تدقيقها وطباعتها وتوزيعها قبل بدء العام الدراسي.
تقدير الأعداد الجديدة من الطلاب، كان من ضمن مهمة المكتب، وطرح العطاءات والتعامل مع المطابع ومتابعة التنفيذ في الوقت المحدد. هي عملية دقيقة ومستمرة على نطاق المملكة كلها.
• متى تسلمت إدارة المناهج في وزارة التربية والتعليم، وكما تعلم، هناك اتهامات دائمة بسيطرة جماعة الإخوان المسلمين على المناهج المدرسية. كما أننا نحتاج إلى تسليط الضوء على هذا الجانب من سيرتك المهنية؟

 - كما قلت سابقا، فإن مديرية المناهج والكتب المدرسية وفقاً لقانون التربية والتعليم أصبحت هي المسؤولة مباشرة وقانوناً عن كل ما يتعلق بالمناهج والكتب المدرسية، اختباراً ووضعاً وطباعة وتوزيعاً، وبإشراف الوزير رئيس مجلس التعليم، صاحب السلطة العليا والنهائية وفقاً للقانون، وفي هذا رد على جانب من الاتهامات.
كان مدير المناهج في تلك الفترة الدكتور إسحاق فرحان قبل أن يصبح وزيراً للتربية والتعليم في العام 1970. وخاضت مديرية المناهج والكتب المدرسية ميداناً جديداً هو الأول في البلاد العربية، حيث تم تأميم الكتب المدرسية، وملكت أصول جميع الكتب المدرسية، ولجميع المستويات، بعد أن أشترت حق التأليف من كل مؤلف وأجرت التعديلات اللازمة عليه، ومن خلال أعضاء قسم المناهج والكتب المدرسية.
كما قامت بخطوة أخرى جذرية وهي وضع مناهج جديدة وفق خطة شاملة، أدت بالتالي، إلى تغيير جميع المناهج والكتب المدرسية وفق المعايير الجديدة التي أقرها مجلس التربية والتعليم.
كانت مسابقات التأليف وفق المناهج الجديدة أيضاً غير مسبوقة في الأردن والبلاد العربية، إذْ أعلنت الوزارة من خلال مديرية المناهج طرح مسابقات التأليف وفق المعايير والمقاييس التي أُعدت وأرفقت في كل منهاج من المناهج المدرسية وفي عطاء عام لجميع المواطنين من معلمين وأساتذة جامعات وكليات مجتمع وقطاع خاص. كما تم تشكيل لجان سرية يقوم كل فرد فيها بكتابة تقرير حسب النماذج المُعدة، وكانت أسماء المؤلفين طبعاً غير معروفة، ويستعاض عنها بأرقام سرية والمادة مطبوعة بحرف مميز، ولا يستطيع أحد أن يضع إشارة أو علامة فارقة ليعرفها أي فاحص آخر.
هذه المنهجية أعطت قسم المناهج خبرات جديدة في جميع جوانب العملية التربوية فنياً وإدارياً، ومعرفة جميع الطاقات التربوية في الأردن وفي جميع المستويات.
ومن طرائف هذه التجربة أنها اكتشفت الطاقات المميزة وفي جميع المواقع التربوية، إذ نجح في تأليف كتاب الرياضيات للصف الخامس الابتدائي معلم في مدرسة حلحول الإعدادية في قضاء الخليل مع منافسة له من أساتذة الجامعات وكليات المعلمين، ناهيك عن معلمي التعليم العام كله.
كانت دفعة تربوية متقدمة أن يشارك المعلم والمشرف والمدير وأستاذ الجامعة في وضع المنهاج وتأليف الكتاب، وأن تملك الوزارة أصول هذه الكتب وتطبعها وتوزعها تحت إشراف قسم المناهج، الذي لديه أعضاء متخصصون في جميع المواد وعلى جميع المستويات.
كما قامت مديرية المناهج بتأسيس فريق قومي لكل مبحث من المباحث الرئيسية يشترك فيه أساتذة الجامعات المؤهلون، وأعضاء المناهج والمعلمون القادرون أو المنتسبون وفق أسس واضحة ودقيقة، وكل فريق معني بتطوير المادة المناطة به مع متابعة ما يجري في العالم من تطوير وتحديث.
أثناء عملي رئيساً لقسم المناهج، كان أساتذة المناهج في كلية التربية بالجامعة الأردنية يدعونني لإعطاء محاضرات لطلاب هذا الاختصاص، وكان بعض الطلاب المطالبين بأبحاث في ميدان المناهج، يأتون لقسم المناهج للاستزادة في بحوثهم فيما يجري في الأردن في هذا الميدان.
وخلال دراستي في الولايات المتحدة لدرجة الدكتوراه، وعندما اطلع بعض المختصين على ما جرى في الأردن في موضوع المناهج وعملية المشاركة الواسعة في وضع المنهاج والكتاب، كان إعجابهم شديداً بهذه المنهجية، وطلبوا مني أكثر من مرة أن أشرح التجربة الأردنية في موضوع المناهج على مستوى التعليم العام، وفي ندوات خاصة وعلى المستوى العربي كانت المؤتمرات التربوية العربية غالباً تعقد في الأردن، وكان يطلب إلى مندوبي الأردن شرح النموذج الأردني في وضع المناهج والكتب المدرسية.
• لكن متى تسلمت وحدة مشاريع البنك الدولي في وزارة التربية والتعليم؟
- حمل عقد السبعينيات من القرن الماضي شعار تنويع التعليم، أي إدخال أنواع من التعليم إلى جانب التعليم الأكاديمي، مثل أنواع من التعليم المهني إلى جانب الأنواع المتعارف عليها سابقاً، وهي الزراعي، والصناعي، والتجاري، فقد أصبحت حسب الخطة الجديدة، إضافة إلى السابق، تخصصات الفندقة والبريد والتمريض، والباب مفتوح لغيرها وحسب حاجة السوق.
وأيضا، المدارس الشاملة التي تعلم، بالإضافة إلى التعليم الأكاديمي بشقيه الأدبي والعلمي، تخصصات مهنية يحتاجها المواطن بدرجة أو بأخرى في حياته اليومية.
أما على المستوى الجامعي المتوسط فقد صممت برامج إعداد مهني على مستوى سنة واحدة في بعض المهن، أو مستوى السنتين أو الثلاث سنوات لبعض المهن المتخصصة صناعياً وهندسياً، كما وضعت بعض البرامج الإرشادية المهنية في مراكز خاصة لتلبية حاجات مختلف المناطق، ومنها المركز المهني في منطقة معدي في الأغوار، وعلى مستوى ثلاث سنوات كان معهد البوليتكنك في ماركا بعمان.
أما مستوى العامين، فشمل ما كان يُسمى معاهد المعلمين أو كليات المجتمع فيما بعد، كل هذه المشاريع ما كان لها أن تنفذ من الموازنة العادية للتربية لولا اتفاقية التمويل لها من البنك الدولي التي عقدها الأردن من خلال المجلس القومي للتخطيط الذي رعى هذه الاتفاقية، وقد أنشئت وحدة مشاريع متخصصة في الوزارة للتخطيط والتنفيذ لهذه المشاريع، والتي عقد مثلها في بعض الدول العربية مثل سورية على سبيل المثال.
تسلمتُ إدارة هذه الوحدة في وزارة التربية والتعليم العام 1976، وكان لها قبلي مديران هما الدكتور نجاتي البخاري، والأستاذ محمد الشامي، وكان لدى مدير هذه الوحدة صلاحيات الإدارة والصرف المالي، بحيث لا يجوز لأي مسؤول في الوزارة التدخل أو الإعاقة إلا بموجب بنودها التي أعطت الوحدة ومديرها صلاحيات كاملة، وذلك حسب شروط القرض من البنك الدولي الذي يشرف على تنفيذها وفق شروط محددة وواضحة.
كان المشرفون من البنك الدولي يقومون بزيارات منظمة وفق برنامج خاص ومتفق عليه، وكانت العطاءات للتنفيذ تُطرح على المستوى الدولي، ويشارك بها متعهدون محليون ودوليون. وحسب مواصفات البنك، تطرح كل مجموعة من المشاريع في عطاء واحد يُعطي رقماً معيناً للتمييز والمتابعة من قبل المعنيين المحليين والدوليين.
ومن المواقف التي أذكرها في تلك الفترة، وتعد دليلا على الرقابة الصارمة والتدقيق الحازم على صدقية التنفيـذ، أن فاجأني المرحوم محمد الحلالشة، بكتاب يشير فيه إلى ما يقارب العشرين كتاباً أرسلها سابقاً للوحدة يحتج فيها على التنفيذ المخالف في مشروع معهد المعلمين "كلية السلط". وبعد التدقيق تبين صحة ما أشار إليه، وتمت إعادة تنفيذ مكونات مشروع المعهد بما يساوي مئتي ألف دينار أردني على حساب المتعهد، كان منها 40 ألفاً فقط لوحدة التدفئة المركزية في المعهد المذكور. كما تم في موقع معهد البوليتكنك في عمان استرداد مبلغ 20 ألف دينار من المتعهد بعد أن تم تصديقها وصرفها، بعد تصديق ممثلي ديوان المحاسبة على ذلك.
وللمرة الأولى، على ما أعلم، تقوم الوزارة "وحدة المشاريع"، بكتابة كتاب لديوان المحاسبة يبين فيه مخالفات موظفي ديوان المحاسبة في الوزارة ويطلب محاسبتهم، في الوقت نفسه قد استرجعنا مبلغ العشرين ألف دينار نقداً وباليد عند مفاتحة المتعهد بذلك.
ومن غرائب قضايا الحكومة التي تحولت إلى المحاكم، أن قضية شركة باوتكنك الألمانية والغرامات المترتبة عليها لم تنته حتى قبل سنوات قليلة كما أخبرني المهندس يحيى الكسبي، الذي كان مهندساً جديداً في مشاريع وحدة المشاريع بالتربية، حيث إنه أبلغ المعنيين أنه لن يعود للشهادة في هذه القضية بعد أن قدم مثل هذه الشهادة بما يزيد على عشرين مرة منذ العام 1978، والمهندس الكسبي، أصبح لاحقاً مديراً عاماً لدائرة العطاءات العامة، وقد أصبح وزيراً للأشغال أخيراً.
خبرتي في هذا الميدان أعتز بها، فقد كانت على مستوى دولي، وأشعر أنني نلت ثقة كل من عملت معه وزيراً أو أميناً عاماً أو زميلاً في الميدان، وأشعر أنني أوليت هذا العمل كل ما لدي من طاقة ومعرفة وخبرة ووقت؛ ولهذا كان طلب البنك الدولي أن أعمل فيه ليس طلباً عارضاً، بل نتيجة إدارة مشاريع الأردن التي وصلت إلى المشروع السابع للبنك الدولي، بينما المشروع السوري وصلوا فيه نهاية المشروع الثاني عندهم في ذلك الوقت.
كانت لنا جولات من الحوارات حول ضرورة التعليم المختلط في المشاريع التي ينفذها البنك الدولي، وكنا نتصدى لهذه الشروط والإيحاءات، ونقول إن مهمة البنك أن يقوم بالتمويل وتهيئة المتطلبات حسب الحاجة الفعلية للوطن فقط، لكن ذلك ما كان يروق لهم، إذ إن التوجيهات والشروط غير المعلنة كانت ظاهرة للعيان، وكان التركيز على معاهد المعلمين بدءاً بمعهد السلط (كلية المجتمع فيما بعد)، وقد ظهر هذا مؤخراً عند إحالتي إلى التقاعد بعد سنوات، وبناء على توجيهات خارجية.

عناوين الحلقة المقبلة

• إخوان الأردن تصدوا لكل القوى السياسية التي كانت تغازل عبد الناصر
• علاقة الإخوان بالنظام ليست مصلحة بل موقف مبدئي
• لم يكن لنا موقف في دعم إخوان سورية باحتجاجهم المسلح ضد نظامهم
• لا النظام الأردني ولا نحن شارك بأي حالة عدم استقرار في دول الجوار
• إخوان الأردن لم يكونوا على علم بمخططات إخوان سورية ولا يمكن أن نقرها

mohammed.rawashdeh@alghad.jo

التعليق