وصفة جاهز للكتابة عن الحب 2/2

تم نشره في الأحد 18 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:00 صباحاً

سأكتب عن الحب
أعني؛ الحب تماما، الحب في الشارع، في البيت، في الزنزانة، في التظاهرة، في شتم الطاغية، في سماع أغنية تحرض على الغناء، في اكتساب مهارة روحية تدفعنا لاكتشاف خضرة حقل في الطريق الى قرية، ينصب فيها الصبية فخاخهم لاصطياد طائر، ثم إطلاقه من جديد، في التلكؤ قليلا، قبل أن يتهندم فتى ليلتقي فتاته في رحاب زقاق لا يتسع الا لهما، وهما يتمشيان بحذر، في صوت سيدة، تنادي على ابنها، في سقوط حبات المطر على التراب المتورد من الحمرة، في تعربش مُديدة مدخل بيت بناه صاحبه بعد كد، في أمنية عدم الانتهاء من قراءة “سرير الغريبة”، في التوقف برهة على مطل لمشاهدة الغروب يخفق بحمرته اللذيذة فوق قرية تتنفس على منحدر.
ذاك بالضبط، وسواه ما أرجحني هذه الليلة لأكتب عنه، لأؤلف كتابا سأتكاسل في كتابته طويلا؛ “فن الحب” الذي هرب من بين أصابعنا، تركناه يتقافز في رغباتنا لإعادة ما مضى، ولو في مقهى يذكرنا بأيام زمان، تزدان جدرانه بأوهام بلاستيكية عن البيدر والفروسية وليالي الصيف.
كتاب، يبدأ بجمل قصيرة؛ لا تصل الى سطر، وينتهي بجمل لا تتعدى بضع كلمات.
يشبه سقسقة العصافير، رشيق، يمكن أن يغنى في عرس، أو في التقاء عائلة؛ أبناؤها لم يلتقوا الا هذه المرة على مائدة، أعدتها لهم والدتهم، وهي تغني.
أو قطعة موسيقية، ألفها مغن شعبي ضرير، لا نعرف اسمه، ولم نسمع أساسا بموسيقاه الا في هذا الكتاب، مجهول، لكنه يمتلك أصابع من قصب، ويعزف على الناي ببراعة راع، يستيقظ على صوت قطعانه وهي تنادي عليه ليسرح بها في وديان الدهشة.
لا يتعدى المائة فصل، كل فصل فيه صفحتان أو ثلاث، عناوين كل فصل فيه، لا تزيد على كلمتين، ملضوم بالأفعال، مشوب بالأسماء، والضمائر والإيقاعات، ومكتوب بمواصفات صافنة، تستلهم نبضات القلب، تتكاثر فيه الطيور والأزهار والتراتيل والمقطوعات الموسيقية، والأغاني الشعبية، فهرسه، يشبه القصيدة، وأحلامه تنام في حضن غيمة نترقب مطرها.
في كل فصل، نسمع ونرى ونغني ونحلم ونتذكر ونشهق ونبتسم ونهمس ونرقص وندوزن القيثارة في أرواحنا، وننادي على من نحبهم، ونتوقف عن الصراخ والشتائم والقتل والسرقة والاحتيال والخيانة، نتعلم كيف نتجول في البر، وكيف نقتنص المعنى من لفتة، من إيماءة، من حركة يد تلوح، من نظرة صغيرة عابرة، من شهقة مشنشلة بالخرز والعيون السارحة على تلال اللوز والرمان والكروم.
كتاب، يشب ما نحلم به عن “الفردوس المفقود”، عن “الأغاني”، عن “الأحلام”، نركض وراء كلماته، نحفظها كنشيد يومي لحياة لا تمل، حياة نحبها، نعيشها، نقبض عليها كنجمة مستحيلة، لا نريد أن تفلت منا بعد أن رسمنا قلبها الصغير الذي يشبهنا في بيت من الضوء على شرفات أرواحنا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حب (انور محمد الضمور)

    الأحد 18 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    صدقني استاذ غازي انني من مقالك اصبحت احبك لانه يبعث على التفاؤل ولو انك لم تذكر الحب العفوي بين افراد الاسره الواحده والحب العفوي بين قراء الصحف والكتبه دون معرفة احدهم الاخر شكرا على هذا المقال الطريف