السياسة الخارجية اليابانية في عهد ترامب

تم نشره في الأحد 18 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:00 صباحاً

بيل إيموت*

طوكيو- سوف ييكون شهر كانون الأول (ديسمبر) شهر المصالحات بالنسبة لرئيس الوزراء الياباني شينزو آبي؛ حيث سيلتقي بزعماء دولتين حاربتا اليابان في الحرب العالمية الثانية، وهما: الولايات المتحدة الأميركية وروسيا.
قد تبدو استضافة آبي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ثم استضافة الرئيس الأميركي باراك أوباما لآبي بعدها بفترة قصيرة أمرا واعدا. ولكن، تنذر هذه الأحداث في الوقت الحالي بفترة من عدم الاستقرار والاضطرابات بالنسبة لليابان، ومنطقة شرق آسيا بأكملها.
يوم 26 كانون الأول (ديسمبر) الحالي، سيصافح آبي أوباما في بيرل هاربر، بعد أسابيع من إحياء الولايات المتحدة الأميركية للذكرى 75 للهجمات اليابانية عليها -وتأتي هذه الزيارة ردا على زيارة أوباما في أيار (مايو) الماضي لموقع إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما، والمقصود من تبادل إظهار التسامح هو التأكيد على القيم التي تتشاركها اليابان والولايات المتحدة الأميركية معاً في الوقت الحاضر.
تأتي هذه البادرة بعد عشرة أيام فقط من استضافة آبي لبوتين في مسقط رأسه في مدينة ياماتشي؛ حيث ستكون المصالحة مع روسيا بشكل مختلف إلى حدٍ ما. فروسيا تُعد إحدى الدول، من ضمن عدد قليل من الدول، التي لم تُوقع معها اليابان أي معاهدة سلام بعد العام 1945؛ لأن الاتحاد السوفياتي احتل في الأيام الأخيرة من الحرب أربع جزر شمال هوكايدو، الجزيرة الرئيسية في أقصى الشمال.
وتقع الجزر الأربع في الطرف الجنوبي لسلسلة جزر كيريل، وهي التي تفصل بين بحر أوخوتسك والمحيط الهادي. وعلى الرغم من عدم وجود أي أهمية اقتصادية لتلك الجزر بالنسبة لليابان عدا كونها بضع مناطق للصيد، إلا أن لتلك الجزر قيمة معنوية لدى اليابان، كما هي العادة مع أي أراض مفقودة. أما روسيا، والتي لا توجد لديها أي نية للتخلي عن هذه الأراضي ولا بأي حال من الأحوال، فترى أن لهذه الجزر أهمية استراتيجية؛ حيث وافق الكرملين مؤخرا على تركيب نظام دفاع صاروخي على جزيرتين من الجزر الأربع.
وبينما كان النزاع على تلك الجزر سببا في منع اليابان من إبرام أي معاهدة سلام مع روسيا، يبدو أن الدولتين الآن ترغبان في إحداث بعض التقارب. وستكون زيارة بوتين لليابان الزيارة الرسمية الأولى من نوعها منذ عقد، وقد رتب آبي تكريمًا شخصيًا لبوتين، حيث سيعقدان نقاشهما في محيط خاص بالرجال في إحدى حمامات الينابيع الحارة " أون-سن" عوضًا عن عقده في المكاتب المملة.
وتعكس هذه المقدمات القلق المتبادل الذي تشعر به روسيا واليابان نحو الصين، وهو ما دفع روسيا إلى تعزيز علاقتها بالصين في السنوات الأخيرة، على الأقل عبر إبرام صفقة غاز ضخمة، والتعاون معها في تدريبات عسكرية مشتركة. ويتمثل الهدف الأكبر من وراء ذلك في الوقوف في وجه الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي. كما أن روسيا لا تريد أن تظهر على المدى الطويل بمظهر المعتمدة على جارتها الجنوبية متزايدة القوة، أما اليابان فتخشى من هيمنة الصين على شرق أسيا، ولذلك ستكون سعيدة بكونها الصديق الأسيوي الجديد لروسيا.
في وقت سابق، كان من الصعب جدا -إذا لم يكن مستحيلاً- أن تستثمر اليابان في أقصى شرق روسيا، بسبب مشاركتها في العقوبات الغربية التي فُرضت على روسيا بسبب عدوانها على أوكرانيا. ولكن، في الوقت الحالي، وبعد انتخاب دونالد ترمب ليصبح رئيسا للولايات المتحدة الأميركية، فقد تُخفف هذه العقوبات أو تُلغى. ويُفسر هذا سبب خرق آبي للبروتكول، ليكون أول زعيم أجنبي يقابل الرئيس المنتخب ترامب في نيويورك، في 17 تشرين الثاني (نوفمبر).
لو فازت هيلاري كلينتون بالانتخابات، لكان آبي سيضطر إلى تقليل توقعاته حيال لقاء القمة الذي سيعقده مع بوتين. أما الآن، فلدى آبي وبوتين مساحة أكبر للتفاوض على وضع الجزر المتنازع عليها، بالإضافة إلى تطوير إطار مستقبلي للتعاون الاقتصادي بينهما، والذي من المُرجح أن يشمل قمماً ثنائية إعتيادية بينهما.
لكن كل هذا لن يتعدى كونه جائزة ترضية لآبي؛ حيث كان فوز ترامب هو المسمار الأخير في نعش الشراكة بين 12 دولة عبر المحيط الهادي، والذي كان المحور الأساسي لاستراتيجية أوباما في آسيا. وكان آبي داعمًا للشراكة عبر دول المحيط الهادي، ورأى فيها فرصة لمنع الصين من أن تصبح الآمر الناهي في التجارة الآسيوية، وبدون إنشاء تلك الشراكة بين دول المحيط الهادي، فإن احتمالات احتلال الصين هذا الدور قد تزايدت.
سوف يمثل ذلك خسارة كبيرة لليابان، بل إنها ستخسر أكثر من ذلك في حالة أوفى ترمب بوعوده الانتخابية بمطالبته بأن يدفع حلفاؤه، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، المزيد من المال في مقابل الدفاع عنهم. وإذا ما استمر ترامب في استفزازه للصين عبر التواصل مع تايوان، والتشكيك في السياسة الأميركية "صين واحدة"، فإن التوترات الإقليمية مرشحة للتصاعد. وسوف يساعد كل هذا بدوره في زيادة حاجة اليابان إلى الحماية، وبالتحديد فيما يخص جزر سينكاكو الواقعة في شرق بحر الصين، والتي تدعي الصين أحقيتها فيها.
لذلك، يقف آبي الآن في مواجهة خطر سياسي، ولكن لديه فرصة كذلك. فقد وفر انتخاب ترامب، بالإضافة إلى التوترات الإقليمية المتصاعدة، لآبي فرصة مثالية للمضي قدمًا نحو تحقيق هدفه السياسي الأكبر المتمثل في إلغاء المادة 9 -وهي مادة نبذ العنف من جانب اليابان في الدستور الذي فرضته الولايات المتحدة الأميركية بعد الحرب، والذي يقلص من القوة العسكرية اليابانية لتكون مجرد "قوة للدفاع عن النفس"، وهو السبب الأكبر الذي اضطر اليابان إلى إبقاء إنفاقها على الدفاع عند نسبة 1 % من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي.
يحظى آبي بالدعم البرلماني الكافي لتحقيق هذا الأمر، ويمكنه أن يحشد دعماً أكبر مع إجراء الانتخابات المبكرة لمجلس النواب في مطلع العام 2017. ولكن الأمر يتعدى الحصول على أغلبية الثلثين في مجلسي النواب، وسيظل بحاجة إلى الحصول على أغلبية بسيطة في استفتاء وطني، وتحقيق هذه الأغلبية هو الأصعب، لأن نبذ العنف متغلغل في جذور الدولة الوحيدة التي ضُربت بالقنابل النووية.
فور مصافحة آبي لأوباما في هاواي، سوف يطلق آبي عقيدة حديثة للدولة لنبذ العنف، مرسلاً رسالة مفادها أنه على الرغم من شهرته كزعيم وطني، فإنه يكن مشاعر قوية تجاه مخاطر الحروب. وقد تكون هذه التطمينات السلمية على خلفية التوترات المتزايدة في شرق آسيا كافية، أو غير كافية، لإقناع الناخب اليابانية بحلول الوقت لزيادة قوات بلادهم المسلحة -بعد 75 عاما من انتصارهم الكاسح والمأساوي في معركة بيرل هاربر. وسيكون ذلك واحداً من الأسئلة الرئيسية في السياسة الآسيوية على مدار الأعوام المضطربة القليلة المقبلة.

*رئيس تحرير سابق لمجلة "الإيكونوميست".
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق