فشل نموذج العثمانية الجديدة في السياسة الخارجية التركية

تم نشره في الأحد 18 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:00 صباحاً
  • الرئيس التركي رجب أردوغان وزوجته في احتفال بالذكرى 1453 لاحتلال العثمانيين مدينة اسطنبول – (أرشيفية)

بهلول أوزكان - (نيويورك تايمز) 7/12/2016

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

إسطنبول- بعد مرور ما يقرب من قرن على تفكك الإمبراطورية العثمانية، يعتقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومؤيدوه أنهم يستطيعون استعادة مجد الإمبراطورية السابق. وما عليك سوى أن تسير في شوارع أي مدينة تركية، وسوف ترى نوافذ السيارات مزينة بالأختام الإمبراطورية للسلاطين العثمانيين الذين يتم الاحتفاء بهم وتخليدهم أيضاً من خلال إطلاق أسمائهم على مشاريع البناء التي تكلف مليارات عدة من الدولارات.
السيد أردوغان، زعيم البلاد منذ 14 عاماً، هو الشخص المسؤول عن وضع الإمبراطورية العثمانية في مركز المخيلة الجمعية التركية. وكان دول السلاطين العثمانيين يتضاعف باعتبارهم خلفاء العالم الإسلامي، وهو ما لا يغيب عن بال مؤيدي حزب أردوغان، العدالة والتنمية. وقد أعلن رئيس جناح الشباب في حزب العدالة والتنمية مؤخراً أردوغان "رئيساً للمسلمين في كل العالم". كما أن يوسف القرضاوي، رجل الدين البارز المرتبط بالإخوان المسلمين والمقيم في قطر، يعتبر الرئيس التركي أيضاً "أمل المسلمين والإسلام".
يبدو أن لهذه الطموحات تأثير واضح على سياسة تركيا الشرق أوسطية. فبعد بدء الحرب الأهلية السورية في العام 2011، سعت أنقرة إلى استبدال نظام الأسد بحلفاء إسلاميين. ولهذه الغاية، رعت مجموعات مسلحة لتنوب عنها في سورية -مجموعات سميت على اسم حكام عثمانيين، مثل لواء السلطان مراد ولواء السلطان محمد الفاتح.
وفي الأشهر الأخيرة، عبر أردوغان عن أسفه لحقيقة أن الموصل، المركز الرئيسي في العهد العثماني والتي أصبحت الآن من أهم المدن العراقية، تُركت خارج الحدود التركية عندما تم تأسيس الجمهورية التركية في العام 1923.
لكن الواقع على الأرض ربما لا ينسجم مع رؤية أردوغان. وهناك القليل من الأسباب للاعتقاد بأنه يستطيع أن يعيد صناعة الهيبة واتساع الرقعة اللذين كانا للإمبراطورية الثمانية في عالَم القرن الحادي والعشرين.
تحتفظ تركيا بحضور عسكري في شمال العراق، والذي يعود وراءً إلى النصف الثاني من التسعينيات، عندما أسس حزب العمال الكردستاني معسكرات له هناك. وفي وقت أقرب، وتحسباً لسقوط "داعش"، أقامت القوات التركية قاعدة بالقرب من الموصل. ويقول مؤيدو حزب العدالة والتنمية المتحمسون إن شمال العراق في نظام ما بعد "داعش" يجب أن يديره العرب السنة والأكراد السنة والتركمان السنة الذين تدعمهم تركيا -وليس الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة في بغداد.
لكنهم يبالغون في تقدير نفوذ تركيا بين السنة العراقيين. ما تزال نسبة كبيرة من العرب السنة هناك يؤيدون "داعش"، كما تقول التقارير، في حين أن وكلاء تركيا من العرب السنة في العراق ضعفاء جداً، ولا يزيدون على مجرد بضعة آلاف من المسلحين الذين ليسوا نداً للجهاديين. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الحكومة في بغداد، بعيداً عن رؤية أردوغان كـ"رئيس لكل المسلمين"، تعتبر الجيش التركي قوة احتلال. وفي الفترة الأخيرة، تظاهر الآلاف خارج السفارة التركية في بغداد وهم يحملون شاخصات تقول: "الاحتلال العثماني قد ولى".
تشكل سورية مثالاً أكثر وضوحاً على الفجوة بين طموحات أنقرة وبين قدرتها على التعامل مع وقائع الشرق الأوسط الراهن. اليوم، يخضع قسم من الأرض على الحدود السورية مع تركيا لإدارة الفرع السوري من حزب العمال الكردستاني، حزب الاتحاد الديمقراطي. وتعتبر تركيا المجموعة منظمة إرهابية، بينما تعتبرها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حليفاً رئيسياً في القتال ضد "داعش". وفي آب (أغسطس) كان الأكراد السوريون، بدعم من الولايات المتحدة، في وضع يؤهلهم لكسب السيطرة على قطاع طويل على طول الحدود التركية السورية. وبمجرد أن أصبح ذلك واضحاً، شنت تركيا، إلى جانب وكلائها في سورية، عملية عسكرية لدحر الأكراد و"داعش".
وكان ذلك نجاحاً إلى حد ما. فقد كسبت تركيا ووكلاؤها السيطرة على منطقة استخدموها لخلق منطقة عازلة بين المنطقتين اللتين يسيطر عليهما الأكراد في سورية. كما كانت إيران وروسيا سعيدتين أيضاً برؤية طموحات المجموعة التي تدعمها أميركا وهي تُحبط. فلو استطاع الأكراد السوريون تحقيق الاستقلال بمساعدة أميركا، كما خشيت موسكو وطهران، فإنه سيمكن الاعتماد عليهم ليظلوا حليفاً للولايات المتحدة، بل وربما يستضيفون أيضاً قواعد أميركية، مما يهدد المصالح الإيرانية والروسية. ووفقاً لذلك، وعن طريق استخدام تركيا لضرب الأكراد السوريين، تأمل موسكو وطهران في إبعادهم عن الولايات المتحدة ودفعهم إلى أحضانهما.
يذهب التقارب التركي مع روسيا إلى ما هو أبعد من سورية. ففي الآونة الأخيرة، كان أردوغان يتحدث علناً عن الانضمام إلى منطمة شنغهاي للتعاون، وهي معاهدة وضعتها روسيا والصين، والتي تهدف إلى أن تكون نداً للاتحاد الأوروبي. وبفعلها ذلك، تكون تركيا بصدد التحول بعيداً عن الشركاء المحتملين في الغرب الذي ما يزال –الآن على الأقل- يقدر الديمقراطية وحقوق الإنسان، والذهاب في اتجاه عالم آخر من الاستبداديين، وأشباه الملوك، والقياصرة الطامحين.
في الآونة الأخيرة، كان ألكسندر دوغين، أحد أهم منظري الكرملين وأحد المؤيدين الرئيسيين لفكرة "اليوروآسيوية" يلتقي بمسؤولي حزب العدالة والتنمية. ولا يشكل ذلك مفاجأة كاملة بالنظر إلى التشابهات بين روسيا وتركيا، من حيث الازدواجية والتناقض مع الغرب. ويأمل دوغين في أن تقود بلاده تحالفاً "يوروآسيوياً" ناشئاً مناهضاً للغرب؛ ويعتقد أردوغان بأن قدر تركيا التاريخي هو أن تعلي من شأن عالم مسلم يستأسد عليه الغرب.
مع ذلك، يظل التعاون التركي-الروسي الحالي هشاً. فما تزال تركيا من أكبر رعاة الثوار السوريين، بينما تشكل روسيا أقوى داعم للأسد. وبالإضافة إلى ذلك، ما تزال تركيا عضواً في حلف الناتو، وهي متشابكة مع الاتحاد الأوروبي، ولو أن ذلك لأسباب اقتصادية أكثر منها سياسية.
تماماً كما لا تستطيع تركيا استعادة أدوار حقبتها العثمانية في الشرق الأوسط، فإنها لا تستطيع أيضاً تحمل كلفة التحالف حصرياً مع الأنظمة الاستبدادية والرجال الأقوياء. إنها ترسل نحو نصف صادراتها إلى الاتحاد الأوروبي، ويبقى اقتصادها واقفاً على قدميه بسبب الاستثمار الأوروبي، وسوف يكون الانضمام إلى منظمة تعاون شنغهاي تعويضاً تافهاً عما ستفقده إذا ما ابتعدت عن أوروبا.
وقد بدأ الاقتصاد التركي يشعر مسبقاً بتداعيات سياسات أردوغان: فقد هبطت قيمة العملة التركية بنسبة 20 % في مقابل الدولار على مدى الأشهر الأحد عشر الماضية. وبعد المحاولة الانقلابية يوم 15 تموز (يوليو)، أعلنت الدولة حالة طوارئ سمحت لها بتجاوز البرلمان والحكم بالمراسيم. وتم اعتقال الكثير من الصحفيين وساسة المعارضة. وتبدو التوقعات قاتمة بحيث بدأ الاستثمار الأجنبي بالهروب من البلاد.
كما اعترف نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية مؤخراً بأن تركيا تمر بـ"أصعب فتراتها منذ نهاية الحرب العالمية الأولى"، عندما انهارت الإمبراطورية العثمانية. ولا يمكن إبقاء الشعب التركي نائماً إلى الأبد بالحكايات الخيالية عن الانبعاث العثماني. قريباً، سيكون على الأتراك أن يستيقظوا ويواجهوا الواقع غير السار.


*نشر هذا التقرير تحت عنوان:The Failure of a Neo-Ottoman Foreign Policy

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق