علاء الدين أبو زينة

حجم مفزع من الكراهية..!

تم نشره في الأحد 18 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:07 صباحاً

بلغ حجم الشتائم والمساجلات العنيفة على مواقع التواصل الاجتماعية حداً مفزعاً وغير مسبوق. والملفت بشكل خاص أن تكون عدوى الخطاب العدائي الرافض للآخر قد أصابت بعض المثقفين وأصحاب الرأي المحسوبين على النخب. ولم تعد الاختلافات تُعالج في إطار النقاش الحضاري ومحاولة تفكيك رأي آخر بطريقة منطقية، وإنما أصبح الحوار يُختزل إلى السباب فقط، مع ذكر اسم المشتوم صراحة في المداخلات على مواقع التواصل.
لاحظتُ ذلك، حين تعقبتُ اشتباكات على "فيسبوك" بسبب مواقف الأشخاص المتعارضة من بعض الأحداث الراهنة. وكان الشاتم والمشتوم في بعض الأحيان من أصدقائي. وقد حزنتُ لأن هذا وذاك، كما أعرفهم، طيبون وودودون ويفهمون. ولم أتصوَّر أن يسقط هؤلاء الناس في فخ التعصب والاعتقاد بالأحقية الذاتية المطلقة ورفض الآخر، إلى حد الشتم الصريح العلني، على مسائل خلافيّة بطبيعتها، حيث لكل رأي منطقه الداعم لذاته. ولمستُ في هذا الخطاب رائحة كراهية غير معهودة، من النوع الكفيل بتدمير المجتمعات واستنفار شياطين العنف.
ربما ينسى الذين يتخاصمون بشدة هذه الأيام، حقيقة أن آراءهم في المسائل الخلافية المتشابكة كثيرة الأطراف والدوافع، لا تقدم ولا تؤخر كثيراً في سيرورة الأحداث. لن يغير توتير العلاقة حد القطيعة مع الزميل والصديق والقريب صاحب الرأي المختلف من الموازين في الأماكن البعيدة. وسوف يكون هذا الخصام غير الضروري بيننا بلا ثمن عملي، سوى المساهمة في تعميق حالة من الاستقطاب التي نحن في أشد الغنى عنها.
صحيح أن من حق الفرد أن يكون له رأي فيما يجري حوله وأن يعبر عنه، لكن هذا الحق مُلكٌ للجميع، دون أن ينسى المداخِلون أدبيات الحوار وحتمية اختلاف الرؤى، دون أن يعني ذلك بالضرورة افتراض سوء نية الآخر وتجريده من الأخلاقية. ولعل من الواضح في كل صراع دائر الآن في منطقتنا، أن مجموعة من القوى اختطفت أحلام مواطنينا وجعلتهم وقوداً لصراعاتها الخاصة على النفوذ والمصالح، وزجتهم في الصراعات على أساس استنفار العصبيات. ولو تعقبنا طبيعة الفرز الحاد في المواقف في هذا المشهد المتشابك، لوجدنا أن كل موقف سيكون في النهاية انحيازاً إلى واحدة من القوى السيئة، أكثر منه إلى الناس الذين جعلوهم وقود حرب، والذين لا بديل لهم عن الهدوء والتصالح.
ادعاء الأحقية الشخصية وامتلاك الصواب المطلق وتخطيء الآخر تماماً على هذا النحو، هو التجسيد المثالي للتطرف. ليس التطرف مفهوماً مقصوراً على غلاة المتدينين فحسب. المتطرف هو الذي يتصوَّر أنه صاحب الصواب المطلق، وأن كلَّ آخر هو ضال ويجب إقصاؤه واستهدافه بالازدراء والسبّ والضرب، ثم الإعدام الجسدي إذا تيسر. وقد أصبحنا نلمس في حدة الخطاب على مواقع التواصل حجماً هائلاً من الكراهية والتحريض على الآخر، حتى يتولد انطباع بأن الشخصين المتشاتمين ربما يشتبكان في صراع مميت لو التقيا الآن في العالم الحقيقي. بل إننا نقرأ تعليقات أناس بسطاء، ينبّهون أشخاصاً وازنين محسوبين على النخبة، إلى ما بلغوه من التعصب والتطرف والتبرؤ البائن من التسامح.
إنك إذا سألت عن الوصفة النهائية لإنهاء الصراعات الدموية في الأوطان العربية، فسيقول لك الكثيرون إنها المصالحة الوطنية بين الأشقاء. وكان السبب الأول الذي صنع الكوارث في الأماكن العربية الغارقة الآن في الدم، هو فشل المجتمعات هناك في حل خلافاتها بالحوار الحضاري حسن النية، على أساس احترام الآخر ورأيه، فاحتد الحوار حتى انقطع وهُرِع كلٌّ إلى سلاحه. ولعل الدرس للدول التي نجت حتى الآن من الصراع، هو الحذَر الحذَر من غلبة خطاب العداء والكراهية على الحوار المستنير الذي يستوعب الاختلاف، والتركيز على ما يجمع وليس ما يفرِّق.
للأسف، لم يعد "الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية"، وإنما صار يفسد قضية الود تماماً بين الأصدقاء والأقارب. وإذا كانت القوى الوحشية تتصارع على السلطة على حساب الناس، فإن هناك صراعاً ينشأ بين الضحايا أنفسهم على "سلطة الرأي" الذي يعتقد كلٌّ بأنه له وحده. وننظر إلى هذا المستوى من الشتم والكراهية والتوتر ونسيان مبادئ التعددية والاختلاف، فنرى في خلفية الصورة نفس القوى الماكرة الوحشية مبتهجة بهذه الفتنة التي ابتلت الناس بالناس وطحنتهم لفائدتها هي وحدها.

التعليق