ترامب ومِرجل الشرق الأوسط

تم نشره في الاثنين 19 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:00 صباحاً
  • الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب – (أرشيفية)

كريستوفر هيل*

دنفر - من السمات المميزة لعملية انتقال الرئاسة في الولايات المتحدة إجراء استعراض شامل للسياسات، والذي يهدف إلى تحديد أي السياسات ينبغي الإبقاء عليها وأيها يجب إلغاؤها أو تغييرها. ومع اقتراب الرئيس المنتخب دونالد ترامب من تولي منصبه رسمياً، فإنه يبدو متلهفاً على إجراء تغييرات عديدة -وقد يكون بعضها أكثر إيجابية من غيرها.
يبدو أن بعض سياسات الولايات المتحدة لن تحظى حتى بالفرصة لعرض قضيتها في المحكمة. ويبدو أن مصير اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ التي تتألف من 12 دولة بات مقرراً مسبقاً، مع تأكيد ترامب على اعتزامه اتخاذ القرار بتجميد البت في هذه الاتفاقية التي أبرمت، وإنما التي لم يصادق عليها مجلس الشيوخ الأميركي، في أول يوم له في منصبه. وهو أمر مؤسف، لأن اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ كانت لتحُدِث ثورة في مجال حقوق الملكية الفكرية، فضلاً عن تعزيز الشفافية إلى مستويات غير مسبوقة، وخفض الرسوم الجمركية والحواجز غير الجمركية. ولكن يبدو من غير المرجح أن ترامب سيتراجع عن هذا المسار.
في مجال آخر بالغ الأهمية، سيكون التغيير الذي ستجريه إدارة ترامب المقبلة موضع ترحيب: إنه الشرق الأوسط. والواقع أن النهج التدريجي في التعامل مع هذه المنطقة، والذي سلكته الإدارتان الأخيرتان في عهد جورج دبليو بوش ثم باراك أوباما، يعني أن الولايات المتحدة فشلت في مواكبة الأحداث هناك.
لقد ترددت إدارة أوباما بشكل خاص في كثير من الأحيان في توسيع دورها، تحسباً لوقت تصبح فيه الولايات المتحدة مستغرقة في المنطقة التي "أنتجت من التاريخ أكثر مما استهلكت"، كما قال ونستون تشرشل ذات يوم عن البلقان. بيد أن أوباما يفهم قيمة الحفاظ على موقف ثابت في العراق -وهو الأمر الذي يفشل منتقدوه في إدراكه غالباً.
كان بوش، بعد أن أغرق الولايات المتحدة في الحرب في أفغانستان والعراق، هو الذي وَقَّع في العام 2008 على اتفاقية وضع القوات التي حددت فترة ثلاث سنوات لسحب قوات الولايات المتحدة بالكامل من أراضي العراق. وما كان الساسة العراقيون ليوافقوا على تأجيل ذلك الموعد النهائي وفقاً لشروط يمكن تبريرها للشعب الأميركي. ولا يملك المرء إلا أن يتخيل ردة فعل الكونغرس الأميركي، بما في ذلك الأعضاء الذين كانوا يريدون الإبقاء على قوات الولايات المتحدة في العراق ما دامت باقية في ألمانيا أو اليابان، لو وافقت إدارة أوباما على المطالب العراقية بإخضاع القوات الأميركية للنظام القضائي العراقي.
لم يترك كل هذا لإدارة أوباما أي خيار غير سحب القوات الأميركية، وتحمُّل اللوم عن كل ما ترتب على ذلك. وقد تصاعدت الصراعات في المنطقة منذ إتمام الانسحاب، وانزلقت مساحة متزايدة الاتساع من المنطقة إلى أتون الصراع.
يتعين على ترامب وفريقه أن يفكروا الآن بحرص حول ما حدث في الشرق الأوسط، وما يمكن القيام به حيال ما حدث. ولن يتطلب هذا دراسة التحديات التي تواجه المنطقة بالكامل مثل التطرف السُنّي فحسب، بل يحتاج الأمر أيضاً إلى دراسة متأنية للسياسات الثنائية.
ولنبدأ هنا باستمرار تصدير التطرف السُنّي من شبه الجزيرة العربية، وهي القضية المعقدة التي تتورط فيها بعض دول الخليج. ففي حين كانت الجماعات المتطرفة تتلقى التمويل من شبه الجزيرة العربية تقليدياً، ليس من الصواب من الناحية السياسية اتهام هذه المنطقة باحتضان كل ما هو شرير في الشرق الأوسط، ومعاقبتها وفقاً لذلك. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تتمتع الآن بقدر أكبر من الاكتفاء الذاتي من الطاقة، بفضل الزيت والغاز الصخريين، فإن هذا لا ينطبق على حلفائها في أوروبا. فهل يصب موقف أكثر تشدداً تجاه دول الخليج حقاً في مصلحة أميركا؟
ليس من الحكمة أيضا إلقاء اللوم على الشيعة -الذين يكونون هم الضحية في نواح كثيرة- عن الهجوم الضاري الذي يشنه التطرف السُنّي. لعل الزعيم العراقي الصارم، نوري المالكي، الذي فاز بثلاث فترات متوالية في منصب رئيس الوزراء، لم يتواصل بالقدر الكافي مع الطوائف السُنّية في البلاد، ولكن هذا مجرد سبب واحد وراء استمرار التطرف السُنّي في العراق. ويتلخص سبب آخر في أن بعض عناصر الأقلية السُنّية في العراق رفضت قبول وضعها باعتبارها المجموعة السُنّية الوحيدة في الشرق الأوسط العربي التي تعيش في ظل أغلبية شيعية.
ثم هناك سورية التي تمثل الآن نقطة الانفجار الرئيسية للديناميكيات الاجتماعية والسياسية المعقدة في المنطقة. وليست الحرب الأهلية التي تدور رحاها هناك مسألة دكتاتور لا يرحم يعمل على قمع تطلعات معارضة ديمقراطية الفِكر فحسب؛ بل هي في واقع الأمر صراع متعدد الجوانب، حيث لم يَعُد تحديد "الأخيار" بالمهمة السهلة.
من المؤكد أن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) هو عدو الشعب رقم واحد، وهكذا اعتبره ترامب بالفعل. ولكن التوصل إلى كيفية القضاء على "داعش"، ليس فقط في الموصل، بل وأيضاً في مختلف أنحاء العالم، سوف يتطلب نهجاً مدروساً ودقيقاً. ولا يبدو أن فريق الأمن القومي لدى ترامب يفهم هذا.
وعلاوة على ذلك، لن يكون إلحاق الهزيمة بتنظيم "داعش" سوى خطوة أولى. وسيتعين على إدارة ترامب أن تتعامل أيضاً مع الجهات الخارجية المتورطة في سورية. وعلى سبيل المثال سوف تحتاج إلى انتهاج سياسة فعّالة تجاه تركيا، الدولة العضو في منظمة حلف شمال الأطلسي التي تحركها مصالح قوية في سورية – وهي مصالح تتعارض في بعض الأحيان مع المصالح الأميركية. وفي وقت حيث تترنح الديمقراطية التركية، ويصبح قادتها أقل اهتماماً بالانتماء إلى أوروبا والأطلسي من إعادة التأكيد على مطالبات عمرها قرن من الزمن في الشرق الأوسط، سوف تحتاج الولايات المتحدة مرة أخرى إلى تبني نهج يتسم باللباقة.
ثُم هناك إيران. فهل يُفضي التراجع عن الاتفاق النووي مع إيران، كما يطالب العديد من أنصار الإدارة الأميركية الجديدة، إلى انفراج الأزمة في الشرق الأوسط؟ صحيح أن إيران قد لا تقدم الكثير على طريق التوصل إلى أي حلول؛ ولكن إذا تخلت عنها الولايات المتحدة، فربما تتسبب بسهولة في تفاقم الاضطرابات في المنطقة.
سوف يكون لزاماً على الولايات المتحدة أيضاً أن تعيد النظر في سياستها تجاه مِصر، التي كانت حتى وقت قريب تقدم إسهامات مهمة في الجهود الدبلوماسية في المنطقة. والواقع أن جزءاً كبيراً من أمن إسرائيل يستند إلى مِصر التي تدعم عملية السلام مع الفلسطينيين. وعلى الرغم من أن هذه العملية قد تبدو شديدة التعثر الآن، فإن الحيز المتاح لمزيد من التدهور ما يزال وفيراً.
كثيراً ما أكدت إدارة ترامب على خططها الرامية إلى الانغلاق على الذات، والتركيز على السياسة الداخلية ووضع أميركا أولاً في السياسة الخارجية. ولكن ترامب لن يكون قادراً على تجنب الاضطلاع بدور فاعِل في الشرق الأوسط. ولا نملك إلا أن نتمنى أن يكون ذلك الدور إيجابيا بناء.

*مساعد وزير الخارجية الأميركية الأسبق لشؤون آسيا. كان سفيراً للولايات المتحدة في العراق وكوريا الجنوبية ومقدونيا وبولندا، ومبعوثاً خاصاً إلى كوسوفو، ومفاوضاً في اتفاقيات دايتون للسلام، وكبير مفاوضي الولايات المتحدة مع كوريا الشمالية أثناء الفترة 2005-2009. وهو يشغل حالياً منصب عميد كلية كوربل للدراسات الدولية في جامعة دنفر.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق