عربيات: من أحالني على التقاعد أقسم أن لا بديل لي في الموقع

تم نشره في الاثنين 19 كانون الأول / ديسمبر 2016. 09:05 مـساءً - آخر تعديل في الاثنين 19 كانون الأول / ديسمبر 2016. 09:11 مـساءً
  • رئيس مجلس النواب الاسبق عبداللطيف عربيات - (تصوير: محمد أبو غوش)

محمد خير الروشدة

عمان - يعود رئيس مجلس النواب الأسبق الدكتور عبداللطيف عربيات في ذكرياته إلى مرحلة عمله في وزارة التربية والتعليم، واستكماله متطلبات الارتقاء الوظيفي.
وفي حلقة اليوم من سلسلة "سياسي يتذكر" التي تنشرها "الغد" يكشف القيادي البارز في صفوف الحركة الإسلامية عن جوانب من قراراته التي اتخذها خلال عمله أمينا عاما لوزارة التربية والتعليم قبل إحالته للتقاعد.
وامتدح عربيات عددا من وزراء التربية والتعليم الذين ساهموا في تكريس العمل وفق نظام اللامركزية وتفويض الصلاحيات، وهي الفكرة التي نسبها للوزير الأسبق سعيد التل، واستكمل العمل بها حكمت الساكت وعبدالوهاب المجالي رحمهما الله. وذلك قبل أن يأتي من يؤمن باللامركزية من الوزراء، وتم إلغاء نظام التنظيم الإداري ونظام اللامركزية، وعادت الأمور إلى ما هي عليه الآن.
وفي مساحة أخرى من مساحات الاشتباكات خلال عمله في وزارة التربية والتعليم، فقد روى عربيات عن موقفه الرافض من إلغاء امتحان القبول لمرحلة الثانوية العامة، ومقاومته لأجندات سياسية ضغطت من أجل إلغائه.
وكان عربيات قد كشف في حلقة أمس أن إخوان الأردن لم يقروا لإخوانهم السوريين حربهم على نظام الأسد، وأن تقييم الحركة الإسلامية في الأردن كان مخالفا لتوجهات الإخوان السوريين.
وشدد عربيات على أن النظام العراقي السابق هو من قدم الدعم للإخوان السوريين، وذلك بسبب الخلاف بين حزبي البعث؛ السوري والعراقي، موضحا أن إخوان سورية دخلوا عبر الحدود العراقية السورية، وتلقوا التدريب والسلاح من داخل أراض عراقية.
كما كشف أن إخوان الأردن كان تقييمهم بأن الموقف العسكري لإخوان سورية "خاطئ" وأن تحركهم ضد نظامهم، بالتعاون مع النظام العراقي السابق، حيث تلقوا السلاح وبعثوا كتائب، قاد إلى أحداث حماة، والنتيجة المأساوية التي وقعت.
وأكد أن "الحقيقة المثبتة أن إخوان الأردن لم يكونوا على علم بكل تلك المخططات، ولا يمكن لنا أن نقرها"، مضيفا "ما علمناه لاحقا أن فصيلا من الإخوان السوريين هو الذي قاد تلك العملية، فدخل سورية، ووقعت المأساة".
وفيما يلي نص الحلقة الخامسة عشرة:

* توسعنا في الحديث أمس عن مواقف سياسية لك إبان عملك في وزارة التربية والتعليم، خصوصا أزمة اخوان سورية، ومواقفك السياسية من الثورة الإيرانية وتقييمك لها ضمن تلك الفترة، ونود في حلقة اليوم أن نعود للحديث عن الجانب المهني في مسيرتك ونبدأ من السؤال التالي؛ هل تمت مكافأتك محليا، وتسلمت مدير عام التعليم في محافظة العاصمة واللامركزية. متى جاء قرار تعيينك؟
- الأمر ليس كذلك، بل بعد أن تضخمت أعداد المعلمين والمدرسين في المستويات الإدارية العليا، وأصبح سلم اتخاذ القرار طويلاً ومعيقاً لأداء المهمات في حينها؛ فطلب مدير مدرسة في أقصى الأردن، يتطلب الارتقاء في سلم العمل الإداري إلى خمس أو ست درجات لاتخاذ القرار، بما في ذلك الكلفة المالية لكل درجة من هذه الدرجات.
فعدد الموظفين في مركز الوزارة زاد على ثمانمائة موظف في المديريات والأقسام المركزية وفروعها، وظهر جلياً أيضاً أن الاتصال نزولاً من الوزارة إلى المدرسة لا بد أن ينزل على نفس الدرجات.
كان وزير التربية والتعليم في تلك الفترة الدكتور سعيد التل، وأشهد لهذا الرجل عدم الاهتمام بالشكليات الإدارية، وميله إلى تفويض الصلاحيات للمسؤولين المباشرين والأقرب إلى المدرسة.
زاد عدد مديريات التربية عن ثلاثين مديرية، إضافة إلى المديريات المركزية، فكان لا بد من العمل نحو لامركزية القرار، وتفويض الصلاحيات إلى درجتين أو ثلاث درجات بدل خمس إلى ست درجات.
في تلك الفترة، كان عدد محافظات المملكة سبع محافظات، فارتأوا أن يكون هناك مدير عام للتربية في مركز كل محافظة تتبعه مديريات التربية في ألوية المحافظة على شكل مكاتب تربوية بدلاً من مديريات، وارتباطها مع المدير العام، مع تفويض المدير العام معظم صلاحيات الوزير والأمين العام، إلا في جوانب معينة يتطلبها المستوى والأنظمة المرعية.
أصدرت الوزارة نظاماً سمي نظام التعليم الإداري لوزارة التربية واللامركزية الإدارية، وحدد هذا النظام الأسباب الموجهة والأهداف والصلاحيات المفوضة من الوزير أو الأمين العام للمدير العام ومكاتب التربية في المحافظة.
فالتعيين المبدئي والنقل واختيار المشرف والتوزيع حسب موازنات وخطط كل مديرية عامة، وحدها هي من مسؤوليات المدير العام بالتعاون مع مديري المكاتب. لقد كانت نقلة نوعية ومتقدمة سبقت بها الوزارة أجهزة الدولة الأخرى بمدى زمني واسع ومتقدم.
تم اختياري مديراً عاماً لدائرة التربية في محافظة العاصمة التي كانت تشمل الزرقاء ومأدبا بالإضافة إلى عمان، وقسمت محافظة عمان العاصمة إلى أربعة مكاتب، كل مكتب ينطلق من وسط المدينة ويأخذ الربع وما يتبعه من الضواحي والمناطق الملحقة بها، وفي ذلك عدالة في التوزيع والجمع بين الوسط والأطراف.
كما قسمت الزرقاء إلى مكتبين متساويين بين المدينة والأطراف، وبقيت مأدبا مكتبا واحدا، وأصبح عدد المكاتب التي يرأس كل مكتب منها مدير للتربية وفيه الشكل الهيكلي التنظيمي المقر من الوزارة والدائرة، سبعة مكاتب مرتبطة بالدائرة مباشرة وتحل معظم القضايا بين هذين المستويين.
على هذا المنوال، أصبح اتخاذ القرار الذي يهم العملية التربوية قريباً من المدرسة كمركز للنشاط والتفاعل التربوي الذي تسعى إليه العملية التربوية.
هناك مزايا كبيرة لهذا النوع من التنظيم، منها توفير العدد اللازم للعملية التربوية المباشرة من القوى البشرية، وجعل الكفاءات اللازمة في المدرسة أو قريبة منها، بما في ذلك عملية الإشراف المباشر على العملية الميدانية، إذ تم تحريك أكثر من مئتي موظف في مركز الوزارة إلى الميدان، وانخفض العدد كله في المركز بشكل كبير.
على ضوء ما تم نشره عن هذه التجربة، زارني مجموعة من المحافظين الذين كانوا مجتمعين في الوزارة للتهنئة بهذه التجربة، وشكوا من قلة الصلاحيات بين المحافظين الممثلين لجلالة الملك في محافظاتهم، وقالوا نحن نحتاج إلى الموافقة على تعيين السائق والآذن.
هذه التجربة لم تدم طويلا، وتم إلغاء النظام الذي صدر بشأنها وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل ذلك، وبظني أن تلك التجربة كانت جديرة بالدراسة عند من يعملون اليوم لتطبيق اللامركزية في محافظات أو أقاليم الأردن، وقد كتبت بحثاً عن هذا الموضوع بينت فيه الفكرة والمزايا والفوائد، ثم بينت العوائق والعقبات القانونية والبشرية والاجتماعية، حيث إن ذلك يحتاج إلى تهيئة وحزم وإدارة واعية مدعمة بقرار سياسي.

* ثم أنهيت المرحلة بتسلمك موقع الأمين العام للوزارة، وصرت الرجل الثاني في أكبر وزارة، من جهة أعداد المعلمين ومسؤولية الطلبة؟
- العمل أميناً عاماَ لوزارة التربية والتعليم يتطلب مواصفات فنية ومعايير ومؤهلات تتفق وطبيعة المركز، وتتماشى مع المعايير الأخرى غير الفنية لدى أصحاب القرار، ويتم تجاوز بعض المعيقات إذا كانت الحقوق أكيدة وواضحة وبإصرار من بعض من يعنيهم الأمر، وتحمل مسؤولية اتخاذ هذا القرار على مسؤوليتهم، أن يعين أي إنسان في أي مركز إذا كان من جنس التيار لا صعوبة فيه، والتيار يحمل كل شيء ويدفعه بقوة.
لكن أن تسبح ضد التيار أو بعضه عملية ليست سهلة، وستواجه صعوبات مباشرة أو غير مباشرة، ذكرت فيما سبق المعيقات في الحصول على بعثة للماجستير أكثر من مرة، ولم يتم الأمر إلا عندما اتخذ أحد المسؤولين قراراً حازماً لإحقاق الحق.
كما أن تأخر نقلي من القدس إلى عمان عندما وجد من يعيق أو يعكر الجو للإجراء. واجهت المشكلة نفسها عندما جاء دوري في أمانة الوزارة، وتأخر ذلك ثلاث سنوات، كما اعترف لي بذلك دولة رئيس الوزراء آنذاك.
ولكن وجود مسؤول، كالوزير، يبين الأمر والأحقية فيه، ويعتمد القرار ويتحمل المسؤولية، يسهل الأمر، وقد كان ذلك ممكناً، وتم بفضل وإصرار الخيرين على ذلك.
موقع الأمين العام لوزارة التربية والتعليم هو أهم موقع وظيفي مدني في الدولة، إذ إن وزارة التربية تشكل حوالي سبعين في المئة من الجهاز المدني، بالإضافة إلى أهمية التربية الوظيفية والفنية في تشكيل المجتمع الأردني من الجوانب السياسية والاجتماعية والمستقبلية.
الأمين العام في أي وزارة هو رئيس جميع الموظفين فيها، وهو المسؤول عن إدارتها ونتائج ذلك بالتعاون مع الوزير الذي له الموقع السياسي والقرار النهائي، خصوصا رئاسته لمجلس التربية والتعليم صاحب القرار النهائي في قضايا الوزارة الأساسية، ولا سيما في موضوع المناهج.
هذه المؤسسية في جهاز الوزارة تجعل العمل واضح المعالم من المجتمع وإلى الجميع، إذا وجد من يقوم بواجبه بصورة صحيحة وآمنة.

* ومن هناك كنت صاحب مبادرات تعليمية؛ فهل صحيح أنك صاحب فكرة التجسير بين كليات المجتمع والجامعات؟
- كانت معاهد المعلمين سابقاً وكليات المجتمع لاحقاً تتبع وزارة التربية والتعليم، سواء منها الحكومية وعددها كان عشرة معاهد حكومية وتسعة عشر معهداً خاصا. وكان الحديث عن التعليم المغلق أو المفتوح شائعاً، ويبحث بدرجة عالية من الاهتمام، ومن مشكلات هذا المستوى من التعليم أنه كان مغلقاً؛ أي غير قابل للبناء عليه في الجامعات، ولو بدرجة أو بأخرى.
استقر الرأي في الوزارة على ضرورة فتح التعليم باتجاه الجامعات؛ أي أن يحسب لمن ينوي إكمال دراسته الجامعية، ما درسه في الكلية والمعهد من نفس المواد المقررة في الجامعة، وأن يبحث بصورة مشتركة مع الجامعة كيفية التجسير بين هذه الكليات والجامعات.
تم التخطيط لتداول مؤتمر لبحث هذا الموضوع ما بين التربية وكليات المجتمع والجامعات الحكومية، وقدمت الجامعات تصورها وشروطها والمواد التي تحسب وتقديراتها وبنسب معينة، وقدمت التربية كذلك الحاجة إلى هذه الإجراءات والعمل على رفع سوية تدريس المواد المرشحة للقبول في الجامعات والشروط اللازمة لذلك.
وفعلا، أقر المؤتمر الذي عقد في كلية الأميرة عالية بعمان، وبرعاية من سمو الأمير الحسن بن طلال، هذه الأسس، ومن ذلك المؤتمر أصبح أمر التجسير مقراً بصورة رسمية، ولكن ضمن شروط ونسب يتفق عليها بين الوزارة والجامعات.
وقصة التسمية بين معاهد المعلمين أو كليات المجتمع، حصلت عندما كنت مديراً لمشاريع البنك الدولي، أحضرت معي نشرة عن كليات المجتمع في الولايات المتحدة، وزارني مدير معاهد المعلمين في مكتبي وأطلعته على تسمية كليات المجتمع، وهي بمستوى المعاهد عندنا ولكن لها دور محدد هناك لإعداد حاجات المجتمع من هذا النوع من التعليم والتدريب، ويجوز إدخال أي تخصصات يحتاجها المجتمع المحلي؛ ولذلك سميت كليات المجتمع.
راق الأمر لمدير المعاهد في الوزارة فاستأذن أن يأخذ النشرة، وبعد يومين كان هناك قرار يصدر من وزير التربية بتسمية جميع معاهد المعلمين الحكومية والخاصة بكليات المجتمع.

* في حديث سابق قلت عن رؤية تطوير وزارة التربية والتعليم، وتم تقسيم عقود القرن الماضي ضمن استراتيجيات عمل تحكمها خطط عشرية، وكان عقد الثمانينيات الماضي هو "عقد تحسين نوعية التعليم"، وفق رؤية الوزارة، وهي الفترة التي كنت فيها أمينا عاما للوزارة؟
-بعد وضع قانون التربية العام 1964، تم وضع خطط عشرية في الوزارة، منها إن عقد الستينيات الذي كان عقد الكم، وعقد السبعينيات كان عقد تنويع التعليم، وعقد الثمانينيات كان لتحسين نوعية التعليم.
هذا الأمر يشمل كل جوانب العملية التربوية التعليمية والإدارية والتقنية وإعداد المعلمين، فمن الجانب المؤسسي كان مجلس التربية والتعليم هو السلطة العليا المشرفة وصاحب الصلاحيات على قضايا المناهج والكتب المدرسية والسياسات العامة والخاصة للوزارة، وكانت لجنة التربية والتعليم في الوزارة هي التي تقود التخطيط والتنفيذ والتقويم في العملية التربوية في المركز أو الميدان. واجتماعاتها أسبوعية، وتواكب سير العملية التربوية بشكل مباشر، وكان لها اجتماعات شهرية مع مديري التربية الميدانيين لإقرار الخطط وتنفيذها وتقويمها.
ومن وسائل التقويم؛ الامتحانات العامة للثانوية العامة، والإشراف على وضع الأسس اللازمة لها، والتأكد من سلامة العملية ابتداءً وانتهاء. كانت مديرية المناهج وبإشراف لجنة التربية والتعليم المركزية تقوم بتطوير المناهج وفق خطة تحديث متفق عليها، ومبرمجة على مدى زمن معين، تشمل كل مراحل التعليم، فقد تم تطوير المناهج والكتب وفق الخطة العامة المقررة من مجلس التربية ولجنة التربية والتعليم المركزية، كما عقدت المؤتمرات التربوية المحلية والمتفق عليها مع اليونسكو سواء في الأردن أو حضور ذلك في اليونسكو في مركزها الرئيسي في باريس.
أذكر في تلك الفترة أن وزارة التخطيط وضعت خطة شاملة للتعليم العام والعالي، وذلك بعد دراسات واجتماعات مكثفة للمعنيين في التربية والتعليم في مستوى التعليم العام والتعليم العالي، وقامت بتشكيل لجنة عليا لبحث قضايا التعليم في المستويات كافة.
تم اختياري كأمين عام التربية والتعليم برئاسة هذه اللجنة، التي شملت في عضويتها رؤساء معظم الجامعات وأصحاب اختصاص من التعليم العالي والعام ومن القطاع الخاص، وكان مقر هذه اللجنة وزارة التربية والتعليم.
عقدت اللجنة اجتماعات مكثفة وفق برنامج مقر من وزارة التخطيط، وقدمت توصياتها التي شملت نوعية التعليم في المستويات كافة، وربط مخرجات التعليم بحاجات المجتمع القائمة والمنتظرة، ومتطلبات إعداد القوى البشرية المدربة لحاجة السوق المحلي والمحيط بنا، كما هي عادة قطاع التربية في إدخال حاجة السوق المجاور في تخطيطها العام.

* قبل أن نبتعد أكثر، هل دعمت مشروع اللامركزية وتفويض الصلاحيات خلال فترة وجودك أمينا عاما للوزارة؟
- كان من أولويات العمل في الوزارة في الفترة التي كنت فيها أميناً عاماً دعم اللامركزية الإدارية فيها، للقناعة الكاملة بأن موضوع اللامركزية قضية متقدمة مؤسسياً وإدارياً وحضارياً، قد ذكرت فيما سبق أن الأخ الدكتور سعيد التل ساهم ودعم هذه الفكرة بشكل مطلق، ونفذها في عهده عندما كان وزيراً.
التربية كقطاع واسع يوجد فيها توجهات وآراء قد لا تتفق كلها على الأمور، والبعض يتشبث بآرائه أو بما يهيئ له، ويقوم بالتصدي لمشروعات مثل اللامركزية التي عاد الأردن على مستوى الحكومة كلها بعد ثلاثة عقود إلى الدعوة إليها والمطالبة بتطبيقها.
تبنى بعض من أعضاء مجلس التربية التشويش على الفكرة، وكثرت الإشاعات أن التربية أصبحت إقطاعيات وزعت على البعض، ووصل الأمر إلى تدخل الراحل الملك الحسين رحمه الله، في حينها، حيث دعا إلى الاجتماع بمجلس التربية وبحضور رئيس الوزراء، وقام رئيس الوزراء في حينها مضر بدران، بشرح الأمر لجلالة الملك وقال: أنا أشرف عليها وأعرف كل مكوناتها، ولا يوجد شيء مما يقال عنها، بل هي من أجل تجويد العمل التربوي وخدمة المدرسة بصورة أفضل.
وكان جلالته يستمع إلى التقرير الذي أعدته الوزارة، وهو الذي يبين تفاصيل المشروع ومردوده على العملية التربوية، وينظر إلى بعض الذين أوصلوا الأخبار المغايرة للواقع.
بقيت اللامركزية مطبقة في عهد وزيرين بعد الدكتور التل، وهما المرحومان حكمت الساكت، وعبد الوهاب المجالي، وبعد خروجي من الوزارة جاء من لا يؤمن باللامركزية من الوزراء، وتم إلغاء نظام التنظيم الإداري ونظام اللامركزية، وعادت الأمور إلى ما هي عليه الآن، وما تزال التجربة نقطة فارقة بين من سبق بفكره ثلاثة عقود من التجريب والعودة اليوم للمطالبة بلامركزية إدارية على مستوى الوطن.

* وماذا عن المستوى التربوي في الوزارة، الإدارة وإن كانت مهمة، إلا أن العملية التربوية تحتاج لاهتمام أكبر، خصوصا أنه كان لك موقف من فكرة إلغاء الامتحانات قبل المرحلة الثانوية، وقد يكون هذا آخر مواقفك بالوزارة؟
- صحيح، لكن التجربة التربوية الأردنية مرت بمراحل وتطورات في عملية تسخير النظام التربوي لخدمة حاجات المجتمع القائمة والمنتظرة، ففي بداية الخمسينيات حيث لم يكن لدى الأردن سوى بعض معاهد المعلمين، كان هناك امتحان بعد الصف السابع الابتدائي لتشعيب التعليم وفق الحاجات الاجتماعية والاقتصادية، ثم تطور هذا بعد قانون إلزامية التعليم لنهاية الثالث الإعدادي، بأن حصل الامتحان العام بعد المرحلة الإعدادية، ولما كثرت التدخلات السياسية في وجود الامتحان العام لنهاية الإعدادي، وبروز مصالح شخصية عند بعض المسؤولين أصحاب القرار، تم إلغاء الامتحان بحجة عدم الحاجة إليه ثم أعيد الامتحان من مسؤول آخر، وألغي مرة ثانية عندما عاد المسؤول الذي ألغاه في المرة الأولى، وفي كل مرة تقدم التبريرات للإلغاء، وأخرى للإعادة، فكانت النكتة أن الشخص الذي وضع مبررات الإلغاء هو نفسه الذي طلب إليه وضع مبررات الإعادة، وحسب طلب المسؤول.
في هذا الموضوع، اتفق في المرة الثالثة أن يُسمى امتحان القبول في المرحلة الثانوية، وتم تطبيقه من أجل تلبية حاجة السوق وفق تنويع التعليم الذي اتخذ شعاراً لعقد السبعينيات، وتم فيه فتح تخصصات مهنية زراعية وصناعية وتجارية وبريدية وفندقية وتمريضية.
استمر أصحاب الرأي بإلغاء جميع الامتحانات قبل الثانوية العامة بإدعاء الديمقراطية وعدم تعقيد المسيرة التربوية، ولأسباب أخرى معروفة لمن له خبرة في واقع أجهزة التربية والتعليم، إضافة إلى التدخلات الخارجية وغير التربوية في اتخاذ القرار بشأن مثل هذا الموضوع الخطير.
عاد الضغط مرة أخرى لإلغاء امتحان القبول في المرحلة الثانوية، وكنت أميناً عاماً للتربية، وكان الوزير المرحوم عبدالوهاب المجالي. سألني عن الموضوع فشرحت له الأمر، ووافق معي على ما شرحته له.
لكن رئيس الوزراء عاد وكرر طلب الإلغاء، فأخبرني الوزير بذلك، فشرحت له واقع اختلاف وجهات النظر حتى في المراجع العليا، وقلت له إنه يمكن عقد ندوة تلفزيونية تشرح الموضوع على الملأ ومعرفة رأي الناس، خصوصا أن الوزير أخبرني بأنه الوحيد في مجلس الوزراء الذي يؤمن بما أقول، فطلبت من معاليه عرض الندوة على دولة الرئيس، فوافق الرئيس على ذلك.
قدمت للوزير مبررات مكتوبة واقتراحاً بأن يقوم على الندوة بعض المديرين المختصين في الوزارة مع معاليه والأمين العام، كما اقترحت عليه ممثلا للجامعات، واقترحت الدكتور محمد حمدان، وكان يومها عميداً لكلية العلوم في الجامعة الأردنية، والدكتور كايد عبد الحق عن كليات المجتمع.
عقدت الندوة التلفزيونية برئاسة الوزير، وقد قدم للندوة المبررات التي تراها الوزارة، وتحدث الآخرون في ندوة مفتوحة دامت أكثر من ساعتين.
كان رئيس الوزراء يستمع إلى الندوة، وأثناء عودتنا من التلفزيون اتصل الرئيس بالوزير وهنأه على الندوة وقال له: ما هذه الفصاحة، أراك تفوقت على التربويين، فقال له الوزير: سلامة أهل الاختصاص الذين أعدوا ذلك، فقال الرئيس: لا بأس ليبق الامتحان.
بعد خروجي من الوزارة ومجيء من لا يؤمن بالامتحان كما من لا يؤمن باللامركزية، ألغيت الفكرتان، ولا أدري من المستفيد بعد مرور هذه العقود من ذلك التاريخ!
ألسنا بحاجة إلى مصفاة وتوزيع للطلاب حسب قدراتهم وحاجات المجتمع لتحقيق أهداف التربية في إعداد القوى البشرية المدربة والعاملة في مختلف الميادين؟ واقع الحال اليوم شاهد على ذلك، وأنا أدعو كل المختصين والمؤهلين لدراسة جدوى مخرجات التعليم العام والعالي في تلبية حاجات الأردن القائمة والمنتظرة.
في كل مراحل عملي في وزارة التربية والتعليم، آمنت بأن التربية رسالة بذاتها، وهي لصاحب الرسالة مهنة وهواية وطموح، من فضل الله على الإنسان أن يعمل عملاً له هدف ورغبة وميل طبيعي ينسجم فيه مع تطلعاته، ويعتبر أنه هو ما يسعى إلى تحقيقه في مسيرة حياته.
هكذا كانت مسيرتي في التربية والتعليم على مدى سبعة وعشرين عاما،ً أُحِلْتُ بعدها إلى التقاعد، ومن أصدر القرار بإحالتي أقسم بالله العظيم أن لا بديل لي في هذا الموقع، وأنه مكره على ذلك، فالحمد لله رب العالمين.

عناوين الحلقة السادسة عشرة

• حضر وزير التربية إلى بيتي وأبلغني بإحالتي على التقاعد فضحكت وشكرته
• الانقلابات العسكرية سعت لإبعاد الإسلام عن واقع الحياة وفصل الدين عن الدولة
• بعد إحالتي على التقاعد رفضت الجهات الأمنية تنسيبا بتعييني في الجامعة الأردنية
• بمبادرة من الدكتور عبد الكريم خليفة تم تعييني في مجمع اللغة العربية

mohammed.rawashdeh@alghad.jo

التعليق