محمد أبو رمان

هواجس ما بعد الكرك

تم نشره في الأربعاء 21 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:10 صباحاً

بعد أن تمّ كشف تفاصيل مهمة عن أفراد الخلية الإرهابية في الكرك، أصبح من الضروري التفكير في مرحلة "ما بعد الكرك"، إذ أثبتت الأحداث المؤلمة الأخيرة أنّ هناك نمواً مقلقاً للتيار الداعشي محلياً. فالخطر في الداخل، حتى وإن كان الارتباط في الخارج.
يتزامن ذلك مع تبنّي "داعش" للعملية رسمياً أمس، ما يعني أنّ المواجهة مع التنظيم تدخل مرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة والاستهداف المباشر للأردن، ليس فقط خارجياً، كما حدث في مخيم الركبان، بل داخلياً، عبر تحريك "داعش" مؤيديه، ومن يستطيع تجنيدهم للقيام بمثل هذه العمليات.
بطبيعة الحال، من المتوقع أن يلجأ التنظيم لتحريك الخارج، وهو يواجه في الداخل حرباً مصيرية؛ فسيعمل على توجيه رسائل قاسية ورفع معنويات أنصاره في الحرب الراهنة، وفي أي مكان يستطيع أن يضرب فيه.
كنّا قد تحدّثنا في مقالة أمس عن التغير في طبيعة التهديد ونمط المواجهة مع التنظيم، وما تحمله أحداث الكرك من مؤشرات. لكن سبل المواجهة لا يمكن أن تكون كافية بالاستناد إلى "المقاربة الأمنية" وحدها، بخاصة أنّ وسائل التجنيد والعمل لدى هذا التنظيم والتيار المؤيد له أصبحت أكثر خطورة، ما يتطلب تفكيراً عميقاً في أبعاد المقاربة وأدواتها والمؤسسات المعنية بها.
الهدف هو، بالطبع، الحيلولة دون قيام التنظيم بعمليات، وإحباطها قبل أن تبدأ، وتجنب سقوط شهداء ومصابين من هذه الأنشطة. لكن وفي الوقت نفسه، من الضروري ألا ننسى أهمية التفكير بأن تتضمن المقاربة المطلوبة حماية جيل الشباب من الوقوع في فخّ التطرف والتشدد، ثم الإرهاب. وهو تحد بدأت الدولة تنتبه إليه، لكن خطواتها ما تزال سلحفائية وسطحية وغير جدية.
من جهةٍ ثانية، المطلوب تقييم استراتيجيات وأدوات التعامل مع من سقطوا في حبائل التنظيم. ونحن نتحدث هنا عن آلاف من الشباب، ممن ذهبوا إلى هناك وعادوا، كما هي حال بعض أقرباء خلية الكرك، أو من حاولوا الذهاب ولم ينجحوا، كحال أفراد من الخلية، أو من اتّهموا بتأييد التنظيم عبر شبكة الانترنت، أو المحبوسين على خلفية قضايا شبيهة، أو من ما يزالون هناك؛ كيف نتعامل معهم؟!
هذا هو السؤال المهم؛ هل السجن وحده كافٍ؟ ما نراه هو نقيض ذلك تماماً! أما البرنامج الحالي للحوار معهم في السجون فهو الآخر ضعيف وغير مجدٍ. والأخطر من ذلك أن تتحول السجون إلى مراكز للتجنيد والتدريب والتأهيل والتثقيف لدى أفراد التنظيم، وهو ما يحدث عملياً، بخاصة الجدد منهم، بدلاً من أن تكون بالفعل مراكز للإصلاح وإعادة التأهيل.
نخطئ، بل نرتكب خطيئة كبيرة، في حال مرّت أحداث الكرك من دون أن نتعلّم الدرس ونفكّر مليّاً فيها، وفي كيفية التعامل مع ما تخلقه من تحديات وتفرضه من أسئلة مهمة؛ فنحن أمام ملامح مجتمع داعشي يتشكّل من هؤلاء الأفراد، وهناك عائلات ضمن هذه الدائرة. والخشية أن نجد أنفسنا غداً أمام نساء وأطفال ينتمون إلى الفكر نفسه، كما حدث في مجتمعات ودول أخرى.
الخطة الوطنية لمكافحة الإرهاب ليست مقنعة؛ والجهود الحالية في المجالات الثقافية والاجتماعية والمدنية غير جدية، ما يجعل من خطر وقوع أعداد كبيرة من الشباب في ظل ظروف استثنائية في المنطقة، تدفع إلى التطرف، ولحظة تاريخية خطرة، هاجساً حقيقياً.

التعليق