الحلقة السابعة عشرة

عربيات: أنظمة عربية دفعت باتجاه حل المجلس النيابي الحادي عشر

تم نشره في الأربعاء 21 كانون الأول / ديسمبر 2016. 10:10 مـساءً - آخر تعديل في الأربعاء 21 كانون الأول / ديسمبر 2016. 10:28 مـساءً
  • رئيس مجلس النواب الاسبق عبد اللطيف عربيات-(تصوير:محمد أبو غوش)
  • من اليمين: سمير قعوار، حسني الشياب، فارس النابلسي، عبدالله النسور وعبداللطيف عربيات خلال البرلمان الحادي عشر - (من المصدر)

محمد خير الروشدة

عمان- يأخذنا اليوم رئيس مجلس النواب عبد اللطيف عربيات إلى التداعيات التي أنتجت مرحلة التحول الديمقراطي، وقادت إلى إجراء الانتخابات العام 1989، وولادة مجلس النواب الحادي عشر.
ومن هناك يتحدث القيادي البارز في صفوف الحركة الإسلامية الدكتور عربيات عن خلفيات قرار مشاركة جماعة الإخوان المسلمين في تلك الانتخابات، والخطة التي وضعوها لترشح أعضائهم في الدوائر الانتخابية. وقال: إيماناً بمبدأ المشاركة وليس المغالبة اكتفت الحركة بستة وعشرين مرشحاً في مختلف المناطق نجح منهم اثنان وعشرون.
وقدم عربيات مرافعة سياسية أنصفت ميلاد ذلك المجلس الذي ساعد البلاد في تحمل أعباء المرحلة الأمنية والسياسية بعد قرار التحالف الدولي لضرب العراق، حيث وصف مجلس النواب الحادي عشر بـ"قمة سامقة في تاريخ العمل النيابي في الأردن".
وكان عربيات قد كشف في الحلقة الماضية عن مقدمات قرار إحالته على التقاعد، ويؤكد بأنه غادر الوزارة على وقع مواقف له لم يرض التنازل عنها ليس تعصبا لرأيه، بمقدار ما كان فيها من تصيد ساء له أو للآخرين.
كما كشف رفض الجامعة الأردنية طلبه بالتدريس في كلية التربية في الجامعة، على أنه لم يستسلم، مستذكرا موقف الدكتور عبد الكريم خليفة الذي أوصى بتعيين عربيات في مجمع اللغة العربية.
وعن الوضع السياسي في البلاد، تحدث عربيات عن وجود حملة مركزة بالتخويف من مناهج العلوم الإنسانية، مثل: التاريخ والدين واللغة العربية، وأهمية إعادة كتابة منهج التاريخ بالذات، ما دفع البعض لصناعة فزّاعات التخويف من الإسلاميين لدرجة أن جهات طالبت بتخفيف عدد الإسلاميين في الوزارة.
وفيما يلي نص الحلقة السابعة عشرة:

*بعد مدة بسيطة من ذلك، بدأت الأحداث الشهيرة التي عرفت بهبة نيسان (أبريل) من العام 1989، وما تبعها من مشروع التحول الديمقراطي، وشاركت جماعة الإخوان المسلمين في انتخابات مجلس النواب الحادي عشر بعد انقطاع طويل للحياة السياسية، وقد خضت الانتخابات ممثلا للحركة الإسلامية عن محافظة البلقاء، ومن هناك بدأت قصة طويلة مع العمل السياسي، نحتاج أن نعرف تفاصيل عن تلك المرحلة؟
- بدأ العمل النيابي والتشريعي في الأردن مع إنشاء الإمارة العام 1921، واستمر كمجالس استشارية حتى العام 1929، وأصبحت تسمى مجالس تشريعية حتى بداية عهد المملكة في العام 1946، ثم بدأت المجالس النيابية وحتى اليوم، وكان المجلس الذي جرى انتخابه العام 1989، هو المجلس الحادي عشر الذي جاء بعد انتخابات تكميلية عامة جرت في العام 1984.  وبعد توقف الانتخاب العام في المملكة بعد احتلال الصهاينة لجزء من المملكة العام 1967، وهي الضفة الغربية التي كانت جزءاً من الدولة الأردنية.
بالنسبة لي، عاصرت الانتخابات النيابية في الخمسينيات شاباً ناخباً، وسياسياً ومسؤولاً في السنوات التي تلت ذلك، وأعرف جدوى ودور ومكانة النائب والعمل النيابي بشكل عام فيما مضى، خصوصا انتخابات العام 1956 التي شاركت فيها الحركة الإسلامية والأحزاب السياسية الأخرى.
وفعلا جاءت انتخابات العام 1989 على إثر أحداث واضطرابات سياسية وأوضاعٍ اقتصادية متردية. كان القرار السياسي الحازم بإقالة الحكومة وتشكيل حكومة مؤقتة لإجراء الانتخابات النيابية التي أعلن أنها ستكون نزيهة ومفتوحة لكل الفئات السياسية والاجتماعية.
كان ذلك القرار جريئاً وواعياً للأبعاد السياسية والاقتصادية، فتمت معالجة المشاكل والاضطرابات بمزيد من الحرية والانفتاح لا بالقمع والطوارئ. وهكذا تخطى الأردن أزمة حقيقية كادت أن تؤدي إلى أوضاع لا تحمد عقباها على كافة المستويات الداخلية والخارجية.
 في هذه الأثناء، كان الحديث منصباً حول ما إذا كانت الانتخابات ستتم كما أعلن عنها حرة ونزيهة، وهل ستكون نقطة تحول في تاريخ الأردن السياسي، نحو المزيد من الحريات والإصلاح، الذي يعين الأردن على تخطي العقبات والتحديات التي تواجهه، وإلى أي مدى يتم الوفاء بالوعود المعلنة التي تدعو إلى المشاركة الفاعلة لكل أفراد المجتمع بدون تحيز أو تمييز أو تدخل مباشر أو غير مباشر.
كل هذه الأمور كانت تدور في ذهني وذهن إخواني في الحركة الإسلامية، وكل القوى الوطنية المتطلعة إلى المزيد من الإصلاح وبجميع الوسائل.
من هناك جال في خاطري على المستوى الشخصي تساؤلات حول قبول الترشح بناء على طلب إخواني في الحركة الإسلامية والكثير من الأصدقاء والمعارف.
كنت أقوم بتقويم للموقف على المستوى الشخصي أو المستوى العام، وهل في ذلك فائدة مرجحة على واقع الحال، خصوصا أنني أعرف الكثير من النواب الذين كانوا ينهون عملهم النيابي فيأتون لوزارة التربية للبحث عن وظيفة مدير تربية أو ما يعادل ذلك، ولكن الفكرة الأكبر مدى تحقيق ما يصبو الإنسان إليه في حياته، حسب أهدافه في هذه الحياة كصاحب دعوة وفكرة إصلاحية لكل جوانب الحياة.
تم التركيز على فكرة بوابة الإصلاح السياسي في المجتمع، ونقطة الانطلاق فيها، خصوصا بعد خبراتي وما لقيته في محطات الخبرات السابقة في وزارة التربية والتعليم، فطلب إلي أحد الإخوة المسؤولين في الحركة الإسلامية أن أرشح نفسي عن دائرة عمان الأولى، ووعد بالدعم الكبير من الحركة والنتائج المطمئنة. فقلت له: شكراً، إذا أردت أن أرشح نفسي سأترشح عن محافظة البلقاء وليس غيرها.
أعدت الحركة الإسلامية العدة لخوض الانتخابات، ولم أقرر الترشح بشكل نهائي، بيدَ أن ضغوطات بدأت تظهر من إسلاميين في السلط تؤكد على أهمية الترشح للانتخابات، وكان أحدهم يصر علي في الحديث والتشجيع على ذلك، وكان الأمر قد بدأ يختمر في ذهني، وسألت نفسي لماذا يعيش الإنسان؟ أليس لتحقيق فكرة يؤمن بها أو إصلاح ينشده، وكان صاحبنا مستمراً في الحديث المشجع، فلمعت أمامي إشارة خضراء في وضح النهار، فقلت للمتحدث وضحت الصورة، وحصلت الموافقة، ففرح بالخبر، ولم أجد أي عائق في هذا الاتجاه. ومن هناك بدأت أتحرك مع إخواني في الحركة وإخواني في البلقاء وبقية القطاعات في المحافظة.

*وماذا كانت خطتك للترشح للانتخابات، وما هي عدتك وأدواتك للفوز بمقعد في البلقاء؟
- بالنسبة لي، بدأت في التحضير بشكل جدي بتحديد الهدف ومعالم البرنامج المتوافق مع أهداف الجماعة وبرامجها، وأيضاً بخصوصية ألزم نفسي بها على المستوى الشخصي، وبما يجعل لي شعارا أردده وأبلوره في المسيرة القادمة، وبما يعزز ويدعم البرنامج العام المقرر من الحركة. فاخترت بسهولة شعار (الإصلاح)، واخترت آية كريمة على بطاقتي الدعائية "إن أريد الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله".
في وقتها، جال في ذاكرتي خدمة الناس وحل مشاكلهم، وصرت أبحث عن حديث شريف أضعه على الصفحة الثانية من البطاقة، واستعنت بالدكتور عودة أبو عودة، وكان يتردد علينا في مجمع اللغة العربية ويشارك في نشاطاتنا. عرضت عليه الفكرة، قلت له أن نبحث معا عن حديث بهذا المعنى. وفي اليوم التالي جاءني أخي عودة وقال: وجدت هذا الحديث، فسررت كثيراً به ووجدته يعبر عما في نفسي، ونصه كما يلي: إن لله عباداً اختصهم لحوائج الناس، يفزع الناس إليهم في حوائجهم، أولئك الآمنون من عذاب الله".
وفعلاً طبعت بطاقة صغيرة، وعلى صفحتها الأولى الآية الكريمة وعلى الصفحة الثانية الحديث الشريف، وأثناء جولاتي الانتخابية كنت أركز على هاتين الفكرتين بأن الإصلاح منهج حياة، وإن حوائج الناس جهاد في سبيل الله تصل لمنزلة الشهداء.
كانت بدايات موفقة حيث أعددت بيانات أخرى غير البرنامج العام مع الجماعة، منها رسالة إلى المعلمين والمعلمات رفاق الدرب في المسيرة التربوية، وكان الأثر كبيراً ومميزاً، كنت أول من طرح شعار الإصلاح منفرداً ومعززاً بالآية الكريمة، وأصبح شعاراً متداولاً في الجولات الانتخابية للإسلاميين وغير الإسلاميين فيما بعد.
أما عن ترتيبات الحملة الانتخابية، فقد قررت الجماعة خوض المعركة الانتخابية بعد أن تم الإعلان عن نزاهة الانتخابات، وتشكيل الحكومة الانتقالية، والبوادر العامة كانت تؤشر إلى انتخابات مريحة وحرة؛ ولهذا كان القرار بالمشاركة بدون شكوك ظاهرة، فقانون الانتخابات هو نفسه الذي سار عليه الأردن بتاريخه كله وأدى عدم تطبيق بعض الاستثناءات، إلى اتاحة المجال للحزبيين، وكانت بادرة جيدة من الحكومة والمشرفين على العملية الانتخابية.
وإيماناً من الحركة بمبدأ المشاركة وليس المغالبة، ولعدم الجزم بحقيقة كل ما يجري، لم تغامر الجماعة بترشيح عدد كبير، بل اكتفت بترشيح ستة وعشرين مرشحاً في مختلف المناطق، وتم تحديد العدد لكل منطقة.
وكنت والأخ إبراهيم مسعود، عن محافظة البلقاء، وهي تضم بالإضافة للسلط وأقضيتها، الأغوار وحوض البقعة والفحيص وماحص والمناطق المحيطة، كان هناك البرنامج العام للحركة، ولجنة مركزية تشرف على الانتخابات في كل المناطق، ولجان المحافظات والمناطق الانتخابية، فتم تشكيل لجنة لمحافظة البلقاء من الجماعة ومن العشيرة تعمل موحدة أو منفردة، وتنسق بين القوى الوطنية والعشائرية والحزبية، وتضع البرامج اللازمة لذلك، كما تقوم بترتيب المهرجانات والاجتماعات العامة وتعد بعض البيانات اللازمة لذلك، بالإضافة لما هو في المركز أو يصدر عن كل مرشح حسب الحاجة.

*وهل كان الترشح للانتخابات في محافظة البلقاء سهلا بالنسبة لك؟ وعلى ماذا اعتمدت؛ على العشيرة، أو على جماعة الاخوان المسلمين؟
- كانت الجولات الانتخابية شاملة ومريحة، وكان يرافقني فيها بعض الإخوان من الجماعة، وبعض أفراد العشيرة وبعض الأصدقاء حسب المنطقة المزارة، ومن مميزات مرشح الحركة الإسلامية أنه يجد في كل منطقة أنصاراً يرتبون للاجتماعات واللقاءات العامة، ويرافقون المرشح في منطقتهم، ويقومون بالترتيبات المحلية، ويتابعون الأمر حتى يوم الانتخاب، وكانت هناك مهرجانات مشتركة مع الأخ إبراهيم، أو خاصة لبعض المناطق حسب البرنامج المتفق عليه مع لجنة الانتخاب في المحافظة.
كانت وحدة المحافظة كدائرة انتخابية واحدة أفضل بكثير من التجزئة إلى حارات وأزقة وأعلاها قرية أو بضع قرى، أقول هذا على مستوى مصلحة الوطن ونسيجه الاجتماعي المتماسك، وكيف أن التجزئة تقطع الصلات والأرحام وتؤجج الضعف، وأفضل من ذلك أن تكون هناك برامج وطنية يتم التصويت عليها، وتقدم الأفكار والبرامج على مستوى الوطن، وهنا تكمن مصلحة الوطن.
لهذا كانت توصياتنا في لجنة الأجندة الوطنية العام 2005، بقانون الانتخاب النسبي بين الدائرة والوطن، هي نقلة تربوية متدرجة للوصول للأفضل وليس النكوص للأسوأ، وهنا أود أن أسجل بعض الملامح الهادفة من الجولات الانتخابية في انتخابات العام 1989، بقصد الرد على الجهلة أو المتجاهلين لواقع المجتمع الأردني الطيب.
الملمح الأول حول ما يقال عن العشائرية، إذ تجد من لا يعرف معنى العشيرة ولا يتذوق معناها الاجتماعي الكريم، ولا يعرف إلا زعاق بعض الجهلة عن المعاني السلبية، وهم ليسوا على قدر من العلم أو المعرفة بأصول العشائر الكريمة، ودورها الإيجابي في صناعة الخير ورعايته والتضحية من أجله.
أذكر أن عشائر العدوان، على سبيل المثال، وهم من كرام عشائر الأردن تاريخاً ومسيرة ووجوداً وفي مناطق البلقاء كلها، التي كان لها موقفها ليس من مرشح من عشيرة العربيات في السلط، بل من مرشح الحركة الإسلامية، فقد كان هناك أكثر من مرشح من عشائر العدوان في تلك الانتخابات، ولكن هذا لم يمنع أن أزور تجمعات العدوان سواء في الغور أو الشفا، ومنها قمت بزيارة منطقة السليحي في حوض عين الباشا ويسكنه آل أبو العماش العدوان. زيارتي كانت عادية وبدون تحضير مسبق، فقط أعلمناهم أننا ننوي زيارتهم في السليحي من أجل الحديث عن الانتخابات، من مرشح ينوي عرض ما لديه من أفكار وبرامج وأهداف.
فوجئنا عندما وصلنا قرية السليحي بيافطة كبرى في مدخل القرية باسم الدكتور عبد اللطيف عربيات وعليها شعارات رفعناها للجميع، سألت عمن عمل هذه اليافطة، فقيل لي: أبو زياد من آل أبو العماش، عملها باسمك ومن باب الترحيب بك في زيارتك لمنطقة السليحي.
تصوروا هذا الخلق الكريم وهذه المعاني التي تتعدى ما يقوله بعض أصحاب الأفكار القاصرة عن الوصول إلى هذه المعاني الكريمة التي صدرت من كرماء، وأما الصغار فلا يرتقون إلى مستوى هذه المعاني العالية ويكتبون عن العشائرية ووجودها ومع من هي، ويشرعون ويدبرون أموراً نتائجها سلبية يتحملها هذا الوطن المظلوم ممن يدعون خدمته.
ومثال آخر عند عشيرة العدوان، ففي الشونة الجنوبية أيضاً كان هناك مرشح أو أكثر من نفس المنطقة، وحاولت أن أتجنب زيارة منطقة الشونة لهذا السبب، ولكنني تلقيت أكثر من دعوة لزيارتهم وعقد اجتماعات عندهم، فوجئت عند دخولي منطقة الشونة ببطاقات توزع باسمي دون علمي وهي دعاية لي، سألت: من قام بهذا؟
فقالوا: المحامي فايز العدوان، ويقوم بالدعاية لك دون علمك. وجاء المحامي فايز العدوان، وحضر الاجتماع وأعلن تأييده لي وبصورة علنية في أوساط أقاربه من العدوان.
هاتان حادثتان حصلتا فعلاً وبمبادرات كريمة من عشائر العدوان، لمرشح من عشيرة أخرى ومن حركة سياسية كبيرة ومعروفة، وإن دل على شيء فهو أن هذا هو شعبنا الطيب الذي يتصرف بعفوية وصدق وأصالة، وليس كما يحاول بعض الناس أن يفذلك الأفكار والآراء والتصورات التي لا تريد الخير لهذه الأمة.
ومن الملامح الواضحة والخيرة ما واجهته في مخيم البقعة الذي كان قاعدة لينطلق منها كثير من المرشحين في انتخابات سابقة، والذين كانوا يجهدون في التبريرات والعروض المختلفة لكسب ود المواطنين، فوجدت منهم صفاً متراصاً واضحاً في توجهاته مؤيداً وداعماً.
وكذلك ما قيل لي عن منطقة علان، إذْ أُبلغت أن منطقة علان مقسومة لفلان وفلان والأمور منتهية فيها على هذا النحو أو ذاك، عقدت اجتماعاً عندهم في أحد البيوت الكريمة وتجمع الناس، وبعد حديثي معهم قاموا بإعلان دعمهم العلني وتأييد ما طرحته بصورة واضحة. لقد كانت حصتي من أعلى الحصص إن لم تكن أعلاها، وكذلك منطقة الفحيص وقصبة السلط ومختلف المناطق الأخرى التي عززت النتيجة النهائية، وحصلت على 15 ألف صوت تقريبا.

*وبهذا نجحت في الانتخابات بناء على هذه الحركة الانسيابية في مناطق محافظة البلقاء؟
- لقد رشحت الحركة الإسلامية ستة وعشرين مرشحاً ونجح منهم اثنان وعشرون نائباً، وهذا يقارب ربع عدد أعضاء المجلس، مضافاً إليهم أكثر من ثمانية نواب من الإسلاميين المستقلين وحوالي عشرة نواب من اتجاهات وطنية عامة، وأغلبية أعضاء المجلس الآخرين من الشخصيات المعتبرة، وذات التأهيل المتقدم ومن العشائر الكريمة.
ذلك المجلس يعد قمة سامقة في تاريخ العمل النيابي في الأردن، فالمؤهلات العلمية والتوجهات الوطنية الأصيلة والتنوع الممثل لطبقات شعبنا الخير، كانت سمات بارزة في تشكيل هذا المجلس الحادي عشر ليكون الأول على مجالسنا النيابية في تاريخنا كله.
كانت كتلة الحركة الإسلامية هي الكتلة الأكبر والأكثر التزاماً وتنظيماً، والأقدر على التحرك في جميع الاتجاهات لنيل الأغلبية، وحشدها باتجاه القضايا الوطنية الأساسية.
انتقلت صورة الأردن في ظل هذه الانتخابات ونتائجها غير المسبوقة إلى مقدمة المسيرة العربية، قوة وتنظيماً وقدرة على التحرك في القضايا الداخلية والخارجية، والكل يذكر الصورة المغلقة قبل هذه الانتخابات، وكيف تحولت صور الضعف والانقسام إلى صورة وحدة الصف وقوة الموقف، وعلى جميع المستويات الداخلية والخارجية.
أشير إلى ذلك بكل وضوح، إلى أن علاج الأزمات يكون بإشاعة الحرية وليس بالقمع والكبت أو التزوير، فقوة الصف ووحدته تكون بتعزيز الثقة بما يجري، ومواجهة التحديات لا تكون إلا بالمشاركة الشعبية الواسعة، التي تجعل من الشعب درعاً واقياً من كل الصدمات التي تتعرض لها الاوطان.
ان أثر نجاح الحركة الإسلامية وهذا المجلس القوي المعزز بالثقة والإرادة الشعبية، هو عنوان قوي لصورة الأردن ومدو  في كل البلاد العربية والإسلامية والعالم أجمع، حتى قامت شعوب عربية بمطالبة حكامها بانتخابات كانتخابات الأردن، وقام بعض الحكام العرب بالدفع نحو إزاحة هذا المجلس مع التعهد بتغطية كل تكاليف الانتخابات الجديدة بالغاً ما بلغت، كما ذكر لي ذلك أحد المسؤولين.
لكن وجود مثل ذلك المجلس صنع للأردن مكانة مهيبة وموقعاً متقدماً في البلاد العربية، حيث وقاها من الضغوطات الخارجية في كثير من المواقف، سواء في وضع قوات أميركية في العقبة والرويشد، أو الذهاب إلى حفر الباطن مع الآخرين، واستفاد الملك بحكمته المعهودة من كل هذه الأمور، ووجهها وجهة صحيحة ومتميزة في مواجهة تحديات حرب الخليج والظروف الدولية الأخرى.
ما أزال أذكر أثناء حرب الخليج وكنت رئيساً للمجلس أننا عقدنا اجتماعاً مسائياً لمتابعة الأحداث، والدفع بمواقف قوية تمثل الشعب ومواقفه مما يجري، حيث وقف أحد النواب واقترح اتخاذ قرار من المجلس بضرب المصالح الأميركية في الداخل والخارج، فقال آخر: أثني على  ذلك، وآخر قال: اقترح طرحه للتصويت، فطرحته للتصويت، وصوت المجلس بالإجماع على ذلك الاقتراح. عدت للبيت وإذا بهاتف من محطة الإذاعة البريطانية الساعة الرابعة صباحاً، تسأل المتحدثة عن صحة خبر قرار اتخذه مجلس النواب الأردني بشأن أميركا.
قلت لها: نعم هذا صحيح، وبالإجماع.
فقالت كيف ذلك؟
قلت: هؤلاء نواب الشعب، وهم يعبرون عما يدور عند ناخبيهم، فأين هي المشكلة؟
فقالت: متى التنفيذ؟
فقلت: نحن مجلس تشريعي، سنحول الأمر إلى الحكومة. وانتهت المكالمة.
بعد يومين من هذا التاريخ، سأل الصحفي الأميركي بيتر سنو، الراحل الملك حسين عن هذا القرار، فأجابه بأننا في بلد ديمقراطي، وليس من حقي أن أتدخل في شأن مجلس النواب، وبهذا أغلق الباب. هذا الحدث لم يحصل مثله في تاريخ المجلس ولا المجالس العربية الأخرى.
أذكر أيضاً أننا عقدنا اجتماعاً للاتحاد البرلماني العربي في طرابلس لنصرة ليبيا، بعد الحصار الذي فرض عليها. وكنت ورؤساء البرلمانات العربية نصافح العقيد القذافي، وعندما وصلني الدور، أمسك العقيد بيدي وقال لرؤساء البرلمانات العربية: هذا الرجل هو المنتخب الوحيد من الشعب مباشرة. وكان ذلك على مسمع جميع الرؤساء، فقلت كما أذكر: كلنا إخوة وأبناء أمة واحدة. هذا من باب بيان أن ثقة الشعب هي القوة الحقيقية التي يحتمي بها الجميع، وأن شعوبنا كلها خيرة إذا أُعطيت الفرصة بالتمثيل الحقيقي من خلال الانتخابات المعبرة والممثلة حقيقة لهذه الشعوب.

عناوين الحلقة 18

• بعد أزمة الخليج شاركنا في الحكومة لتشكيل موقف شعبي ورسمي موحد
• الحركة الإسلامية تعتبر نفسها معارضة إيجابية معنية بالإصلاح
• حكومة بدران كانت حكومة برلمانية فعلية التزمت بمطالب النواب
• مضر بدران أكد لنا أن حكومته لن تستطيع نيل الثقة بدون أصوات نواب الحركة الإسلامية

التعليق