لننتهز الفرصة لمحاربة التطرف

تم نشره في الجمعة 23 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:00 صباحاً

أسامة شحادة

وقى الله عز وجل الأردن من كارثة كبيرة باكتشاف مقر المجموعة المسلحة التي قامت بجريمة الكرك المروعة قبل إكمال مخططها. وحالة الرفض الشعبي العام لهذه الجرائم الإرهابية هي حالة إيجابية يجب العمل على نقلها من حالة غضب طارئة وفزعة ونخوة محمودة، إلى حالة وعي مستقر ودائم ينتشر ويتوسع.
إن واقعنا اليوم يشهد الكثير من الأزمات الداخلية والخارجية، ما يخلق مناخا من الغضب والكره والرغبة في الانتقام لدى بعض الشباب. وما يضاعف هذه الرغبة، الجهود الإعلامية الضخمة لجماعات التطرف والغلو، التي تملك إمكانات هائلة برغم أنها مطاردة من كل دول العالم فيما يفترض!
هذه المواد الإعلامية المتطرفة التي تدغدغ المشاعر والعواطف وتتلاعب بالعقول والأفكار، بجودة الصورة وحماسة الأناشيد وقوة الشعارات والهتافات وإطلاق الاتهامات، تستقطب بعض الشباب للتبعية للجماعات الإرهابية بشكل مباشر أو غير مباشر على شكل خلايا نائمة أو "ذئاب منفردة".
إن فكر التطرف والإرهاب لقي الدعم والحماية عبر تقديم حق اللجوء لمفكريه ومنظريه في أوروبا وكندا منذ تسعينيات القرن الماضي. كما لقي الحماية في إيران، بإيواء قادة تنظيم "القاعدة" عقب أحداث 11 /9/ 2001. الأمر الذي تسبب في انتشار هذا الفكر وتمدده وتوسع عملياته الإرهابية في دول العالم.
وإذا ثبت اليوم باعترافات قادة "القاعدة" و"داعش" (الزرقاوي، أبو حفص الموريتاني، العدناني) تقاطع أجندة التنظيمين ونظام الملالي في طهران، وهي العلاقة التي كانت تنفى سابقاً وتوجه لنا سهام التخوين والعمالة حين نحذر منها، فإن المستقبل سيكشف عن ضخامة اختراق هذه الجماعات، وأن كثيرا من قادتها الفكريين والعسكريين، خاصة في العراق وسورية، يتبعون إيران والصهاينة؛ وأن القصص والوقائع التي يرفض كثير من الناس اليوم تقبلها من فظائع وفضائح، يقوم بها قادة "القاعدة" و"النصرة" و"داعش" في العراق وسورية، وآخرها خيانة حلب من الداخل بمهاجمة الثوار والاستيلاء على سلاحهم ومناطقهم ثم تسليمها للنظام. وهو ما فضحه عدد من المفكرين الداعمين للثورة كالأستاذ مجاهد ديرانية.
لذلك؛ فإن انتهاز فرصة وحالة تكاتف الجميع ضد التطرف للبناء عليها حالة من الوعي الفكري، لهو في غاية الأهمية. وهذا يرتكز على ترسيخ عدد من الأفكار والمفاهيم الصحيحة والسليمة على الصعيد الشرعي الديني، كما على الصعيد الفكري والسياسي، في عدد من المحاور، من خلال عدة وسائل. ويمكن الإشارة لذلك في عدة وقفات.
الوقفة الأولى: معلوم أن الشباب الذي ينتهج الغلو والتطرف يعاني من مشكلة في الفهم للدين والإسلام بالشكل الصحيح الذي يدين كل أشكال العدوان على المقدسات والمسلمين الأبرياء، ولكنه أيضاً يرشد للعمل الصحيح والسليم لمعالجة هذا الظلم والفساد بما لا يفاقم الظلم والشر والفساد. وهذا الشباب المتطرف بسبب جهله بذلك، واتباعه لقيادات غير موثوقة شرعياً ولا موثوقة في فهم الواقع السياسي المعقد، يقع ضحية تنفيذ جرائم إرهابية ضد مجتمعه وأهله من دون أي فائدة، بل هي ضرر وشر محض.
من هنا، فإن المجتمع بعامة والشباب بخاصة، بحاجة إلى ثقافة شعبية واسعة تحصنهم من أفكار الغلو والتطرف. فمن المهم ترسيخ أولوية تعلم العلم الشرعي الصحيح من خلال مصادره الموثوقة الرسمية والأهلية، وترسيخ مكانة أهل العلم واحترامهم لقيمة العلم الذي يحملونه "... إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء..." (فاطر، الآية 28). لذلك، فإن الدعوات المحلية والعالمية التي تحمّل مسؤولية التطرف والغلو لكليات الشريعة والمساجد والجمعيات الإسلامية، هي اتهامات غالبا ما تنبع من أجندات معادية للإسلام نفسه!
وهذه الاتهامات الباطلة لهدم مكانة العلماء والمؤسسات الدينية الإسلامية هي مما سيفاقم مشكلة التطرف. وقد تبين أن سياسة تجفيف المنابع ضد العلم الشرعي التي تبنتها تونس لم تحمِها من التطرف، بل لقد كانت نسبة الشباب التونسي الملتحق بـ"داعش" من أكبر النسب في الدول العربية!
ولذلك يلزم في مجال العلم الشرعي ما يلى:
- دعم وتعزيز مكانة العلم والعلماء الشرعيين، وفتح المنابر الإعلامية أمامهم لبث التدين الصحيح والسليم، وتحصين المجتمع من فكر التطرف والغلو.
- زيادة مساحة التربية الإسلامية في المناهج التعليمية وتجويد محتواها، وبث ثقافة مقاومة الغلو والتطرف في ثناياها.
- إقامة الندوات والمؤتمرات العلمية المفيدة للخطباء والأئمة ومعلمي التربية الإسلامية وأساتذة الجامعات، لتعزير ثقافتهم في مقاومة التطرف والغلو والاستفادة من المتخصصين الشرعيين بذلك من الدول الأخرى.
- حث أساتذة الجامعات وطلبة الدراسات العليا على تفكيك خطاب وفكر التطرف والغلو من خلال أبحاث الترقية والرسائل الجامعية العليا.
- نشر ودعم الكتب المتخصصة بنقد فكر التطرف والغلو، وتفنيد شبهاتها، لترسيخ ثقافة دائمة ضد موجات التطرف والغلو.
- الاهتمام بطرح الحلول الشرعية الصحيحة لنصرة قضايا المسلمين والدفاع عن مقدساتهم وحماية الأبرياء والمستضعفين.
الوقفة الثانية: تتعلق بمقاومة الجهل بالتاريخ الكارثي والأسود لجماعات التطرف والغلو. إذ إن غالب الشباب المتورط في جرائم إرهابية هم من صغار السن (بحسب المعلومات الأولية عن خلية الكرك، هم في العشرينيات. وقاتل السفير الروسي عمره 22 سنة. ومنفذ عملية الدهس في ألمانيا عمر 24 سنة). وغالبا لا يعرفون التاريخ الكارثي لهذا المسار.
ويظن كثير من الشباب أن هذا هو الحل الوحيد أمام حالة العدوان التي تعاني منها الأمة؛ ولا يعرفون أن هذا الحل جرب عشرات المرات، وفي عشرات الدول، فلم يَنتج عنه إلا مزيد من العدوان على الأمة ومقدساتها ومقدراتها ورجالها ونسائها.
ماذا يعرف هؤلاء الشباب عن مأساة الصومال مع تنظيم "القاعدة"؟ وماذا يعرف عن مقتل 200 ألف في الجزائر بسبب جماعات العنف واختراق الأمن الجزائري والفرنسي لها؟ ماذا يعرف هؤلاء الشباب عن التجربة المرة لجماعات العنف في مصر في آخر عقدين من القرن الماضي؟ وقد لخص أحد منظري جماعات العنف، أبو مصعب السوري، ذلك بقوله: "كسبنا معارك كثيرة ولكننا خسرنا الحرب في كل الميادين"!
وممّا يعين على نشر هذه التوعية للشباب والمجتمع بشأن المسار الكارثي للعنف والتطرف:
- تخصيص برامج إعلامية تعرّف بالتجارب الكارثية لهذه الجماعات وتجاربها الدموية.
- تضمين إصدارات مكتبة الأسرة بعض الكتب التي تبين فساد هذا المسار فكراً ونتائج.
- التعريف والتنويه بالكتب التي تناولت هذا الجانب في وسائل الإعلام والتواصل.
- حث طلبة الدراسات العليا في قسم العلوم السياسية والتاريخية والشرعية على دراسة تجارب هذه الجماعات، وبيان النتائج السلبية المنبثقة عنها.
- إقامة ندوات حوارية مع الشباب في الجامعات حول هذه التجارب المدمرة.
الوقفة الثالثة: استثمار واقع الإرهاب القائم في المنطقة في محاربة التطرف والغلو. إذ عندنا واقع إرهابي مجرم في سورية والعراق، يتمثل في "داعش" و"القاعدة" و"النصرة" من جهة، والمليشيات الإيرانية والروس من جهة أخرى. لكن كثيرا من الناس والشباب يتعاطف مع "داعش" و"القاعدة" وإرهابهما باعتبارهما المنقذ من إرهاب الميلشيات الشيعية والروس. وهو الدور الذي يلعبه إعلام "داعش" و"القاعدة"، ما يولد مناخا موجها للانضمام لهذه الجماعات الإرهابية نصرةً للأبرياء والضعفاء والضحايا! لكن ليست هذه الحقيقة. فالحقيقة المغيبة هي أن "داعش" و"النصرة" تتقاطعان وتتخادمان مع المليشيات الإيرانية ونظام الملالي وبشار. إذ جرائم التنظيمين بحق السنة والمسلمين في العراق وسورية واليمن بقتل قادتهم وعلمائهم وثوارهم ومصادرة سلاحهم وتسليم مناطقهم لاحقاً للمليشيات الإيرانية، هي من أكبر أسباب تفوق تلك المليشيات. ولكشف حقيقة خيانة "داعش" و"القاعدة" واختراقهما من قبل الأعداء وتلاعبهم بهما بكل الوسائل والإمكانات، يلزم تسجيل شهادات الفصائل المقاوِمة في العراق وسورية لجرائم الإرهابيين، على غرار كتاب "الدولة الإسلامية بين الوهم والحقيقة" في العراق لمحمد المنصور. ونشر ذلك بين الناس والشباب سيكون له فاعلية كبيرة في فض حالة التعاطف معهما من قبل الشباب الغاضب، وسيجنب أمتنا خسارة مزيد من الطاقات الصادقة في فخ الإرهاب والتطرف، وسيجنب أمتنا كثيراً من العمليات الإرهابية، فانتهزوا الفرصة ولا تضيعوها.
الوقفة الرابعة: مقابل هذا الواقع السلبي لواقع التطرف والغلو في منطقتنا، هناك جانب إيجابي لم يحظ بما يستحق من متابعة وتعريف، هو ترجمة تراجع بعض الشخصيات والجماعات عن مسار العنف، كالجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد في مصر مثلاً. فلماذا لا يستفاد من قادة ورموز هؤلاء وغيرهم لمخاطبة الشباب بمخاطر وكوارث العنف والتطرف والتكفير والتفجير، باستضافتهم في ندوات حوارية مع الشباب في الجامعات ومؤتمرات فكرية للمؤثرين والفاعلين من الخطباء والمعلمين والكتاب وبرامج إعلامية لعامة الناس؟
إن انتهاز الفرصة السانحة لمحاربة التطرف والإرهاب والغلو يحتاج مع الإرادة لذلك، الوعي الصحيح بالمشكلة والاستثمار الأفضل للجانب الشرعي والفكري في ذلك، وتجاوز الإجراءات التقليدية التي تكلست بفعل الروتين والبيروقراطية من جهة، وتجاوز خرافات المغرضين العلمانيين واليساريين من شاكلة: "الإسلام هو المشكلة"، "هؤلاء نتاج المساجد والأنشطة الدعوية وكليات الشريعة"، وغيرها، بينما الوقائع تؤكد أن هؤلاء نتاج قطيعة مع المساجد وكليات الشريعة والعلماء والخطباء، وغالبهم خريجو كليات غير شرعية كحال خلية الكرك!
انتهزوا الفرصة واحموا شبابنا ووطننا.

التعليق