تدمير الذات العربية: الأفق المنشود

تم نشره في الجمعة 23 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:00 صباحاً

معاذ بني عامر

اليوم، إذ تعصف بالعالَم العربي موجة عاتية من العنف المميت، لا تستهدف الإنسان فحسب، بل تستهدف الاجتماع الإنساني بتجلياته كافة، فإنها تعمل على إنهاكه وتدميره بطريقة سيصبح معها العودة إلى الوراء أو الوقوف عند نقطة ما، لغاية البناء والإعمار من جديد، مسألة مُكلفة على المستويين:
1 - الأخلاقي. إذ كيف لقتيلٍ (أو لمُحبّيه أو أهله بالأحرى) أن يصفحوا عن قاتل حبيبهم، ويُفرّغوا أ- قلوبهم مما يعتمل فيها من حقدٍ وكراهيةٍ ورغبة عارمة في الانتقام؛ وب- عقولهم مما يُغذّيها من أفكار تعزيزية وتبريرية لفعل قاتل القتيل؛ ويصار من ثمّ الجلوس إلى طاولة واحدة لغاية مناقشة المشتركات بينهم، ومحاولة البحث عن أفق تراحمي لها؟
إنَّ خطأً قديماً بين "علي بن أبي طالب" و"معاوية بن أبي سفيان"، تحوَّل –مع مرور الزمن- إلى خطيئة مميتة، دمّرت الحيوات وأحالتها إلى حيوات مستنزفة أبد الدهر، إلى درجة أن كثيراً من البشر سُفكت دماؤهم على مذبح القداسات الزائفة، من دون أن يكون لهم ناقة أو جمل في هذه الحرب الذهنية العبثية قبل أن تكون حرباً عبثية على أرض الواقع. فـ"الأخ العقائدي" يعيش حالة من الاحتراب الدائم مع أخيه العقائدي الآخر، بصفته ضالاً ونجساً؛ إذ 1 - البنية العقلية للأخ المُغاير الرافض، تدفع باتجاه تأثيم الأخ المرفوض ذهنياً. فثمة تأسيسات عقلية لحالة الرفض، ستصل إلى حدّ اليقينات الإيمانية،  وستتجلّى لاحقاً على هيئة مذبحة مفتوحة. و2 - البنية القلبية للأخ المُغاير الرافض، تدفع باتجاه تقذير الأخ المرفوض. فالدمّ الذي يجري في عروقه دم نجس وغير طاهر، إذ ثمة اندفاعة سيكولوجية عنيفة، مبنية على حقد دفين ورغبة كبيرة في الثأر والانتقام، تجعل منه شخصاً غير مرغوب، إلى حدّ سيصل في كثير من الأحيان إلى القتل والذبح في الواقع المعيش.
إذا، ما نزال نُعاين تداعيات خطأ قديم، وندفع باتجاه إبراز ثنائية "الحق/ الباطل"، ليس بصفتها ثنائية تُبرز قيمة الذات كحالةِ طُهر خالصة، والآخر المرفوض كحالةِ دنس خالصة. مع ما تستوجبه هذه الثنائية من دفع باتجاه مزيد من العنف والعنف المضاد، سيجعل من قلوبنا أكثر ظلاماً وحقداً وكراهية، بحيث يصبح مدّ اليد إلى هذا الآخر لغاية مصافحته، وإشراع القلب لغاية مصالحته، وبسط العقل لغاية مصارحته، مسألة في غاية التعقيد، فالتجييش الدموي –من قبل الطرفين- يستدعي ثقافة غرائزية فورية، تعمل بشكل أوتوماتيكي على الثأر والانتقام.
في المقابل، ثمة خطايا آنية تتجلّى عنفاً دامياً في العالَم العربي، قد يكون تأثيرها على الأجيال المقبلة كما هي مؤثرة علينا الآن؛ فالرؤوس المُتطايرة قد تصبح مأثرتنا العابرة للأزمان، بما يجعلنا كائنات لا همّ  لها –على المستوى الوجودي بالأحرى- إلا تدمير ذاتها، والسعي إلى تخريب مكتسباتها أولاً بأول إلى حدّ التلاشي الكامل. ولنا عظة في خطأ قديم حدث قبل 1350 سنة وما يزال يفعل فعلته في عقولنا وقلوبنا حتى هذه اللحظة. فالأخطاء/ الخطايا، التي تحدث الآن قد تستدعي ألفاً ونيف من الآن، لكي يُنتبه إلى ما تحمله في طياتها من بذرة تدمير للذات العربية الجمعية، والعودة بها إلى زمنٍ غرائزي وحشي، لن يقرّ له قرار إلا إذا سفك الدماء ولعق خيطها الدافق في الشوارع.
ستسألنا الأجيال المقبلة: لِمَ لَمْ نتحدّث عن الحُبّ بشغف كما مارسنا القتل بشغف؟
هل يُجيب الأموات؟
إن المسؤولية الأخلاقية للإنسان بصفته كائناً انفصل عن سياقاته الحيوانية، واستطاع تطوير مدونة أخلاقية، جعلته يستشعر إثمية التسبّب بالألم ليس للبشر فحسب، بل لبقية الكائنات أيضاً، تُحتّم عليه –إذا ما أراد أن يكون إنساناً حريصاً على مستقبل العالَم لا مُدمّراً له- أن يترك إرثاً جميلاً لمن يأتون بعده، لا إرثاً قبيحاً يُسمّم حياتهم ويحوّلها إلى كابوس مُرعب. كما إن المسؤولية الأخلاقية تطرح سؤالا يمكن أن يطرح الإنسان معه، ولا سيما إذا كان مُتعصبّاً أو إلغائياً أو من دعاة القتل والذبح والسلخ: لماذا على الإنسان أن يورّث الأجيال المقبلة دماءً وأحقاداً، لا حُبّاً وحضارة؟! كما سألنا نحنُ أسلافنا: لماذا أورثتمونا هذا الإرث الثقيل، فحرفتم دربنا عن مسلكياتها الحقيقية؛ فَبَدَل أن نصنع حضارة وننشغل بهواجس كونية كبرى، انشغلنا بأمور تفاهة لم تحطّم حيواتنا فحسب، بل أحالتنا إلى العَدَم قبل أن نموت؟!
2 - الحضاري. فثقافة القتل للأخ المرفوض، ودخوله في حالةِ إفناء مع الأخ الرافض، تستجلب معها ثقافة تدميرية كاملة، تأتي على كل شيء في طريقها من بشر وحجر وعمران، بما يُعطّل حيوات الناس عن النهوض والعودة إلى البناء والإعمار، ويجعلها مشغولة بإعادة بناء ما كان مُدمّراً ومستباحاً لفترة طويلة. فأهالي المدن المنكوبة سيحتاجون لفترة طويلة لكي يُعيدوا ما تمّت إبادته وتسويته بالأرض، وسيأخذ من وقتهم الكثير، إلى حدّ أن الانشغالات الحضارية والمنافسة المعرفية –في المجالات الإبداعية المختلفة- على المستوى العالمي، ستكون نوعاً من الترف في ظلّ سقوف تدلف ماءً وبيوت مُتداعية وخزانات مياه فارغة وردم كبير... الخ. فالانشغال بهواجس حضارية كبرى على المستوى الفلسفي أو الديني أو العلمي او الأدبي، بحاجةٍ من ثمَّ إلى نوعٍ من الراحة الجسدية والعقلية والوجدانية والاجتماعية، لكي يستغل المرء وقته في اجتراح أنساق إبداعية جديدة، من شأنها وضعه في مصافّ المُبدعين الكبار، ليس على المستوى العربي فقط، بل على المستوى الإنساني بالأحرى.
رُبّ قائل: "مِنْ رَحِم المعاناة يُولد الإبداع"!
هذه المقولة مثل ورقة اليانصيب الفائزة؛ فمن بين مئة ألف ورقة قد تجد واحدة فائزة، ومن بين شعب منكوب قد تجد مُبدعاً أو اثنين. وهذا لن يُقدّم أو يُؤخّر في مسيرة التفلسف الحضاري لأمة من الأمم إلا على المستوى البعيد. أما على المستوى القريب، فإن إنتاج شرط حضاري بحاجةٍ إلى أجيال كاملة تنخرط في العمل الإبداعي بمستوياته المختلفة، وتشظّي هذا الشرط في بيئة مرتاحة: جسدياً/ عقلياً/ وجدانياً، وغير مشغولة بترميم خرابها، أو التبرير لمذابحها، أو التجييش لمعاركها.
وعليه، فنحن أحوج ما نكون إلى استتبابٍ لشرطينا الأخلاقي والحضاري، لكي نكسر حلقة الدمّ المُرعبة التي ندور في فلكها وتأكل حيواتنا وتقضم لحمنا يوماً إثر يوم، ونُعيد الاعتبار لذواتنا الأخلاقية والحضارية، ولا نشعر بأننا محض كائنات منذورة للخراب والتدمير من جهة، فالأحقاد الداخلية تفتك بها من الداخل وتُطيح بها من الأعالي إلى الأساسات؛ ونشعر –من جهة ثانية- بالهوان الحضاري، فنحن نتفرّج على الآخر الذي يتقدّم علينا في المجال الإبداعي، وهو يتفرّج علينا كيف نتذابح ونُصفّي بعضنا بعضاً.
بإزاء هذا الاحتياج، لربما أتت هذه الدعوة كدعوةٍ رومانسية ترفضها سياقات المنطق التذابحي التي تعصف بالمنطقة العربية من ركنها إلى ركنها؛ ليكن!
دعونا نلجأ إلى خيار قلوبنا اللينة –ولو لبعض الوقت- لا إلى خيار عقولنا القاسية، لأن النتيجة ستكون ذات تأثير ليس على حاضرنا فحسب، بل وعلى مستقبل الأجيال المقبلة أيضاً.

التعليق