"القرآن" ومفسِّروه: جدليّة "الفهم" و"إساءة الفهم"

تم نشره في الجمعة 23 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:00 صباحاً

د. نارت قاخون

لا شكّ أنّ "القرآن" ليس كلاماً "عاديّاً" ينتهي مسوّغ وجوده بتحقّق مقاصده ومعانيه؛ فالكلام العاديّ لا تكون القيمة الكبرى في ملفوظاته، بل في المعاني والمقاصد المرادة منه وحسب، ولا يكون مطلوباً من المتلقّي أن يقف مع الكلام نفسه بألفاظه، أي إنّ الملفوظ أو المكتوب من الكلام العاديّ يموت بمجرّد تحقّق معانيه ومقاصده، ولا يعود للحياة إلا إذا استجدت الحاجة لهذه المعاني والمقاصد.
والقارئ للقرآن مؤمناً به أو غير مؤمن، يجد نفسه مقابل نصٍّ جاء غنيّاً في قيمته "النّصّيّة" نفسها، فهو آية نبوّة النبيّ الكريم محمّد عليه الصلاة والسّلام، وهو الذي تحدّى العرب البلغاء أن يأتوا بسورة من مثله، حتى استقرّ في الخبرة المسلمة أنّ القرآن هو "معجزة الإسلام" الكبرى، ودليل صدق الرسالة وبرهان ربّانيّتها إلى يوم الدّين، هذا من منظور المؤمنين به. أمّا غير المؤمنين به، فقد يجادلون في كثير من الأمور، ولكن قد تجد أغلبهم يُقرّ بهذه القيمة البلاغيّة الفائقة في النّص القرآنيّ.
وهذه القيمة البلاغيّة الفائقة تتجلّى بما يُصطلح عليه في دراسات النّص والتأويليّات الحديثة بـ"الأدبيّة" التي تجعل القيمة العليا في المتن النّصّيّ نفسه، ممّا يجعله قابلاً للمعاني المتعدّدة والمتجدّدة أيضاً. وهذه السّمات من تعدّد المعاني وتجدّدها يُمكن التماسها بوضوح من خبرة التلقّي القرآنيّة منذ نزوله إلى يومنا هذا دون الحاجة إلى إيراد أحاديث أو آثار يُمكن الطعن في إسنادها وصحّتها "الإسناديّة" مثل ما يُنقل عن النبيّ الكريم من قوله في وصف القرآن: "ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة ردّ، ولا تنقضي عجائبه"، أو القول المشهور عن عليّ بن أبي طالب: "القرآن حمّال أوجه". فهذه الآثار يُغني عن جدل إسنادها صحّة مضمونها وتحقّقه في واقع الخبرة المسلمة؛ فما تزال "المذاهب الإسلاميّة" على اختلافها بل تناقضها أحياناً تجد لنفسها حجّة من القرآن، وما نزال لغاية اليوم وعلى الأرجح لزمن مقبل طويل نجد "الإرهابيّ المتطرّف" يستدّل بالقرآن على فهمه وأفعاله، فيقتل النّاس باسم الله والقرآن زاعماً أنّه يتمثّل بذلك النّص القرآنيّ وتعليماته، ونجد دعاة "الوسطيّة" و"الاعتدال" و"التجديد" كلّهم يزعم أنّ "القرآن" يشهد لهم ويقول بقولهم على اختلاف وتضادّ هذه الأقوال. وبين هذه "الأفهام المختلفة" حدّ التناقض نجد المذاهب والفرق والاتّجاهات المختلفة تزعم صحّة فهمها وخطأ فهم الآخرين؛ فكلّ يرى فهمه للقرآن "تفسيراً" له، ويرى أفهام غيره "تحريفاً" له.
ويُمكن تمثّل هذا الواقع الجدليّ بما حكاه "المقدسيّ" في كتابه "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم"، من أنّ رجلاً جاء لأحد العلماء فقال له: "إنّى رجل دخلت في جميع هذه الأهواء، فما أدخل في هوى منها إلّا "القرآن أدخلنى فيه"، ولم أخرج من هوى إلّا "القرآن أخرجني منه"، حتى بقيت ليس في يدي شيء"! فهذا الرجل يعبّر عن تجربته التي تمثّلت في "طواعية دلاليّة واستدلاليّة" للقرآن جعلت "القرآن" دليلاً له في اتّباع أهواء مختلفة، وكانت كذلك دليلاً له في ردّ الأقوال والخروج منها.
فهل كانت هذه "السّيولة الدّلاليّة" نتاج فهم هذا الرجل وحده، أم كان لـ"النّصّ القرآنيّ" دور في هذه السّيولة؟ قد نجد أغلب قرّاء القرآن ومفسّريه يقرّون بقدر من "السّيولة الدّلاليّة"، ولكنّها سيولة يراها مَن يراها ضمن حدود ما يقبله هو من المعاني والدّلالات؛ فيجعل هذه "السّيولة" مقبولة ضمن إطار مذهبه الكلّيّ، لكنّ هذه "السّيولة" تتحوّل إلى "ميوعة وتحريف" إذا جاءت من المذاهب المخالفة. والعيار الذي يتحدّد به المذهب توسّعاً وتضييقاً هو موقف "المتلقّي" نفسه. والدّراس للمذاهب الإسلاميّة قديماً وحديثاً يلحظ ذلك بوضوح ممّا يجعل بؤرة الفعل الدّلاليّ والاستدلاليّ تقع في دائرة المتلقّي لا النّصّ نفسه.
مقابل هذا الواقع في خبرة الفهم والتلقّي للقرآن يُمكن أن تُطرح أسئلة معرفيّة وفلسفيّة لا تتوقّف عند حدود "النّصّ القرآنيّ"، بل تتجاوزه إلى دائرة "اللّغة نفسها" التي قد تذهب بعض الاتّجاهات التأويليّة والنّقديّة والفلسفيّة لوصفها بـ"السّيولة" واستحالة القبض على "المعاني والدّلالات"، حتى تصير "النّصوص اللّغويّة" متعدّدة المعاني ومتجدّدة الدّلالات تعدّداً وتجدّداً "لانهائيّاً"، فتصير المعاني الممكنة على قدر القرّاء الممكنين وسياقاتهم المختلفة.
وهذا الطرح على ما يبدو في ظاهره من اتّساع أفق وإغناء دلاليّ إلا أنّه يقع في تصادم مباشر مع "الوظيفة المتوقّعة والناجزة" من الّلغة والنّصوص؛ فإنّ الّلغة والنّصوص نماذج أنجزتها الخبرة الإنسانيّة لتحقيق "التواصل والإيصال" بينهم، لذلك لا بدّ أن تقوم على "شيفرة مشتركة" و"نظام قارّ واضح" يُمكّن المتواصلين من فهم بعضهم بعضاً، لذلك فإنّ القول بـ"لانهائيّة المعاني" يؤول إلى "غياب المعنى ابتداءً"، فلا بدّ لّلغة ونصوصها أن تحمل في بنيتها ما يُحدّد المعنى المراد، أو المعاني الممكنة المقبولة مقابل المعاني غير الممكنة المرفوضة.
وهذا المطلب من الّلغة والنّصوص يكون أكثر إلحاحاً وضرورة من كتاب "دينيّ" مثل القرآن يقوم على مقصد تكليف متلقّيه بالإيمان به أولاً، ثمّ تكليف المؤمنين به بالعمل بأحكامه، ومحاسبة غير المؤمن به وغير العامل بأحكامه وتكليفاته، لذلك فإنّ مطلب "الوضوح" وتحديد المعاني المقبولة يتضاعف مع نصٍّ مثل "النّص القرآنيّ".
لمواجهة هذه المشكلة أو الإشكاليّة نجد أنّ الخبرة التفسيريّة المسلمة تستدعي غالباً آية "المحكم والمتشابه"، وهي "هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ" (آل عمران، الآية 7).
لكنّ هذه الآية التي تُساق في هذا المقام هي من أكثر الآيات "المتشابهة" بمعنى "تعدّد الدلالات" و"عسورة ضبط المقصود والمصداق فيها"؛ فالمتلقّون للقرآن يختلفون في تحديد مفهوم "المحكم"، ثمّ في تعيين "الآيات المحكمات" انعكاساً لمفهومهم عن "المحكم"، وكذلك الأمر في "مفهوم التشابه" وتعيينه، وكذلك معنى "التأويل". كما يختلفون في الوقف بين الوقف بعد لفظ الجلالة "الله"، والوقف بعد لفظ "العلم"، لذلك أصبحت هذه الآية سبباً في "التّشابه" وإنشاء "المتشابه" لا سبباً في "الإحكام" ورفع "التشابه"، فانتهى الأمر في الخبرة المسلمة إلى ‏ما قاله "الفخر الرازي": "واعلم أنّك لا ترى طائفة في الدنيا إلا وتسمي الآيات المطابقة لمذهبهم محكمة، والآيات ‏المطابقة لمذهب خصمهم متشابهة".‏
وهنا أتساءل: هل يتمثّل دور "القرآن" نصّاً ودلالاتٍ في سيولة وطواعية تُمكّن كلّ صاحب رأي وفكرة أن يلتمس حجّته من "القرآن"، فيكون "القرآن" تَبَعاً لأغراض القارئ ومقاصده؟ أم إنّ دور "القرآن" أن يحسم الدّلالات، ويقطع بين الأقوال والاتّجاهات فيكون حجّة معياريّة في أعلى درجات الضّبط ولا سيّما في الكبريات من القضايا؟
قد يُجيب كثير من متلقّي القرآن بأنّ الثاني هو مقصد القرآن ودوره. لكن لو نظرنا إلى خبرة التلقّي قديماً وحديثاً نرى أنّ الدور الأوّل هو الذي تحقّق واقعاً؛ فالفرق بين دعوى القائلين بالحسم وواقع الاختلاف والسّيولة و"اللاحسم" يُعيدنا للمربع الأوّل لنسأل: لمَ لم يحسم القرآن قوله في كثير من القضايا التي أسالت الدماء قبل الأحبار؟ وإن كان قد حسم فلمَ كانت سيرة تلقّي القرآن وخبرة تفسيره سيرةً من "سوء الفهم" لا يضبط حدود المسافة بين "الفهم الصحيح" و"إساءة الفهم" إلا ما يدّعيه كلّ متلقٍ حين يجعل فهمه معيار الصّحة والصوابيّة؟
هل كان في النّص القرآنيّ ما يكفي للحسم اللازم فضيّعه المتلقّون غفلة وتغافلاً؟ أم لم يكن فيه؟ فإن لم يكن فيه ما يكفي للحسم، فهل لأنّ غرضه ابتداء أن لا يحسم الأمر بالوضوح المُلزِم لجميع متلقّيه على اختلاف مستويات تلقيهم؟
هذه أسئلة تتفرّع عنها أسئلة تستدعي تتمة للحديث لن أزعم أنّني مجيب عنها بقدر ما أحاول تقليب وجوه النّظر فيها.

التعليق