"لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض"

تم نشره في الجمعة 23 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:00 صباحاً

أ. د. محمد خازر المجالي

من المعلوم والمؤكَّد في الإسلام حرمة الدماء والأموال والأعراض، كما قال صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وقبيل وفاته: "ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا". وقال أيضا في الأمر نفسه: "كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه". فالإسلام معني بالسلم العالمي فضلا عن السلم المجتمعي والأسري، رسالته عامة لخصها تعالى بمهمة نبيه الأكرم صلى الله عليه وسلم: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ" (الأنبياء، الآية 107). والعلماء متفقون على أن الشريعة خير كلها، فأحكامها شُرّعت إما لدفع ضر أو جلب منفعة، وفي ذلك سعادة الإنسان وأمنه ورقيّه.
ولأن الشر موجود، وأتباعه موجودون، فلا تسلم الحال من هذه الاضطرابات والنكد وسفك الدماء. فالصراع بين الحق والباطل موجود، وعوامل الضغائن بين الناس موجودة، بدأها ابن آدم حين قتل أخاه، فعقّب الله بقوله: "مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ" (المائدة، الآية 32). وعجيب أن الآية تذكرنا بأن هذا ما كتبه الله على بني إسرائيل على وجه التحديد، ربما لأنهم أكثر من غيرهم مستحلّون للدماء؛ وهو شيء مفروض علينا أيضا، حيث تحريم قتل النفس، بل على العكس إحياؤها، وإيجاد عوامل إحيائها بالكامل، الحياة الحقيقية التي بها كرامته وحريته وبالتالي عطاؤه وإيجابيته في الحياة، فهذا ما يريده الإسلام العظيم.
لقد حذّر القرآن والرسول عليه الصلاة والسلام من القتل، بل من إخافة الإنسان أخاه الإنسان، فقال عليه الصلاة والسلام: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض"، وقال: "من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه"، هذا بالإشارة بسيف أو ما شابهه، فكيف بمن يقتل ويستحل القتل؟!
وبين صلى الله عليه وسلم بدعة القتل التي ستكون في الأمة. ومِن الذين استحلوا دماء المسلمين فرقة الخوارج، تلك التي خرجت على علي رضي الله عنه، وتحدثوا بما يتأولونه خطأ من كتاب الله، فقالوا مستنكرين قبول التحكيم بين المسلمين: "إن الحكم إلا لله". وهو نص قرآني، لكنهم اجتزأوه وأرادوا معنى آخر غير الذي ورد لأجله؛ فقد أرادوا أن لا نقبل بالتحكيم وليكن السيف فاصلا بيننا وبينهم، فقال علي رضي الله عنه قولته المشهورة: "كلمة حق أريد بها باطل"، ولم يقاتلهم حتى بدأوا هم بقتال المسلمين، وحينها قاتلهم علي رضي الله عنه، وهو راوي حديث ظهور الخوارج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولم تنته هذه الفرقة تاريخيا؛ ففكرها على الأقل موجود، ومواقفها من المخالفين من أهل القبلة هي نفسها القديمة، وإن تغيرت عباراتها. فقد كانت في الماضي حول مرتكب الكبيرة وأنه كافر مخلَّد في النار، وبعض الأمور كرؤية الله في الآخرة، وخلق القرآن. لكن الأخطر هو الجرأة على قتل المسلمين. وهذا الفهم السطحي للنصوص من دون أن يُعملوا عقولهم أو يتدبروه.
والعجيب أن بعض من يمارس فكر الخوارج التكفيري هم من يذمون الخوارج نظريا، لكنهم مشبَعون بأفكارهم، خاصة الشدة على المسلمين. فالأصل هو قوله تعالى: "... أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ..." (الفتح، الآية 29)، وقوله: "... أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ..." (المائدة، الآية 54). وقد ورد عن الخوارج أنهم يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان! لوثة عملت في عقولهم العجائب، فاستحلوا بسببها دماء المسلمين، بل كفّروهم، مع أن الرأي الأصح عند علمائنا أن الخوارج رغم ما فعلوه لكنهم بغاة لا كفار. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فَإِنَّ الْأُمَّةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى ذَمِّ الْخَوَارِجِ وَتَضْلِيلِهِمْ وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي تَكْفِيرِهِمْ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَفِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا نِزَاعٌ فِي كُفْرِهِمْ". وقال الإمام الآجري رحمه الله: "لم يختلف العلماء قديما وحديثا أن الخوارج قوم سوء، عصاة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وإن صلوا وصاموا واجتهدوا في العبادة، فليس ذلك بنافع لهم، وإن أظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس ذلك بنافع لهم؛ لأنهم قوم يتأولون القرآن على ما يهوون".
وفي الحديث عن ‏عَلِيٌّ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما يؤكد ظهور هذه الفرقة واستمرار فكرها، فقال‏: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏يَقُولُ: "‏يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ ‏سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ،‏ ‏يَمْرُقُونَ ‏مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا ‏يَمْرُقُ ‏السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (رواه البخاري ومسلم). ولا ننسى حديث ذي الخويصرة عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم عنه :"إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ ‏‏لَا يُجَاوِزُ ‏حَنَاجِرَهُمْ،‏ ‏يَمْرُقُونَ ‏مِنْهُ كَمَا ‏يَمْرُقُ‏ ‏السَّهْمُ مِنْ ‏الرَّمِيَّةِ" (رواه البخاري ومسلم). وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: "وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْل الْأُصُول مِنْ أَهْل السُّنَّة إِلَى أَنَّ الْخَوَارِج فُسَّاق وَأَنَّ حُكْم الْإِسْلَام يَجْرِي عَلَيْهِمْ لِتَلَفُّظِهِمْ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَمُوَاظَبَتِهِمْ عَلَى أَرْكَان الْإِسْلَام، وَإِنَّمَا فُسِّقُوا بِتَكْفِيرِهِمْ الْمُسْلِمِينَ مُسْتَنِدِينَ إِلَى تَأْوِيل فَاسِد وَجَرَّهُمْ ذَلِكَ إِلَى اِسْتِبَاحَة دِمَاء مُخَالِفِيهِمْ وَأَمْوَالهمْ وَالشَّهَادَة عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ وَالشِّرْك".
وحين يتحدث صلى الله عليه وسلم عن أوصافهم: "حدثاء الأسنان"، و"سفهاء الأحلام"، و"يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم"؛ فهذه أوصاف دقيقة. إذ هم صغار السن لم يتعلموا لا من الشرع ولا من الحياة، تستفزهم المواقف والعواطف. وهذا ما يؤكده وصف "سفهاء الأحلام". أما الوصف الأخير فهو الأخطر؛ فهم عبّاد وقرّاء، وجاء في النص أن أحدنا يحقر صلاته مع صلاتهم وقراءته مع قراءتهم، ولكن ما أسهل خروجهم من الدين، كما يمرق (يخرج) السهم من الرميّة.
بالعلم والحكمة والحوار وجدية التزامنا بديننا، نستطيع أن نقضي على هذه الظاهرة أو تخفيفها، تماما كما فعل علي رضي الله عنه معهم حين أرسل ابن عباس رضي الله عنهما ليحاورهم، ورجع عدد كبير منهم إلى الجادة.

التعليق