جميل النمري

التقييم

تم نشره في الجمعة 23 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:09 صباحاً

تقييم المواجهة الأخيرة مع الإرهاب سياسيا، يسجل بالكامل لصالحنا. فقد ثبت أنه لا وجود في المجتمع الأردني لبيئة حاضنة للأجندة الظلامية والإرهابية، مهما كانت المشكلات والظروف المعيشية التي يعاني منها المواطنون؛ إذ ظهر كل مواطن كحارس أمن جاهز للقيام بدوره. وقد هب الشعب الأردني غاضبا ضد الإرهابيين. وفي مواقع الاشتباكات، اندفع مواطنون عفويا لمشاركة أشاوس الأمن في المعركة. كما تقاطر الأردنيون من كل المحافظات إلى بيوت العزاء، وأقامت مختلف النقابات والمنظمات والجمعيات والهيئات وقفات تضامن وطنية في كل مكان. واليوم، ستنزل مسيرات تنديد بالإرهاب والإرهابيين. وأيضاً، اكتظت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بالمشاركات التي تعبر عن نبذها واحتقارها للأجندة المتوحشة والإجرامية للتطرف، كما أكدت هذه المشاركات الالتفاف حول قيادة البلد وحول القوى الأمنية التي أظهرت الصلابة والشجاعة والإقدام المستندين إلى وعي كامل بالدور المقدس المنوط بها لحماية هذا البلد وشعبه من الشر الذي أحاق بجيراننا.
النصر السياسي الكاسح يتمثل في هذا الإجماع الوطني الحقيقي والجذري ضد التطرف والإرهاب، والتمسك بدولتنا ونظامنا السياسي المدني المتحضر.
أما لجهة التقييم الفني الميداني للمواجهات، فالأمر يحتاج لدراسة لاحقة. ونحن تعودنا على كفاءة واحترافية عالية وقدرة استخبارية مشهودة، أدت إلى إجهاض الكثير من المحاولات الإرهابية السابقة. وفي هذه المرة أيضا تم إجهاض مشروع تفجيرات لا يعلم إلا الله ما كانت ستلحقه من كوارث بشرية، لكن بتضحيات غير قليلة. وعلى كل حال، لا أعتقد أنه من الصحيح أن يتحول الأردنيون كلهم الآن إلى خبراء يفتون بهذا الأمر. ومن المؤكد أن أصحاب الشأن سيعكفون مليا على دراسة التجربة والخروج بدروس ثمينة على مستوى الإدارة الميدانية والتنسيق والتخطيط والتدريب والتأهيل لهذا النمط من المواجهات مع أناس قضيتهم هي قتل أكبر عدد ممكن قبل الموت.
ثم هناك ما هو أصعب، ويتعلق بالثقافة العامة والتداول الكثيف للأقاويل والإشاعات والادعاءات غير المعقولة التي فاضت بها وسائل التواصل الاجتماعي.
يبقى استخلاص رؤية وبرنامج للمستقبل. صحيح، كما قلنا، أن الداعشية تفتقر إلى بيئة حاضنة في الأردن؛ لكن انجذاب بعض الشباب للالتحاق بـ"داعش" وتنظيمات متطرفة أخرى في سورية يشهد تحولا. إذ أصبح هؤلاء العائدون، وآخرون على علاقة معهم، على استعداد لتنفيذ أعمال إرهابية وحشية داخل الأردن. يجب قراءة هذه الفرضية والتدقيق في مسارها؛ إذ يمكن أن نتصور أن تراجع الانجذاب إلى "داعش" والانضواء تحت لوائه مع انتهاء الاندفاعة الكبرى للتنظيم يترافق عند هؤلاء الذين قطعوا شوطا في الانتماء لهذا الفكر مع ميل يائس للذهاب حتى النهاية الدموية، بتجسيد هذه الممارسة في بلدهم نفسه؛ أي القتل والإجرام الانتحاريان كما تبديا في المواجهة الأخيرة. وعناصر المجموعة الأخيرة قد يكونون جزءا من أعداد أخرى منزاحة لنفس التوجه. وهذا الاستخلاص يعني الكثير أمنيا واستخباريا في التعامل مع هذه الفئة، طبعا من دون التراجع عن سياسة تشجيع من يريدون مخلصين العودة عن هذا الضلال. لكن الأمر شديد التعقيد على هذا الصعيد، وليس بالمهمة السهلة أبدا على الأجهزة المعنية التحقق من النوايا واتخاذ القرار الصحيح.
المهمة على عاتق الأجهزة الأمنية كبيرة ومعقدة، والمسؤولية هائلة. والبلد ليس في خطر وجودي، لكن أرواح عدد لا يحصى من الرجال والنساء والأطفال، كما الاقتصاد، تتعلق بالنجاح في هذه المهمة الكبرى. ولا ننسى أبدا أن الحاضنة الأوسع للنجاح الأمني هي الغطاء الأوسع السياسي الاجتماعي الثقافي، ولهذا حديث آخر.

التعليق