ما المواطنة؟ (1/ 2)

تم نشره في الجمعة 23 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:08 صباحاً

تستمدّ جميع قوانين حقوق الإنسان -بلا استثناء- شرعيتها وعالميتها من مبدأ واحد هو الكرامة الإنسانية، وتتسلسل منه. بينما يرى فلاسفة آخرون، مثل ريتشارد دجر، أنها تنبع من مبدأ الاستقلال الذاتي أو الحرية الذاتية (Autonomy)؛ أي حكم المرء نفسه بنفسه. بمعنى أن الحرية تبعاً لذلك هي مصدر حقوق الإنسان، والدولة موجودة لحمايتها بسلطتها المستمدة من الشعب.
تقابل الكرامة والحرية قضية لا تقل أهمية، هي قضيته المواطنة أو علاقة الفرد بالمجتمع، كما يقول دجر. أي إنه إذا كان الإنسان -حسب قاعدة أو مبدأ الاستقلال الذاتي أو الحرية الفردية- ينظر إلى داخله أو في نفسه لحكم نفسه، فإنه بالمواطنة ينظر إلى الخارج، أي إلى علاقته مع المجتمع؛ أو مع ما يسمى بالصالح الخاص والصالح العام. والدور الخارجي هذا هو الذي يقوم به الفرد كمواطن.
أما الفضيلة المدنية، فهي تصرّف أو ترتيب يتم به تغليب الصالح العام أو المصلحة العامة، على الصالح الخاص أو المصلحة الخاصة. والفساد هو أكبر عدو لهذه الفضيلة أو العلاقة، لأنه يهدد دور الفرد كمواطن، فيقلّصه أو يحطُّ منه. وقد ينتهي بجلوس طاغية على كرسي الحكم يجعل المواطن مجرد تابع له لا مستقلاً. في دولة القانون، لا يخضع المواطن لأشخاص، بل للقانون. فالقانون دائم والأشخاص عابرون؛ أي إنه لا يخضع لمطالب الحكام الذين يتصرفون بعيداً عن القانون، وإلا فقد صفة المواطنة أو الفضيلة المدنية. ومثلما يحمي القانون كرامة/ استقلالية (حرية) المواطن، فإنه يحمي متطلباته الخاصة أيضاً، على أن لا تصبح من الضخامة وسيلة لاستعباد الناس، أي للقضاء على استقلالهم الذاتي، حسب ما يقول جان جاك روسو.  الفساد تهديد خطر لحكم القانون. ولما كان الأمر كذلك، كان لا بد من تربية الفرد وتعليمه للانصياع لحكم القانون ولتلبية نداء الواجب (أو الفضيلة المدنية). أي تربيته على ضبط انفعالاته وعواطفه (أنانيته وطموحاته) ومراقبتها، بحيث يظل مواطناً ملتزماً بالصالح العام. وعندئذ تصبح المواطنة طريقة حياة؛ التزاما بالصالح العام ومشاركة فاعلة في الشؤون العامة، حسب روسو الذي كان يخشى اختفاء الفضيلة المدنية في القرن الثامن عشر، فلا يبقى سوى أطباء ومهندسين وكيماويين وفلكيين وشعراء وموسيقيين... كثيرين، لكن من دون مواطنين بسبب الفساد.
ويميز روسو بين نوعين من المواطنة، هما: المواطنة القانونية، والمواطنة الأخلاقية. فالبعد القانوني في المواطنة ضروري ليكون المرء عضواً في المجتمع، أو ينتسب إلى دولة ويتمتع بحقوق معينة، ويؤدي واجبات معينة. لكن المواطنة كوضع قانوني يمكن أن تهتز إذا اعتقد شخص ما أن بقية الناس يتعاملون معه كمواطن من الدرجة الثانية. وهكذا نصبح بحاجة إلى ما هو أبعد من البعد القانوني في المواطنة، وهو البعد الأخلاقي أو المواطنة الأخلاقية، التي تعني أو تستدعي واجب العمل أو التعاون مع بقية المواطنين لخدمة الصالح العام. إن مجرد التصويت أو الاقتراع في الانتخابات لا يكفي لتلبية متطلبات المواطنة؛ إنها أبعد من ذلك، إنها العمل مع بقية المواطنين لحل مشكلات المجتمع وخدمة الصالح العام. وعليه، فإن المواطنة الحقة أو الصالحة تتطلب منا إضافة البعد الأخلاقي إلى البعد القانوني في المواطنة، ليكون للمواطن الصالح أو الصادق في مواطنته دور فعال في الحياة العامة، وبحيث تتجاوز مرحلة العرضية في الذهاب إلى صندوق الاقتراع –مثلاً– وإدارة ظهره بعد ذلك للمجتمع.
لا تعني المواطنة الأخلاقية التضحية الدائمة بالصالح الخاص للصالح العام؛ بل يجب أن يعقد اتفاق جوهري أو يحدث تلاق بينهما. وإذا حدث تعارض فقد يجد المواطن الصالح نفسه مستعداً للتضحية بمصلحته الآنية لصالح الصالح العام، لأن التضحية تحقق مصلحته الخاصة في المدى البعيد إذا أحسن قراءة الأمر. وهو ما نحتاج إليه في الأردن اليوم لمواجهة التحديات والأخطار المحلية والإقليمية والدولية.

التعليق