عيسى الشعيبي

صفحة روسية من دفتر الحرب السورية

تم نشره في الجمعة 23 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:05 صباحاً

رغم امتلاكه موارد مالية وتكنولوجيات حديثة، ما يزال الإعلام الروسي أحادياً انتقائياً، محكوماً بعقلية لا تحترم عقول المخاطبين برسالته الدعائية الفظة، ولا تقيم وزناً للمصداقية أو للرأي الآخر، وغير ذلك من الاعتبارات والأسس والمقومات التي تحكم هذه الصناعة الهائلة؛ الأمر الذي صرف الاهتمام عن هذه الماكينة المشغولة فقط بتلميع صورة الدولة القوية.
في بلد ليس فيه تعددية سياسية أو حرية صحافة، فإن من يحفلون بما يصدر عن وسائل الإعلام الروسية من مواد إخبارية وتقارير حكومية، هم قلة قليلة تعيش الزمن الماضي الجميل، وتخلط كثيراً بين الاتحاد السوفياتي السابق وبين روسيا الاتحادية، ولا سيما في العالم العربي، رغم الفوارق الجوهرية بين السلف والخلف في أشياء لا حصر لها.
كان هذا الاستدراك ضرورياً قبل عرض مقابلة لافتة، أحسب أنها تخاطب الجمهور الروسي بصفة خاصة، أجرتها صحيفة موسكوفية قبل نحو أسبوعين، مع عقيد (وليس مع جنرال متقاعد كما هي العادة الدارجة) يبدو أنه مطلع عن قرب على مجريات الحرب السورية. وألقى من خلال إجاباته الضوء على جوانب مخفية عن الرأي العام حول أداء الجيش النظامي السوري. وقال كلاماً يكتسب أهميته من كونه صادراً عن مرجعية عسكرية روسية.
فبحسب ما تداولته مصادر أخبار ومواقع إلكترونية عديد، وفي سابقة غير مسبوقة، نشرت صحيفة "غازيتا روسيا" مقابلة مع العقيد ميخائيل خودار بونوك، تضمنت أحكاماً قاسية ضد أداء سائر القوات الحليفة في سورية، من مليشيات إيرانية ومحلية، ناهيك عن جيش الأسد نفسه. ولا ندري ما الغاية من وراء نشر مثل هذه التقييمات التي لا يمكن تصديقها لولا أنها جاءت على لسان عقيد ليس متقاعدا أو منشقا، بل يعرف عما يتحدث، ويرى المشهد من الداخل.
ومع أن هذه المقابلة اللافتة، وقعت كالصاعقة على رؤوس الذين لا يكذبون أياً من الترهات المتواترة ليلاً ونهاراً على ألسنة الناطقين الروس، ودفعتهم إلى صمت أهل الكهف إزاء ما جاء فيها، فإن من المفيد عرضها بإيجاز لمزيد من الفائدة، ولا سيما أنها أتت في غمرة الاحتفالات بمعركة حلب، التي زعم فيها الإيرانيون أن نبي المسلمين قادها، ثم أمّ المقاتلين في صلاة شكر جماعية، في إشارة إلى أن هذه المعركة تعادل معركة فتح مكة من حيث الأهمية التاريخية.
يقول هذا الكولونيل الذي يتحدث عن معرفة استخبارية على ما يبدو، أنه أثناء معركة حلب كانت سلطات الأسد تتحدث للسوريين عن بطولات الجيش الخارقة، وعن تضحياته بالغالي والنفيس في معركة تدمر المتزامنة، فيما كان الواقع عكس ذلك تماماً. إذ كان ضباط الأسد وجنوده يلقون بأسلحتهم الخفيفة، ويتركون آلياتهم ومعداتهم الثقيلة، ويلوذون بالفرار هائمين على وجوههم في البادية.
ويخبرنا هذا العقيد أن أول الهاربين كان نائب رئيس هيئة الأركان العامة، تبعه مذعوراً رئيس هيئة عمليات جيش الأسد، وقائد قوات المدفعية والصواريخ، ورئيس أركان الفيلق الثالث، وقائد الفرقة 18 دبابات، وقائد أركان الفيلق الثالث، وقادة آخرون أدنى في التراتبية العسكرية، الأمر الذي جعله يطرح سؤالاً مشفوعاً بالقلق، عن قدرة الجيش النظامي المنهك على الصمود أكثر.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد. يقول العقيد؛ عُثر بصعوبة على نائب رئيس هيئة أركان جيش الأسد بعد يومين، ثم جرى تثبيت هؤلاء "المذعورين الجبناء وإرجاعهم إلى مواقعهم المؤقتة. لكنهم هربوا من جديد". الأمر الذي يستنتج معه العقيد الملتاع، بعدم الضرورة، والحالة هذه، لمعركة استرجاع تدمر، لأن الحفاظ عليها في مثل هذه الجاهزية العسكرية المهلهلة، أمر غير ممكن.
في وصفه للتشكيلات العسكرية السورية، يقول الراوي الروسي المطلع على سير المعارك عن كثب؛ إنها باتت تضر أكثر مما تنفع، وأن قادة حزب الله يثرثرون أكثر مما يقاتلون، و"الفاطميون" (الأفغان) يثيرون الغبار بلا أفعال، والحرس الثوري الإيراني يقفون كالأصنام، الأمر الذي جعل المستشارين الروس يقولون إنه لا تجدر الثقة بهؤلاء الذين يطلبون الذخائر ويهدرونها ثم يطلبون المزيد.
إذا كان رأي العسكريين الروس على هذا النحو من الشك بحلفائهم، فإن السؤال هو: إلى متى سيستمر هذا التحالف وسط هذه الاتهامات القاسية؟

التعليق