موفق ملكاوي

رفض الإرهاب: مواقف انتقائية و"متدحرجة"

تم نشره في السبت 24 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:06 صباحاً

خلال الأسبوع الماضي، أدمنّا متابعة الأخبار العاجلة، ولهثنا وراء كل خبر قادم من الجنوب. وتسنى لنا، كذلك، أن نفكر طويلا في الأوضاع التي قادت إلى مثل هذه الحوادث الأليمة التي أصابت قلوب الأردنيين جميعهم.
بعيدا عن المقولات حول "رخاوة الجبهة الداخلية"، فلا يمكن أن تذهب أحداث العام 2016، وما شهده بلدنا من عمليات أليمة، من دون مراجعات شاملة للمنظومات الفكرية والتثقيفية والأخلاقية التي تحكم مجتمعاتنا.
لا يمكن أن نكون جادين في التنظير لخطورة "مماحكات" تتم بين جمهوري فريقين كرويين، وتضخيمها من خلال تصويرها بأنها مسمار في نعش الوحدة الوطنية، بينما نحن نمارس صمتا مشبوها تجاه الأدوات الثقافية السائدة في المجتمع، ومصادر التأثير والتأثر التي تفرض سطوتها على واقعنا.
إذا كان هناك إجماع بين الأردنيين على أن تصرفات الإرهابيين لا تمت إلى الإسلام بصلة، فمن أين يأتي هؤلاء بـ"التعاليم الدينية" التي يحاولون فرضها بالقوة داخل المجتمع، والتي تبيح لهم إشاعة القتل والفوضى والفتنة، وهي أعمال مرفوضة دينيا، بحسب النصوص الصريحة؟!
في قراءة بسيطة، لا بد أن نهتدي إلى أن مصدر ذلك، في معظمه، يتأتى من التعليم الديني غير المنضبط، ومن التعليم بشكل عام أيضا، والذي ساد خلال العقدين الماضيين. ومصطلح "غير المنضبط"، لا أقصد به المناهج فحسب، بل أيضا المنابر الدينية والقنوات الفضائية، والمراكز والجمعيات التي تزدهر في كثير من الأحيان تحت عناوين خادعة.
والتعليم بشكل عام، أقصد به عدم تطوير آليات التعلم بما يحيله من عملية يحكمها التلقي، إلى عملية تفاعلية أساسها العقل. وأيضا نوعية بعض المعلمين، خصوصا الغاضبين أو الساخطين منهم؛ من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وبعضهم ما يزال يطرح حتى اليوم فكرة "عدم شرعية الدولة"، إما لقناعات دينية، أو لقناعات قومية ووطنية، والذين يسهمون في إنشاء أجيال غير مؤمنة بوطنها.
التطرف اليوم يأتي واضحا تحت شعار الدين. ومع الإقرار بمتانة جبهتنا الداخلية، إلا أن هناك فئة تخرج عن هذه الوحدة، وتؤمن بالعنف طريقا لفرض قناعاتها. ولنعترف، كذلك، بفئة ثانية تتعاطف وتدعم هذه القناعات، وترى أن ما تقوم به "شرعي"، سواء لجهة جذوره الدينية، أو لجهة الأحقية في فرضه بالقوة، ما يمثل حواضن اجتماعية لهذا الفكر.
لكن الأمر لا يتوقف عند هاتين الفئتين، بل يتعداه إلى فئة ثالثة، قد تشكل خطرا أكبر من سابقتيها، لأنها قادرة على إدارة الجدل والترويج والتبرير. فهي تدين العنف محليا، بينما تدافع عنه في الخارج، كما هو حاصل من "فصام" لدى بعض المجموعات في تعاملها مع الفوضى الكبيرة في سورية حيث "تزدهر" جميع أنواع التنظيمات الإرهابية.
صحيح أن الوضع شديد التعقيد هناك، خصوصا بوجود نظام يمارس الإبادة والتهجير بحق شعبه، واستعان على ذلك بدول وتنظيمات مسلحة ومرتزقة، ولكن حتى مع هذا الوضع، فهل يجوز لأحد أن يؤمن باستخدام "السلاح القذر" لنصرة قضية عادلة!
إن هذا السلوك يطرح على وعينا سؤالا أخلاقيا مهمًا حول إمكانات تبرير التطرف والإرهاب، وهل هناك، حقا، موقف مبدئي منه، أم إنها مواقف انتقائية و"متدحرجة"، مرشحة للتغير بحسب موازين القوى على الأرض؟
هذه الفئات ومرجعياتها الفكرية وأبواب وأماكن ازدهارها، هي الخطر الكامن داخل مجتمعنا الأردني اليوم، وهي التي ينبغي أن نخشى منها على وجودنا ومستقبلنا، خصوصا أنها تمارس "تقية" خطيرة لإخفاء القناعات الفعلية، وبعضها يمارس انتقائية مرحلية، سرعان ما سيلجأ إلى تغييرها عندما يساعده الشرط الزمني على ذلك.

التعليق