نضال منصور

أسئلة ما بعد العمليات الإرهابية في الكرك

تم نشره في الأحد 25 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:04 صباحاً


بكل إباء تصدت الكرك بأهلها وناسها للإرهابيين وسطروا أروع معاني التضحية والفداء، وبكل فخر لفظت قلعة الكرك الإرهابيين فهي لم تكن الا حصناً وملاذا للفرسان أصحاب الحق، وجحيماً للغزاة والإرهابيين.
كان الأردن طوال الأسبوع الماضي على موعد مع امتحان الوحدة الوطنية ونجح به باقتدار، حين توحد الجميع في مواجهة خفافيش الظلام الذين حاولوا المس بالأردن، فكان الرد ... الوطن ترخص له الأرواح.
أيام صعبة مرت علينا سال فيها دم الشهداء "عسكريين ومدنيين" وصبر الناس حتى انقشعت الغمة، وأصبحت مراجعة ما حدث لتعلم الدروس ومعرفة المشكلات وتجنب الأخطاء واجبة من أجل الوطن وحمايته من المتطرفين الذين لا يقيمون وزناً للإنسان.
إدانة الإرهاب وحدها لا تكفي لحماية المواطنين وحقن دمائهم، ومواساة أهالي الشهداء وتقديم أصدق مشاعر العزاء ولهم واجبة، ولكن الأهم قطع الطريق على الإرهابيين، ومنع تكرار الفاجعة بفقدان الأبناء وتجنيب الأردنيين المحن.
بالطبع نقدر الظروف والتحديات التي مرت بها الحكومة والأجهزة الأمنية خلال العمليات الإرهابية، وندرك يقيناً أن تكاتف مؤسسات الدولة أول طريق النجاح لمواجهة الفكر المتطرف والظلامي، ونعلم أن الحكومة أدركت بأن المقاربات الأمنية وحدها لا تكفي لدحر الإرهابيين ومنع وصول نارهم لبلدنا.
أكثر من سؤال صار ضرورة أن يطرح بعد العمليات الإرهابية التي حدثت بالكرك، أولها هل ظهرت الحكومة وأجهزتها الأمنية بالجاهزية الكافية للتعامل مع مخاطر الإرهاب؟
كثير من المراقبين يرون أن أداء الحكومة كان مرتبكاً، ولم يكن هناك تدفق منتظم للمعلومات للناس، ما تسبب بانتشار الفوضى والإشاعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتكاثرت الاتهامات للحكومة بالتقصير وحتى بالإساءة لصورة الأجهزة الأمنية واحترافيتها من خلال الروايات غير المتماسكة التي تقدمها عن ما يحدث.
نفهم ونعلم أن تقديم المعلومات للجمهور لا يعني كشف حيثيات التحقيق، ولا التأثير على سير العمليات الأمنية، وفي ذات الوقت كلما تركت الحكومة قيادة المشهد زاد التوتر والقلق وتسربت معلومات مشوشة أثارت غضب الرأي العام.
واجهت فرنسا العام الماضي اختباراً صعباً مع الإرهاب وفي يوم واحد وفي أكثر من مكان ضرب الإرهاب في وسط العاصمة باريس، وما أزال أتذكر كيف أن "النائب العام" المكلف بمتابعة العمليات الإرهابية كان يخرج "بإيجاز" صحفي أكثر من مرة في اليوم يقدم المعلومات والتفاصيل دون أن يلحق الضرر بسير العمليات الأمنية المستمرة ومطاردة الإرهابيين.
لا بأس أن نعترف أن علينا أن نتعلم، وهذا يتطلب أيضاً أن نطور آليات عملنا في التعامل مع الأزمات، وحتى أن يكون لدينا إعلام متخصص بإدارة الأزمات والتواصل مع الجمهور.
الإرهاب عابر للحدود وهذا خطر يقلق، ولكن العمليات الإرهابية في الكرك أكدت ما كان معروفاً بأن هناك حواضن مجتمعية للفكر المتطرف، وأن الاستهداف القادم من الداخل لا يقل خطورة عن القادم من الخارج، ولهذا فإن الخطوة الأكثر أهمية هي كيف نجفف منابع الفكر الإرهابي ونقطع حلقة الوصل بينه وبين الناس فلا يصبح قادراً على الاستقطاب والتجنيد لتصنيع وحوش بشرية؟
قطع الطريق على الإرهاب حتى لا يحقق اختراقاً في مجتمعنا يكون أيضاً بتعزيز قيم العدالة وسيادة القانون ومنع انتشار الفقر والبطالة، وتطوير منظومة التعليم، وصيانة حقوق الإنسان ورفع الغبن والظلم والتهميش عن الناس خاصة في الريف والقرى والأطراف.
نعم لا يوجد مجتمع محصن من فيروس الأرهاب، وانما هناك دول وحكومات ومجتمعات تتعلم من تجاربها القاسية وتحقق في الأخطاء حتى لا تتكرر المأساة ويصبح دمنا مباحاً للإرهابيين، ولذلك نطالب بلجنة تقصي حقائق مستقلة تحدد الخلل والمشكلات والتحديات وتقدم توصياتها للملك لضمان إنفاذها والالتزام بها.

التعليق