ما المواطنة؟ (2/ 2)

تم نشره في الاثنين 26 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:09 صباحاً

يظل المواطن الصالح يرى نفسه عضواً في المجتمع، وفي خدمة الصالح العام، ما بقي أعضاء المجتمع الآخرين يفعلون مثله. فإن لم يفعلوا أو سيطرت الأنانية والجشع عليهم، فإن دافعيته للتضحية من أجل الصالح العام تتراجع وقد تتآكل وتنتهي. "لا أذود الطير عن شجر// قد بلوت المرّ من ثمره"؛ أي إن المجتمع قد يتحول إلى ما يسمى "حارة كل من إيده له".
ولتلافي هذه النتيجة التي  يخسر بها الجميع، لا بد من إجراء ما لضمان التعاون بين الناس؛ أي لإبقاء المواطنة، أخلاقية أو مسؤولة. ولا يكون ذلك إلا بحسن فهم كل مواطن مصلحته الخاصة بصورة صحيحة، كما يقول أليكس دي توكفيل (1805-1859). مع هذا، فقد لا يؤدي هذا الفهم إلى تضحيات استثنائية أو بطولية من جانب المواطنين بغياب العدالة. كل ما يقوم به المواطنون مجرد تضحيات بسيطة أو تظاهرية لا تجعل أيا منهم مواطنا فاضلا. وبالتربية والتعليم والإنصاف والعدالة، يمكن تكوين مواطنين صالحين منضبطين ومتعاونين ومستعدين للتضحية عندما يكون المجتمع بحاجة إليها.
المواطن الذي يمارس المواطنة التشاركية هو المواطن الأفضل؛ فنحن لا نقترع أو ننتخب كآباء، أو أمهات، أو رجال أعمال، أو مستهلكين... بل كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات العامة، لأن السياسة التي تخدم مصلحتي كمستهلك قد تضر بي كمزارع أو كصانع. إن المواطنة أكبر من حاصل جميع الأدوار التي يؤديها الفرد. المشاركة أخذ وعطاء وتبادل للآراء، لتكوين فهم مشترك للمصلحة العامة التي هي مصدر البقاء في النهاية. والمواطنة الفعالة تساعد الفرد على تحقيق تكامل بين أدواره المختلفة، وتكامل الفرد مع المجتمع، وإلا خرج أحدهما من بطن الآخر. وبهذين التكاملين؛ تكامل أدوار الفرد والتكامل الفردي المجتمعي، يحس المواطن بذاته ووجوده وهويته الفردية، فيعرف من هو ومن يكون.
والمواطنة الفعالة مصدر للنمو الثقافي الذي يشتد نتيجة النشاط المدني؛ أي إن المواطن يستفيد بانغماسه في الحياة العامة، ثقافياً وأخلاقياً وعملياً ونفسياً. ولما كان الأمر كذلك، كان للمواطنة الفعالة دور تربوي أيضاً يفجر طاقات الشخص بدلاً من بقائها محبوسة، كما إنها تؤدي إلى فهم سليم للمصلحة الخاصة، وتوسيع لآفاق المواطن وتعميق لإحساسه بجدوى تفاعله مع الآخرين، بما في ذلك مع أناس لا يعرفهم.
بإيجاز، تقضي المشاركة على الفردية الزائدة، الناتجة عن الابتعاد والانعزال، المكتفية بالأسرة وعدد قليل من الأصدقاء، المُشكلة لذوقه والمهتم بنفسه تاركاً المجتمع الأكبر بعيداً عنه أو غريباً عليه، أو متبرماً به. بالمشاركة، يشعر المواطن أنه جزء من كل أو من العموم، لا فردا منفصلاً أو تائهاً، أو معلقاً في الفضاء. ومثلما تجعلنا المواطنة القانونية نفكر بالمواطنة من هذا البعد أو ذاك، تجعلنا المواطنة الأخلاقية أو البعد الأخلاقي في المواطنة القائمة على المشاركة مواطنين حقيقيين نحس بذواتنا أننا هناك، ولسنا مجرد أسماء، بل مواطنين في الدولة /المجتمع، مدفوعين لخدمة الصالح العام. إن المشاركة في الشؤون العامة هي الطريق الجامعة بين الأخلاق والقانون، واحترام حقوق المواطن وحرياته، بالمعنى القانوني وبالروح العامة للمجتمع.
وببعدي المواطنة؛ القانوني والأخلاقي، يكبر إحساس المرء بذاته، وشعوره بالأمان يزداد، وطاقاته تنطلق، وتوفيقه بين المصلحة العامة والخاصة يتحقق. أما مفهوم المواطن كمستهلك، والقائم على التنسيق مع البعد القانوني من ناحية الحقوق والواجبات، فلا يعطي مكاناً للمواطنة الأخلاقية التكاملية التربوية، وكأن الدولة/ المجتمع مجرد سوق لا منبر، هدفها الأول (السوق) معرفة المطلوب أو الجامع المشترك لتفضيلات المستهلكين كي توفرها، وليس منبراً للآراء لمعرفة مواقفه المختلفة في القضايا المختلفة.
ولما كان الأمر كذلك، فإن تعليم القراءة والكتابة والحساب أو المهارات الأساسية وتعلّمها، ضروري بل إلزامي، لأنه يسهم في تكون الفضيلة المدنية أو المواطنة المسؤولة أو الأخلاقية، ولا يجعل المواطن تابعاً لغيره في المعلومات أو الإرشاد السياسي أو المعيشي وبحاجة دائمة للمساعدات والتبرعات والطرود وحملات الخير.

التعليق