ماجد توبة

تنظيم الإعلام.. وسؤال الحرية والمسؤولية

تم نشره في الاثنين 26 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:07 صباحاً

بدأت قصة تأسيس أحد اكبر معاهد الاعلام وتدريب الصحفيين في السويد وأوروبا من حنق وكره وزير الاقتصاد السويدي للاعلام مطلع ستينيات القرن الماضي! رواية مدربي معهد "فويو" للاعلام في جامعة لينوس السويدية، تشير الى ان الوزير المذكور كان يشكو كثيرا من عدم دقة صحفيين بنقل التصريحات، ومن تشوه التغطية الصحفية. طبعا لم يقرر حبس الصحفيين ومعاقبتهم، بل بادر لتأسيس المعهد ليؤهل ويطور اداء الصحفيين وحرفتهم، وبما يخدم الجمهور وحقه بالمعرفة والتعبير.
بهذه القصة المعبرة استهللنا جولة صحفية، لعدد من الاعلاميين الاردنيين، نظمتها "اليونسكو" بالتعاون مع معهد "فويو" لمؤسسات اعلامية او لها علاقة بالاعلام والنشر، في السويد وبريطانيا والدنمارك، للاطلاع والتفاعل مع تجارب هذه الدول فيما يسمى بالتنظيم الذاتي للاعلام، بمعنى تنظيم علاقة وسائل الاعلام بالجمهور والمجتمع، وتوفير اليات ذاتية لضبط المحتوى الاعلامي والتزامه بالمعايير المهنية والقانونية، وضمان حق الجمهور بتصويب ومساءلة الوسيلة الاعلامية، قبل التفكير بالذهاب الى القضاء.
رغم اختلاف شروط وظروف وتطور التجربة الإعلامية والصحفية لتلك البلدان عنها بالتجربة الأردنية، والتي تصب عند المقارنة لصالح الأولى لاسباب عديدة، فإن سؤال مهنية الإعلام والحد الفاصل بين حرية الصحافة وبين ضمان حق المجتمع وافراده أمام أي تغول أو تعسف محتمل للصحافة، يبقى سؤالا مشتركا بين الحالتين، الأردنية والأوروبية، كما هو سؤال مطروح في كل مكان من هذا العالم.
ولا شك ان تعقيدات وإلحاح هذا السؤال ازدادت خلال السنوات القليلة الماضية، أردنيا ودوليا، مع تطور وسائل الاعلام وتقنيات النشر، بدخول الصحافة الالكترونية والإعلام الفضائي بكل قوة، ولاحقا الانفجار الواسع في النشر الذي احدثته وسائل التواصل الاجتماعي، واشتباكها المباشر وتداخلها مع الإعلام المحترف، بل واخذها –أي مواقع التواصل- في احيان كثيرة دور الاعلام المحترف بتقديم المعلومة والرأي والخبر والصورة، وبالتالي تشكيل مواقف الرأي العام.
لكن، مع ذلك فان احدا لا يمكن له تجاهل أهمية دور الإعلام والصحافة المحترفة، وتربعها المتواصل على سلم المؤثرين على صناعة الرأي العام وتداول المعلومات والاراء. نعم؛ ثمة منافسة شرسة مع مواقع التواصل وما تبثه من كم كبير ومتحرر من شروط المهنية والدقة في احيان كثيرة، وسهولة الوصول اليها من قبل الجمهور مقارنة مع الوصول لوسائل الاعلام المحترفة، لكن الوسائل المحترفة، المقروءة والمسموعة والمرئية والالكترونية، هي التي تسيطر على المشهد العام وتشكل المصدر الاساسي والاهم للجمهور للاطلاع والمعرفة بتطورات الاحداث وتكوين الرأي والمواقف.
في قضية التنظيم الذاتي لدى وسائل الإعلام المحترفة في السويد والدنمارك وبريطانيا، تلمس ان هذه الفكرة مسيطرة ايجابيا على النقاشات العامة في هذه الدول، تأكيدا لسعي مجتمعاتها لتعزيز حرية الاعلام وضمان استقلاله من جانب، ولضمان مهنية الاعلام وعدم تغوله على حقوق وخصوصيات افراد المجتمع او خروجه عن القانون، فيما لا تبدو هذه القضية (اي التنظيم الذاتي للاعلام) أردنيا هاجسا حقيقيا للاعلام الاردني، بل وثمة نفور من الفكرة وللاسف، ما يترك الباب مفتوحا لفرض التنظيم والضبط عليه من الخارج، اي عبر القوانين والتشريعات واللجوء الى القضاء.
المشكلة الرئيسية هي في انه عندما يغيب التنظيم الذاتي الكفؤ عن الإعلام الأردني يكون المجال مفتوحا وواسعا لتغول السلطة التنفيذية على الإعلام، ويصبح القضاء واللجوء لمقاضاة الصحفيين الطريق الوحيدة لضبط العلاقة بين الجمهور والإعلام، مع ما يحمله ذلك من تضييق وتقييد للحريات الإعلامية، وبالتالي المس بحق المجتمع الدستوري بتوفر صحافة حرة ومستقلة له.
تراجع حرية واستقلال الإعلام المحترف يؤدي ايضا الى توسع تأثير إعلام "التواصل الاجتماعي" والإعلام غير المحترف، بكل ما يعتري تجربته الماثلة امامنا من عدم دقة او التزام او تثبت من صحة الاخبار والمعلومات المتداولة، وبالتالي –ايضا- الاضرار بحق المجتمع والمواطن.
قضية التنظيم الذاتي للإعلام تلخص جدلية الحرية والمسؤولية للإعلام والصحافة، وهي جدلية يبدو طرحها أردنيا اليوم أكثر الحاحا وحاجة من أي وقت مضى. وللحديث بقية.

التعليق