مروان المعشر

"الباقي مش وقته"

تم نشره في الأربعاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:08 صباحاً

في ستينيات القرن الماضي، رفع الرئيس الراحل جمال عبدالناصر شعار "لا صوت يعلو على صوت المعركة"؛ في ترجمة لأغلب سياسات دول المنطقة التي تتمثل أن التركيز على هدف معين واحد يحتم إغفال كل الأهداف الأخرى. وفي حالة مصر طبعا، كانت المعركة تتمثل في دحر العدو الإسرائيلي وتحرير فلسطين، حتى استيقظنا ذات صباح لنكتشف أن فلسطين لم تحرر، بل احتلت أجزاء أخرى من الوطن العربي. كما أن باقي الأولويات؛ كتحقيق التنمية المستدامة وبناء المؤسسات، لم يتحقق منها الكثير.
لم تختلف سياسات أغلب الدول العربية عن هذه السياسة التي تركز على هدف واحد دون غيره، منذ ذلك الحين. وحين نخفق في تحقيق حتى هذا الهدف الواحد، نتغاضى عن الإخفاقات وكأنها لم تحصل، ونمضي قدما في سياساتنا رغم قصورها عن الوصول إلى الهدف المنشود.
في العقد الماضي، رفع العديد من الدول العربية، ومنها الأردن، شعار الإصلاح الاقتصادي دون غيره من الإصلاحات؛ "لا صوت يعلو على صوت الإصلاح الاقتصادي"، فأخفق هذا الإصلاح في تحقيق التنمية المنشودة، لانه اجتزئ من مجموعة إصلاحات متكاملة كان يجب أن تطال النواحي التشريعية والقضائية والسياسية، وتؤدي إلى بناء مؤسسات راسخة تحضن وتحمي وتبني الإصلاح الاقتصادي. ولما فشلنا في تحقيق هذا الهدف، وتفاقمت الأزمة الاقتصادية التي رُكزت كل الجهود نحوها.، بقينا نمارس السياسات الاقتصادية نفسها وكأن شيئا لم يتغير.
وقبل وبعد الثورات العربية، رفعنا ونرفع شعار "لا صوت يعلو على صوت الأمن" بحجة أن الاستقرار ضرورة للازدهار؛ متجاهلين، مرة أخرى، الحاجة إلى التوقف عن اعتماد السياسات أحادية الهدف وحدها، وبناء منظومة متكاملة تطال السياسات والمؤسسات كافة، وتمهد لاستقرار حقيقي نابع من تلبية حاجات المواطن وتجسير فجوة الثقة مع الدولة.
بعد أحداث الكرك، هل يمكن أن ندّعي أن التركيز على الأمن وحده دون غيره حقق النتائج المطلوبة، بحجة أن هذا ليس وقته الآن؟
حان الوقت للاعتراف بأن كل ما اتُبع من سياسات إصلاح مجتزأة لم ينجح لا في معالجة التحديات التي تم التركيز عليها دون غيرها، ولا –بالطبع- في معالجة التحديات الأخرى. كما حان الوقت لإدراك أن بناء المؤسسات الراسخة، التي وحدها تحمي الاستقرار وتحقق الازدهار، هي عملية متكاملة تتطلب عدم اغفال أي من التحديات التي ترتبط كلها بعضها ببعض، ولا تحتمل أن يتم انتزاع أي منها انتزاعا قسريا مصطنعا والادعاء بأنه يمكن معالجة أي منها بمعزل عن معالجة التحديات الأخرى.
يبقى السؤال: إذا كانت النتائج المتواضعة دليلا واضحا على قصور السياسات الحالية، فلماذا تصر الدولة على دفن رأسها في الرمال، واتباع الوسائل القديمة نفسها؟ الجواب أصبح واضحا للجميع: المصالح والامتيازات الشخصية. فقد وقفت هذه المصالح في بلادي لعقود سدا منيعا أمام كل من نادى بتنمية حقيقية تشمل المواطنين والمواطنات كافة. والنتيجة ما عاد بالإمكان تغطيتها بغربال.
إن لم يكن وقت هذا الكلام الآن، فلا أعرف متى يكون. عقود من الزمن قضيناها ونحن نتبع سياسة "طبطبة" مفادها أن الكلام عن الإصلاح "مش وقته". وبعد كل هذه الإخفاقات، فإن لسان حال الكثيرين هو: "وقته ونص".

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »التنفيع والطبطبة (huda)

    الأربعاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    سياسة التنفيع والطبطبة هل التي اوصلت البلد الى الوضع التي هي عليه وقد استمرت هذه السياسة لعقود وادت الى ما ادت اليه من تفاقم المديونية وترهل وتضخم القطاع العام وضعف معدلات النمو الاقتصادي وبشكل لا يتناسب مع النمو السكاني فكانت النتيجة الكارثية التي تعاني منها وستعاني منها الاجيال القادمة من فقر وبطالة
  • »الوقت كالسيف (اسعد)

    الأربعاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    هذا البلد الصغير مرشح ان يكون افضل من غيره , لكن الفرصه تضيع وراء الفرصه والأمور تدار يوما بيوم - مع الأسف - بينما الحلول معروفه وواضحه ولا شئ يدل على وضع خارطة طريق نحو المستقبل .الموظف أو المسؤول الذي يحضر للعمل وهمه الأول مصلحته لن يقدم للوطن شيئا
  • »أصبت (د.مازن)

    الأربعاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    استاذ مروان،،،رغم اختلافي معك فكريا وسياسيا،، الا انني اليوم ارفع لك القبعة، موافقا على هذا التحليل الرائع في مقال اليوم،، احترامي،
  • »السياسة والإقتصاد توأمان بشريان حياة واحد (يوسف صافي)

    الأربعاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    ان جاز لنا التعليق توضيحا حيث استهللت استاذ مروان الحالة التي مرّت بها الأمة في الستينات ولوجا الى الحالة المشابهة لما يدور اليوم من حرب مصالح قذرة تحرق المنطقة اقتصادا وسياسة؟؟؟ان هناك قوى مضادةخارجية تقف في وجه طفرات شعوب الأمة نحو الخلاص مما آلت اليه حالها من فقر وتهميش ومصادرة للقرار والتي جاءت كمحصلّة ل الإستعمار الأجنبي ومخلفاته من تقسيم وبعثرة للوطن العربي والأشد وطاءة زرع الكيان الصهيوني كنبته شيطانية في قلب الوطن العربي كقاعدة متقدمّة للغرب المتصهين ؟؟ حتى يتمكن من سيطرته على مقدرات وثروات المنطقة ؟؟وانت تعلم كم كلفة ذلك على الإقتصاد والذي محصلته على القرار ؟؟؟ما اريد ان اقوله ان الوطن العربي ما زال يعيش تحت المظلّة التي نسجها الإستعمار المباشر وكلمّا حاولت الشعوب النهوض للخلاص نحو التغيير والإصلاح يعاود على اجهاضها يشاركه كل من تقاطعت مصالحه معهم من بني جلدتنا "جاهلا واومأجورا" ؟؟؟ حيث بكل المؤشرات لانجاح لسياسة واقتصاد على المستوى القطري ؟؟ وهذا سر الهجمة الشرسة وجر المنطقة الى الحروب عندما تتجه بوصل طفرة الشعوب نحو خلع عباءة التبعية والتقليد ولوجا لبناء الذات واستقلال القرار ووحدة الأمة هدفا ومصيرا وثروات ؟؟كما حباها الله "حيث كانت خير امة اخرجت للناس" وغزت العالم بتجارتها وعلومها وحضارتها دون اكراه للغير؟؟؟؟ وحتى لانطيل دون وحدة الأمة هدفا ومصيرا وثروات سنبقى نعيش وجلد الذات من خلال مخرجات مفردات الحالة والإنتقال من سيئ الى اسوأ ؟؟؟؟ والقادم اعظم كمحصلّة لحرب المصالح القذرة التي اشعلوها لحرف بوصلة طفرة شعوب الأمة وخصوصا بعد ان البسوها ثوب نسيجه "العرقية والأثنية والمذهبية" تمهيدا لخريطة جديدة وشخوص جدد يصعب من خلالها النهوض ثانية وفق مخططاتهم نحو شرق اوسط جديد يتحقق من خلاله دفين الكيان الصهيوني من النيل للفرات (والذي بدت ملامحه في آطاريف النيل وشمال الفرات ومابينهم من تيارات بدت تحلل ماتم تحريمه ب الأمس) الا حانت الصحوة ؟؟؟