د.أحمد جميل عزم

المخابرات الإسرائيلية: النايف.. الزواري والأنروا

تم نشره في الأربعاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:07 صباحاً

يُعتقد أنّ الموساد الإسرائيلي هو الذي اغتال، قبل نحو أسبوعين، في صفاقس التونسية، التونسي محمد الزواري، الذي أعلنت حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، الفلسطينية، أنّه من كوادرها. ويأتي هذا الاغتيال بعد سلسلة من العمليات المفاجئة، من حيث إنها تستهدف أشخاصا غير معروفين، أو ليسوا تحت الضوء، وجزءا من عمليات وخطط توضح تغيرا في أولويات الأمن الإسرائيلي.
يأتي اغتيال الزواري، باعتباره جزءا من تطوير القدرات العسكرية الحمساوية، بعد عملية يعتقد أن الموساد اغتال فيها عمر النايف، في شباط (فبراير) الماضي، المنتمي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في بلغاريا، بعد نحو  26 عاما من هربه من السجون الإسرائيلية. وبالتوازي مع هذه الاغتيالات لأشخاص لا يعتقد أنهم يمثلون قيادة "صف أول"، أو قيادة سياسية، تأتي عمليات تثير الاستهجان، مثل توظيف وحدة "المستعربين" الخاصة (التي تتنكر بزي عرب وكانت في الماضي تقوم بعمليات اغتيال عسكرية نوعية)، في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، لاعتقال مجموعة أطفال من مخيم عايدة، قرب بيت لحم، بتهمة رمي الحجارة على الجنود. ويمكن أن نرى في المشهد أيضاً، عملية اعتقال عضو الكنيست الإسرائيلي، الفلسطيني العربي، باسل غطاس، بتهمة تهريب هواتف نقالة لأسرى فلسطينيين في السجون الإسرائيلية، الأسبوع الماضي (مع العلم أن السجناء الإسرائيليين الذين قتلوا فلسطينيين يحصلون على مزايا عديدة، منها الخروج في إجازات أسبوعية من السجن والزواج).
إلى ذلك، لا يخفي مسؤولون إسرائيليون أنهم يريدون أو يقومون بجهد استخباري دولي ضد حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات (BDS)، ومثال ذلك طلب وزير المخابرات والطاقة الذرية يسرائيل كاتس، في آذار (مارس) الماضي، أن تبدأ إسرائيل "عمليات تصفية مدنية"، ضد قيادة حملة المقاطعة. وقبل هذا، كان الإسرائيليون قد شكلوا، نهاية العام الماضي، وحدة خاصة بتمويل يفوق 25 مليون دولار، لمواجهة حملة المقاطعة، تشرف عليها وزارة الشؤون الاستراتيجية. وقتها، نشر الإعلام أنّ هذه الوحدة ستعمل ضمن مستويين: الأول، جمع معلومات سرية وعلنية عن منظمات المقاطعة، مع إمكانية استخدام معلومات استخبارية، لتكوين صورة عن المقاطعة تسمح بإفشالها. والثاني، وضع تشريعات قانونية لإفشال الحملات.
ذكرت صحيفة "يديعوت أحرنوت"، هذا الأسبوع، في تقرير بعنوان "إسرائيل تخطط تحركات إضافية للرد على قرار الأمم المتحدة" (بشأن المستوطنات)، أنّ مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي يخطط للاستعانة بإدارة دونالد ترامب، في الولايات المتحدة، لاستهداف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وأي موظفين يعادون إسرائيل في الأمم المتحدة، ومحاسبتهم على تصريحاتهم ضد إسرائيل، ووقف التمويل لأي هيئات تتبنى مواقف معادية لإسرائيل في الأمم المتحدة.
لفهم هذه التوجهات الأمنية والسياسية، يجدر تذكر التصريحات الإسرائيلية المتعاقبة عن أن هناك قواسم مشتركة مع دول عربية وتحسّن في العلاقات رغم أنها غير رسمية. وكما قالت افتتاحية "نيويورك تايمز" في آب (أغسطس) الماضي، فإنّ هذه العلاقات "قد تتحول إلى تحالف أكثر وضوحاً"، نتيجة العداء المشترك لإيران. وبغض النظر عن أن الإسرائيليين وخصوصاً نتنياهو، ربما يبالغون في الحديث عن تحسن العلاقات مع العرب، إلا أنّ الشعور أنه لا يوجد خوف حقيقي من الأنظمة وحتى القيادات الرسمية، ربما هو التفسير الأول لطبيعة اهتمامات إسرائيل الأمنية حالياً.
أما السبب الثاني، فهو أن هناك فرصة للعمل على أهداف ممكنة (مثل النايف وأطفال "عايدة" وحتى الزواري) من دون التخوف من رد فعل. وهذه أهداف ربما سهلة نسبياً، لكنها تتضمن استعراضية عالية جداً، تعطي انطباعا أنّ الإسرائيليين يتابعون كل شيء، ولا ينسون شيئا، ويتحسبون لكل شيء. كما أنها تخلق معارك جانبية تشغل الرأي العام الإسرائيلي (كما في حالة باسل غطاس).
والسبب الثالث هو، ربما، الشعور الإسرائيلي أن البنى الشعبية مثل حملات المقاطعة، والمنظمات الدولية، ومؤسسات تحفظ للاجئين هويتهم أو تذكرهم بها، وتكرس وضعية قانونية لهم، تشكل هدفاً عاجلاً، خصوصاً مع الاهتمام الفلسطيني، الشعبي والرسمي، بهذه الحملات والأطر القانونية والمؤسسية حالياً، وإعطائها أولوية.
والسبب الرابع، أن فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية، قد يشكل فرصة سانحة لتصفية الحسابات مع القانون الدولي ومؤسساته.
كل هذا يعطي انطباعا عن أهمية البنى التحتية الشعبية، والثقافية، والإعلامية، وأدوات المقاطعة، كأدوات مهمة لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

التعليق