إبراهيم غرايبة

جامعة الجامعات

تم نشره في الأربعاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:05 صباحاً

ظهرت مناسبات عدة، في الأيام القليلة الماضية، لمناقشة قضية التعليم في بلادنا؛ مثل تقرير البنك الدولي الذي يؤشر إلى ضعف مستوى جودة التعليم في جامعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ونتائج امتحان الرياضيات لطلبة صفوف الرابع والثامن في كثير من دول العالم "تيمس"، وحوادث العنف والشغب في الجامعات، وأخيرا الإرهاب الذي تتصل به بطبيعة الحال مسؤولية الجامعات، الوطنية والتربوية.
سأشير في هذه المساحة إلى ظاهرة تؤشر على حال التعليم ومتوالياته، وهي جامعة الجامعات في الشوارع التجارية المنتشرة حول الجامعات. ففي هذه الشوارع، تعدّ بحوث ودراسات أكثر من أي جامعة في العالم! رسائل ماجستير ودكتوراه تناقش في الجامعات الأردنية والعربية والأميركية والأوروبية والأفريقية والهندية والأسترالية والماليزية والتركية، كما بحوث ما بعد الدكتوراه التي تصدر في مجلات علمية "محكمة" (ربما تكون وهمية لكنها معتمدة في الترقيات)، واستطلاعات رأي ومسوحات ميدانية ومقابلات بحثية وبحوث وأعمال سنوية ودورية للطلبة في جميع المراحل، و"دوسيهات" ومقررات علمية ومدرسية، وواجبات للطلبة، ومشروعات تخرج وتحليلات إحصائية وأعمال ومشاريع علمية وهندسية... إلخ.
وربما في يوم عندما يُكتب عن الاقتصاد الموازي والجامعات الموازية، سوف يُكتب عن الحركة العلمية والبحثية والأكاديمية التي لم يشهد مثلها التاريخ والجغرافيا، لكنها جهود هائلة لإنتاج الخواء والوهم، وتصحبها أيضا حركة اقتصادية اجتماعية لا تعرف عنها دائرة الضريبة (ربما)، ولا دائرة الإحصاءات، لكنها تجلب للبلد دولارات وتحسّن أوضاع معيشة أساتذة وباحثين، وتشغل قطاعا واسعا من الشباب. وتدور حولها، أيضا، مطاعم وأكشاك قهوة وأعمال تصوير وتجليد وحواسيب و"موبايلات" وشاورما وفلافل وهمبرغر وتاكسي ومقاهي... وقصص حب وعشق...!
لسوء أو حسن الحظ، فإن المستقبل ليس منخفضا جويا يهبط بلا اختيار، وإنما (المستقبل) نصنعه/ نقرره/ نصممه/ نصوغه نحن. وهكذا، يمكن ببساطة تقدير المستقبل بملاحظة ما يملكه أهل الحاضر من عقل وخيال وانتماء. فالمستقبل هو ما ننتظره من هؤلاء الذين جاؤوا إلى المؤسسات في الدولة والشركات والمدارس والجامعات، وهؤلاء هم ما حلّ فيهم من علم ورؤى وأفكار، وكتب قرأوها وموسيقى استمعوا إليها، أو خدمة قدموها، والزمن الذي قضوه في البحث والتفكير والتأمل أو النميمة، التعلم أو الأهواء، النبل الذي تمثلوه واستحضروه في أعمالهم ومهنهم... ماذا يمكن أن يُنتظر ممن لم يحل فيه من علم سوى استبانة وهمية أو حقيقية أو "دوسية" تافهة؟
كم عدد الجامعيين في العلوم الإنسانية والاجتماعية ممن سمع بالكتب الجديدة في عالمنا أو المترجمة في عالمنا؟ ومن يحتاج ابتداء إلى كتاب طوال حياته الدراسية؟ لم يعد كثير جداً من الطلبة والأساتذة يستخدمون الكتب. وحتى البحوث العلمية ليست سوى مقابلات واستبانات وجداول إحصائية. لقد تخرج كثيرون في الجامعات، بما فيها الغربية، ولم يقرأوا كتابا، ولا يوجد في بيتهم كتاب، لأنه لم يعد حاجة للكتب. ماذا ستفيد هذه الكتب مع البحوث القياسية والتجريبية التي نجريها في الجامعات؟ ماذا ستفيدنا في قياس أثر مصفوفة المدى والتتابع على التحصيل لدى طلبة مدرسة عراق الأمير مقارنة بطلاب مدرسة بير خداد؟ هل تظن أن المباني الهائلة للكليات في الجامعات العربية، والتي تنتج آلاف الأبحاث والرسائل المحكمة، وتخرج الأساتذة والمتخصصين، تحتاج إلى المكتبة وإلى الكتب؟

التعليق