جهاد المنسي

كلام على جدران "فيسبوك"

تم نشره في الأربعاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:04 صباحاً

بات واضحا أن مواقع التواصل الاجتماعي تحتل حيزا في تغذية أفكار الناس بشكل كبير، حتى أن بعضهم بات يتأثر بما يشاهده على صفحات التواصل الاجتماعي وخاصة "فيسبوك"، وبعضهم يتناقل ما يراه باعتباره أمرا محققا ومسلما به، من دون تيقن من صحته.
المراقب لصفحات "فيسبوك" يلمس ضخا طائفيا وإقليميا وجهويا وطبقيا عند كل منحنى، وعند كل حدث، محليا كان أو إقليميا، ويلامس أفكارا متطرفة وظلامية، يفاجئك بها أصدقاء فيسبوكيون مفترضون، حتى أنك بت ترى سبابا وشتما وألفاظا جارحة وخادشة في كل حوار، فتحضر الفجاجة والتعنت والاستبداد في الرأي، أكثر من حضور العقلانية وتبادل وجهات النظر والحوار البناء الذي يبني ولا يهدم.
لست هنا ضد استخدام مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة "فيسبوك" في التواصل بين الناس، وتبادل وجهات النظر وفتح حوارات نافعة للناس، بيد أن الفترة الأخيرة تشعرك أن سواد الناس لم يعد يستخدم ذاك لهذا الأمر، وإنما بتنا نرى ونشاهد ونقرأ مساجلات طائفية وجهوية وإقليمية أحيانا، تغذيها أفكار ظلامية حينا، وأفكار جهوية مرات أخرى، وأخرى إقليمية، حتى أنك بتّ تلمس أفكارا داعشية تستوطن صفحات "فيسبوك" في غياب الحوار العقلاني المبني على احترام الرأي والرأي الآخر، كما يمكن ملامسة مستوى تحريض وصل لمراحل متطورة وصعبة، تحريض بات يغلب عليه التطرف الفطري والجمود الذهني أكثر من العقلانية.
أنت فقط بحاجة لقضاء نصف ساعة من التجوال على جدران "فيسبوك" لترى العجب العجاب، وقتها وأنت تجول على  التعليقات وعلى حجم "البوستات" سيأتيك شعور أن كل المسؤولين لدينا فاسدون، ومن الواجب جرهم إلى السجون، وستلمس أيضا من التعليقات التي ستراها أن الوزير لا يستحق موقعه، وأن النائب والعين لا يستحقان راتبيهما، وأن المدير العام لا يستحق ما وصل إليه، وأن المسؤول الفلاني ليس أهلا للكرسي الذي يجلس عليه، فتخال أن البلاد خربانة أو تكاد!
الأنكى أنه سوف يتراءى لمن لا يعرف أولئك المتباكين على صفحات "فيسبوك" والمنتقدين لسيرورة الدولة أنهم يؤمنون بمدنية الدولة ويحاربون من أجلها، وأن ديدنهم العدالة الاجتماعية وغرس قيم المواطنة والعدالة وتساوي الفرص، وأن المنتقدين للوزير والنائب والعين والمسؤول يؤمنون حقا بما يقولون ويحاربون الواسطة والمحسوبية وكل ما يتعلق بالفساد، فيما حقيقة أولئك المتجملين على صفحات "فيسبوك" وبحكم المعرفة الواقعية بهم وليس الافتراضية أن سوادهم يميل للجهوية أكثر من ميله للدولة العصرية، وينحى باتجاه العشائرية أكثر من تأييده لفكرة الدولة المدنية، ويذهبون للواسطة والمحسوبية أكثر من إيمانهم بالعدالة وتكافؤ الفرص، فتعرف أن أساس نقدهم تفكير أناني يقدم مصلحتهم الخاصة على العامة، وأن أولئك ينطلقون في مواقفهم تلك من تفكير جهوي أو إقليمي أو عشائري وليس لديهم أي رؤية أخرى، أو فكر فلسفي مختلف، فهم يؤيدون الواسطة والمحسوبية إنْ كانت لصالحهم، وينقلبون على مواقفهم لو كان الأمر متعلقا بابن العشيرة، وهكذا دواليك!
وفي الأثر، فإنك تلمس، إنْ طالعت هذا العالم الافتراضي المسمى "فيسبوك" حقدا طائفيا، وتحريضا مذهبيا، وتفكيرا شوفينيا، وشتما وتكفيرا لكل من يعارض رؤيتهم، أو يمتلك رؤية مخالفة لها، فيصبح الحوار مع أولئك عقيما، وتقف مدهوشا وأنت تشاهدهم يستحضرون روايات وقصصا من نسج الخيال شاهدوها على صفحات عالمهم الافتراضي فقط ولا وجود لها في العالم الحقيقي، فتصبح رواياتهم تلك حقيقة وتغيب بالأثر الروايات الصحيحة.
لست هنا ضد النقد، او المساءلة والتفكير العقلاني والحوار البناء، ونقد المسؤولين أينما كانوا، وكشف الحقيقة مهما كانت، ولكن الأصل أن يكون النقد موجها بالأساس للمصلحة العامة وليس لمصلحة خاصة، كما أنني ضد أن نحول أنفسنا في عالمنا الافتراضي لرسل محبة وسلام وثوار وحانقين على الواقع، فيما نحن بالأصل ضد التغيير والدولة العصرية المبنية على المواطنة والعدالة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رد ...كﻻم على جدران فيسبوك (د يوسف سميرات)

    الأربعاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    ما يكتب على الفيسبوك ما هو سوى انعكاس لﻻفكار والمفاهيم الساءده في المجتمع..........
  • »الفيسبوك يكشف المستور (د. عاصم الشهلبي)

    الأربعاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    أحي كاتبنا جهاد المنسي على مقاله الرائع حول الفيسبوك ، وهو بالفعل نقل مشاهدات حقيقة عن مدى التطرف والتبجج والتضليل وعدم أحترام الرأي الآخر وقلة الأخلاق التي تلاحظ في الكثير من التعليقات والكتابات في صفحات الفيسبوك. ولكن مع ذلك أعتقد أن الفيسبوك مدرسة واقعية وليس إفتراضية فقط تنقل حقائق تفكير وتصرفات عدد كبير من متابعين الفيسبوك، مما يساعد على أكتشاف أفكار أشخاص كنا نعتقد بأنهم وطنيون ومؤمون بالمواطنة وضد الفساد والمحسبوية والعشائرية ، ولكن تعليقاتهم كشفت حقيقة تفكيرهم البائس والمتخلف والذي يهدم ولا
    يبني الوطن. وثانيا، سيبقى الفيسبوك مرجعا لمتابعة الأصدقاء الذين يصعب الأجتماع بهم أو متابعة أخبارهم، كما يعمل الفيسبوك بنقل العلم والمعرفة والخبرات بشرط أن يتأكد المتابع من شخصية كاتب المقال، وهل هو فعليا من أهل الأختصاص فيما يكتب. والخلاصة أعتقد أن حسنات الفيسبوك أكثر من سيئاته على المدى البعيد.