هل يصلح الطب ما أفسدته الصناديق؟

تم نشره في الأربعاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:00 صباحاً

تناقلت وسائل إعلام الرسالة التي بعثها ثلاثة من الاختصاصيين النفسيين في الولايات المتحدة، أحدهم بروفيسور في جامعة هارفارد، يطالبون فيها الرئيس باراك أوباما بإخضاع الرئيس المنتخب دونالد ترامب لتقييم نفسي قبل تسلمه لمهامه الرئاسية؛ وذلك لاعتقادهم أنه يعاني العديد من الأعراض التي تندرج تحت تشخيص الاعتلال النفسي، مثل الشعور بالعظمة، والاندفاع، وعدم تحمل أي نوع من النقد، وعدم التفريق بين الحقيقة والخيال. وأنه تنطبق عليه الشروط اللازمة لوصفه بالشخصية النرجسية.
هنا يتبادر إلى الذهن سؤال بدهي، هو: هل من الممكن أن يحقق أشخاص مصابون بأمراض عقلية الوصول إلى قمة الهرم في المؤسسات الكبيرة، والدول العظمى مثل الولايات المتحدة؟! أو هل يمكن لشخص مصاب بهذه الأمراض النفسية، وينطبق عليه عدد كاف من المعايير العلمية اللازمة لتشخيصه وتأكيد مرضه، أن ينجح في عالم الأعمال، ويصيب قسطا وافرا من الثراء والسلطة؟
حاول البروفيسور توماس تشيمارو، في مقالته الشهيرة التي نشرها في المجلة المعروفة "Harvard Business review" بعنوان "لماذا يفوز الناس السيئون في العمل"، البحث في الأسباب التي تساعد الأشخاص النرجسيين، والمعتلين نفسيا "سيكوباتيون" على النجاح في أعمالهم ووصولهم قمة الهرم، واصابتهم قسطا وافرا من الثروة والسلطة.
وهو يرى أن الأشخاص المصابين بما يسمى "الثالوث المظلم" (Dark Triad)، والذي يشمل النرجسية والميكيافيلية والاعتلال النفسي، يملكون فرصا حقيقية للتقدم نحو المراكز القيادية.
ففي دراسة لعينة من رجال الأعمال الألمان، وجد الباحثون علاقة طردية بين النرجسية والدخل. أما الميكيافيلية، فارتبطت طرديا بالأدوار القيادية للشخص. ولم تكن هذه الدراسة هي الأولى التي خلصت إلى هذه النتيجة، وإنما سبقتها عدة دراسات مهمة خلصت إلى نتائج مماثلة.
لكن ما الذي يجعل هؤلاء الأشخاص يحققون هذا النجاح، في الوقت الذي يعتقد كثيرون أن مكانهم الطبيعي هو مستشفيات الأمراض النفسية،  أو حتى السجن؛ إذ إن هؤلاء الأشخاص أكثر عرضة لارتكاب الجرائم؟
يرى صاحب المقالة أن لهذا "الثالوث المظلم" جانبا مشرقا؛ مثل حب المغامرة، والفضول، والثقة المفرطة بالنفس، ما يجعلهم يخوضون غمار بعض التجارب التي يحجم الآخرون عن خوضها. كما يغلب عليهم تشجيع التنافس السلبي من خلال العمل على إضعاف روح العمل كفريق "فرق تسد"، وإذكاء نار الغيرة. كما أنهم يستعملون أسلوب الترغيب والترهيب لإخافة منافسيهم المحتملين وأسر قلوب مدرائهم.
لكن كل هذه المكاسب الشخصية تأتي على حساب الفريق؛ فشعارهم الدائم هو "الغاية تبرر الوسيلة"، ما يجعل المؤسسات والدول تدفع ثمن انحراف هذا النموذج من هذه الشخصيات المعتلة نفسيا وذهنيا.
وعادة ما تطفو هذه الشخصيات على السطح عندما تغلف المؤسسات والدول الأجواء الملوثة؛ عندها تجد هذه الشخصية التربة الخصبة للنمو. وكنتيجة لتحكمها بمقاليد الأمور، ينتشر الفساد، والتغول، وتدمير المؤسسات والدول، وغياب الانتماء.
غالبا ستقف رسالة علماء النفس السابقة عند حد "زوبعة في فنجان" الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي. لكن من يدري؛ لعله يأتي اليوم الذي يتم فيه إلزام كل المتقدمين للمواقع القيادية المختلفة بالخضوع لاختبارات نفسية وعقلية، خاصة إذا كانوا يملكون مفاتيح نصف ترسانة العالم النووية.

التعليق