الحلقة الرابعة والعشرون (الأخيرة)

عربيات: البخيت لم يكن على علاقة بتجاوزات انتخابات 2007

تم نشره في الأربعاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2016. 08:15 مـساءً - آخر تعديل في الأربعاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2016. 08:24 مـساءً
  • رئيس مجلس النواب الاسبق عبداللطيف عربيات - (تصوير: محمد أبو غوش)

محمد خير الرواشدة

عمان -  في الحلقة الأخيرة من سلسلة "سياسي يتذكر" مع "الغد" يتحدث رئيس مجلس النواب الأسبق عبداللطيف عربيات عن مرحلة انتخابات العام 2007، وتداعياتها على الحياة السياسية في البلاد، وأسباب مقاطعة الحركة الإسلامية للانتخابات التي تبعتها، "نتيجة عمليات التزوير التي جرت".
ومن هناك يؤكد القيادي البارز في صفوف الحركة الإسلامية الارتدادات على الحركة نتيجة مواقفها من الإصلاحات السياسية في البلاد.
كما يتحدث عربيات في حلقة اليوم عن سنوات الربيع العربي، والموقف في الشارع الأردني، وأسباب تقارب الحركة من رئيس الوزراء الأسبق عون الخصاونة.
كما يبين موقفه من الانشقاقات داخل الحركة الإسلامية، ويبين تاريخية قصة ترخيص جمعية الإخوان المسلمين، لكنه يؤكد في السياق ذاته تحميله مسؤولية أي خلل للمسؤول على الكرسي، وليس على الآخرين.
وكان عربيات تحدث في الحلقة الماضية عن أول لقاء لقيادات من جماعة الإخوان المسلمين وحزب جبهة العمل الإسلامي مع الملك عبدالله الثاني عندما تولى سلطاته الدستورية.
وكشف القيادي في صفوف الحركة الإسلامية أنه جرى خلال اللقاء ملاسنات بين بعض القيادات ومدير المخابرات في وقتها سميح البطيخي، وأن عربيات تدخل لحسم الجدل الذي حصل خلال ذلك الاجتماع.
وفي الحلقة أكد عربيات مجددا أن قانون الصوت الواحد لم يحبط وجود نواب الحركة الإسلامية تحت قبة البرلمان، بل إنه أضعف مخرجات صناديق الاقتراع، من خلال نوعية النواب أنفسهم.
كما تطرق إلى مواقفه داخل لجنة الأجندة الوطنية، التي كان عضوا في لجنة المحور السياسي فيها، وأسباب الانقلاب على التوافقات بإدخال تعديلات جوهرية على المشروع المقترح.
وفيما يلي نص الحلقة الرابعة والعشرين والأخيرة:

* نبدأ اليوم بالحديث عن مشاركتكم في انتخابات العام 2007؛ البلدية والنيابية، فعلى الرغم من التجاوزات في الانتخابات البلدية التي جرت العام 2007، والتي اشتكيتم منها، إلا أنكم شاركتم في الانتخابات النيابية التي جرت في العام نفسه، وتلقيتم ضربة قاسية إذ إنك لم تنجح في الانتخابات عن السلط، وكانت حصة الإسلاميين 6 مقاعد فقط، في انتخابات شابها لغط كثير، رغم اتفاقكم الرسمي مع حكومة معروف البخيت؟
- الأخ معروف البخيت كان رئيسا للحكومة في العام 2007، لكن لم يكن يملك القرار في تلك المرحلة. كنا نناقشه، وكان رجلا مهذبا، ونتفق معه بعد نقاشات طويلة، وكان يحاول أن يجاملنا ويسعى لتسوية الأمور.
لكن كل ما كان له اتصال بالإجراءات التنفيذية كان أمرا مختلفا تماما، لأنه لم يكن يملك أوراق العملية، وعاتبناه لاحقا على كل ما جرى، لكنه لم يكن صاحب القرار في تجاوزات تلك الانتخابات.
النتيجة اليوم باتت معروفة، وتحدث بها جلالة الملك نفسه، أن تلك الانتخابات جرت بصورة مؤسفة، وأقولها إن تدخلات قوى الشد العكسي أعاقت نجاح البخيت وعدم تنفيذه لوعوده التي قطعها معنا، فكانت من الأمثلة فضيحة الدائرة الثالثة في عمان، وفي السلط، فقد كنت شاهدا على حجم التجاوزات. التدخل كان مباشرا في الانتخابات، وفي المحصلة حدث ما حدث. وهذا كله جرى باعترافات كبار المسؤولين وبتقارير الأجهزة الأمنية.
كنا اتفقنا مع البخيت على أن مشاركتنا لن تحدث الفرق في البرلمان، وقلنا "لكن اتركوا مبدأ المشاركة واقعيا، ومن دون سياسات إقصاء ممنهجة". وتحدثنا مع الحكومة صراحة. هم كانوا يعتقدون بأننا نريد حصة 50 % من المقاعد، لكننا في حقيقة الأمر لم نكن نريد أكثر من 15 %، وكل ما طلبناه هو إظهار حسن النوايا، وسد الباب على الاتهامات الرسمية بأن مقاطعتنا بهدف تخريب الانتخابات وإثارة الفوضى السياسية في البلاد.

* لقد شاركتكم في انتخابات العام 2007، بتوافق رسمي مع الحكومة، وقد عقدت اجتماعات في رئاسة الوزراء، وأنت حضرتها وواجهت رئيس الوزراء معروف البخيت، فعلى أي أساس شاركتم؟
- في العام 2007 كان ترجيح المشاركة بعد أن وعد رئيس الوزراء وعدا قاطعا أنها ستكون نزيهة.
والنتيجة اليوم كانت بعد "مجزرة" العام 2007، قلنا لن نشارك، واتخذنا قرارا نهائيا، لأنه في العام 2007 قالها مدير المخابرات علنا في وقتها، بأنه لن ينجح إلا فلان وفلان، ومنها قاطعنا الانتخابات بالإجماع.
بعد العام 2007 والجريمة الكبرى التي جرت، وبعد أن دعينا لأكثر من مرة، كنت أردد التساؤل التالي هل الإصلاح مطلوب؟ سؤال كبير أطرحه أمام مناهج الإصلاح، وهو ما أردده حتى يومنا هذا.
ما أزال أتذكر الميثاق الوطني الذي تم التوافق عليه العام 1990، وكيف أن جلالة المرحوم الملك الحسين ترأس شخصيا عددا من الجلسات، ومع ذلك وضع الميثاق في الأدراج وانتهى الى ما انتهى إليه.

* أيضا، بعد تداعيات انتخابات 2007، دخلت الحركة الإسلامية في مرحلة من التجاذبات مع المؤسسة الرسمية خلال السنوات اللاحقة لهذا التاريخ، وذلك على حد زعم رسميين بسبب القيادات التي تولت المسؤولية، وكان ذلك واضحا أو تجليات هذه التجاذبات لمسناها خلال سنوات الربيع العربي عموما، والربيع الأردني على وجه التحديد؟
- في الواقع أود التعقيب على مفهوم الربيع العربي أولا، وهل كان هناك ربيع عربي حقا؟ ومن سماه بهذا الاسم؟ وكيف تم؟ وما هي إنجازاته؟ وإلى ماذا توصل بالنهاية مع مختلف القوى أو مختلف المسارات داخل البلد أو خارجها؟
أنا اقول إن هناك تضخيما، وهناك صناعة في الاسم والمحتوى، هذه الصناعة أقول فيها إن السلطة التي تسمى الأجندة الدولية للمنطقة والعالم العربي كله، تعمل منذ مئة عام، وصنعت هذا الوجه الموجود حاليا بحدوده وحكوماته وقواه، هذه الأجندة رعت ذلك مائة عام ظهر فيها ما ظهر من فكر وأحزاب وحكومات وانقلابات، إلى غير ذلك. وكل ما جرى لم يكن بعيدا عن رعاية الأجندة الدولية ومن يحركها.
إذا أردنا أن نقول ما هي الأجندة الدولية فاظنها ليست بحاجة إلى تعريف، خصوصا أن دور اليهود فيها أساسي لكنه مخفي، وأقول إن هذه القوى التي سخرت وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، وبتوجيه خاص وإدارة خاصة في بعض القضايا من اليهود، صنعوا ما صنعوا خلال المائة عام الماضية، والآن ما يجري عندنا هو تهيئة لمائة عام جديدة، ومائة عام لها عناوين ولها مفردات، انتقلت من التقسيم الشكلي المناطقي الدولي المحلي، إلى أهداف خاصة بالفكر والعقيدة.
ولهذا، ما هو قادم، هو ما جاء على لسان رئيس وزراء بريطانيا السابق، عندما قال معلقا على ظهور داعش: نحن نريد قتل مفهوم الخلافة عند المسلمين، قتل مفهوم الخلافة من خلال الدعوة بأن الإسلام إرهاب، وأن ما يلجأ إليه المسلمون من عناوين في تاريخهم وحضارتهم مطلوب قتلها، وبذلك نأتي على نهاية هذه الحضارة.
أقول هذه المقدمة بمناسبة الحديث عما سمي بالربيع العربي، والفقاعات المصنوعة التي ظهرت هنا وهناك، والتي تم إطفاؤها بسهولة من أعدائنا.
أما الحديث عن أن الإسلاميين كانوا مصلحيين في هذا الربيع، فأقول إن هذا فيه أيضا مبالغة، ويحتاج إلى أدلة، كل ما هنالك أن هذا المخاض الذي لا أسميه ربيعا، هو مخاض في معظمه مصنوع وموجه لنتيجة معينة، وحقق الأهداف منه.

* لكنكم استفدتم من الربيع العربي، أو ما تسميه بالمخاض الموجه، وكانت لإخوان مصر مشاركة في الحياة السياسية، ووصلوا سدة الحكم، ثم ابتعدوا عن الثورة بمقدار ابتعاد الشارع عنهم، وهو ما جاء على لسان الكثير من المحللين؟
- مشاركة جماعة الإخوان المسلمين في مصر بالسلطة، لها ظروفها ودواعيها، وهناك قوى عميقة في مصر وفي المنطقة ساعدت بشكل مباشر أو غير مباشر على إفشال التجربة والنموذج، لتصل الأمور إلى ما وصلت إليه.
الانتخابات الحرة والنزيهة جاءت بنجاح الحركة الإسلامية التي تسلمت السلطة، أما قرار المشاركة من عدمه بالنسبة لإخوان مصر فهذه قصة تناقش في سياق آخر، لكن الظروف والمحيطة بالمنطقة كرست مبدأ تخويف المنطقة كلها من فكرة تسلم الإسلاميين للسلطة، وهذا ما جرى عندنا هنا في الأردن، وأصبحت كلمة شخص عادي غير مسؤول، تضخم بشكل غير طبيعي، وترسم سيناريوهات ومخططات لا اتصال لها بالواقع، ومن هناك صرنا أعداء على الرغم من تاريخنا في تثبيت دعائم أمن واستقرار هذا البلد.

* لكن في العام 2006 تحدث رئيس كتلة العمل الإسلامي عن جاهزية الحركة لتسلم السلطة، وذلك بعد الانتخابات التشريعية الفلسطينية وفوز حماس بأغلبية المقاعد، وهو نائب في البرلمان وسبق له أن كان ناشطا بارزا في العمل النقابي؟
- ليس هذا ما يجب أن نناقشه، بل لماذا كلمة رجل عادي ارتعدت لها مؤسسات في البلاد، وجُيّش الإعلام ضد كلمة بسيطة صدرت من شخص بحسن نية.
أقول، وأنا مسؤول عن كلامي؛ لا توجد أي خطوة تنظيمية لدى الجماعة والحزب تريد الذهاب فيها بهذا الاتجاه، وكما قلت هناك من عامة الناس؛ إسلاميون إخوان أو غير أخوان، فرحوا بما حصل في مصر، وتسلم الاسلاميين للسلطة هناك.
فالأمر تم تضخيمه بسوء النية، لكي يزداد الرعب من مشاركة الإخوان المسلمين في أي عملية سياسية، وبالتالي وبعد إفشال التجربة الديمقراطية المصرية، تم تدمير المنطقة بكاملها، وتم الانقلاب على الانتخابات الحرة والنزيهة في مصر.
إذا أردت، نستطيع نقد تجربة الإسلاميين في السلطة، لكن لا نستطيع أبدا أن نناقش سلامة الانقلاب على التجربة الديمقراطية وصناديق الاقتراع.
لكن إحباط التجربة المصرية في الديمقراطية هي نتاج مؤامرة من غرفة العمليات الدولية، واليوم ها نحن وصلنا إلى ما وصلنا إليه. وقتلت الجامعة العربية، وقتلت مصر قمة الأمة العربية ورأسها، ولم يعد لها دور في قضايا الأمة سوى مواقف متخاذلة فيما يسمى بالانقلاب على ما سمي بالربيع العربي.
أين مصر مما يجري في سورية والعراق واليمن؟ وأين هي الجامعة العربية؟ اين هي القوى العربية التي تقول نحن هنا؟!
اليوم هناك استسلام كامل وعبث كامل وتدمير كامل لكل ما هو موجود.
أقول ذلك ونحن نرى أن المشكلة بأن القاتل والمقتول منا، ولا أحد يحرك ساكنا بسبب التناقض الموجود في الساحة العربية.
كلمة الإرهاب التي صممت وصنعت وعممت كانت الوسيلة لتدمير قضايا أساسية سواء فكرية او مادية في المجتمع، وهنا أجد أنها أخذت دورها في هذا المجال، ونحن هنا في الأردن لنا وضعنا الخاص، لكننا تأثرنا بما تم في المنطقة، غير أنني محبط من القادم، فالمخطط شرير، وكما قلت لمائة سنة قادمة، وهذا المخطط يريد القضاء على الفكر الإسلامي وعلى الإسلام بحقيقته المعتدلة والمتسامحة والحضارية.

* أنت تقدم مرافعة دفاعية عن مواقف الحركة الإسلامية خلال "الربيع الأردني"، لكن لا بد من الإشارة هنا إلى أنك كنت خارج كل المواقع القيادية داخل التنظيم، وهذا مدخل للطعن بحجتك الدفاعية، خصوصا وأنك تنسب التعبئة ضدكم لمواقف قوى الشد العكسي؟
- نحن حركة واسعة الانتشار وفيها مستويات مختلفة من الثقافة والمسؤولية والعلم، وما يتم أخذه على الحركة أو لها، هو وجود قرار تنظيمي متخذ من جهة مسؤولة داخل التنظيم واضح، وملزم تطبيقه، فهنا يجب محاسبة الجماعة أو الحزب.
أما إذا كان هناك خطاب او شعار في مظاهرة رفعه متحمسون من هنا أو هناك، فهذا كلام لا يسجل ولا يعطي انطباعا، يجب أن يعرف الجميع أن الحركة الإسلامية هي حركة واسعة لها مؤسساتها الرسمية، ولا تتخذ قراراتها بصورة ارتجالية. فقد يقول قائل إن الحركة رفعت شعارات خلال مسيرات واعتصامات لها، فأقول: يحسب علينا اتخاذ قرار المسيرة، لكن لا يحسب علينا جميع الشعارات المرفوعة، والتي قد يطلقها بعض المتصيدون بالماء العكر، الذين يريدون دق الأسافين بين الدولة ومؤسساتها السياسية.

* أليس منشأ التوتر مع الدولة ومؤسساتها كان قرارا مؤسسيا داخل التنظيم؟
- عندما أقول إن هناك حراكا في المسجد الحسيني أو أي مكان آخر، وتتفلت الشعارات من هنا وهناك، فهذا لا يعني وجود قرار لدى المكتب التنفيذي أو قرار لمجلس الشورى، وإنما هي أفكار لأشخاص أو مجموعات من الأشخاص لا تمثل الجماعة.
أنا أعيد وأكرر بأن القرار المؤسسي الرسمي الخارج عن جهة رسمية مخولة والملزمة للآخرين، ليس لها اتصال بشعارات يطلقها المتحمسون في المسيرات والاعتصامات التي تتحدث عنها، فتلك الشعارات لا تمثل الحركة والتنظيم في الأردن.

* لكن هذا "الصوت النشاز" الذي وصفته حكمَ على الحركة وقياداتها بالتضييق والانحسار، ووفر المسببات الكافية لدعم الانشقاقات داخل الجسم التنظيمي أفقيا وعموديا؟
- دع الانشقاق جانبا الآن؛ وأكرر أن هتاف الشارع ليس هو سياسة الجماعة، فهذا القياس غير صحيح، لأن القرار التنظيمي شيء، وما يصدر من هتافات من متحمسين شيء آخر تماما.

* إذن، كيف يكون مراقب عام الجماعة موجودا في مسيرة أو اعتصام، ويسمع شعارات صدامية، ولا يتدخل للتهدئة. ألا يمكن اعتبار صمته نهجا سياسيا للجماعة؟
- أريد أن أصل للنتيجة التالية، وهي أن المؤسسة إذا أصدرت رأيا سواء من المراقب العام، أو أي مستوى تنظيمي آخر، فهذا قرار يلزم الجميع. لكن مسار الاعتصام أو المسيرة إذا ما شابه خطأ من هنا أو هناك، فهذا لا يعني إطلاقا أن يكون نهجا سياسيا.
من يقول خلاف ذلك من الحركة، فأنا على استعداد لمواجهته، فنحن نتبع النظام الداخلي وقرارات الهيئات التنظيمية هي الملزمة، وغير ذلك لا مجال لأخذه في الاعتبار.

*إذن، ومباشرة، إذا كان هناك صوابية في القرارات المركزية، وأنها قرارات تحظى بإجماع أو توافق داخل الجسم التنظيمي، فلماذا الانشقاقات؟
- الحقيقة أن الانشقاقات التي اتخذت طابعا خلافيا فكريا بين القيادات شيء، وإلزامية قرارات الجماعة شيء آخر تماما.
فالخلاف على فصل المسار الدعوي للجماعة عن المسار السياسي للحزب هذا موضوع فيه تباينات كبيرة في الآراء، لكن القول بأن قرارات الهيئات التنظيمية عليها خلاف سواء أكانت على تنفيذ مسيرة أو اعتصام أو إصدار بيان أو تبني موقف فهذا أمر مختلف، عادة ما تكون الخلافات عليها ضمن حدود الاجتماعات المغلقة.

* إذن، الانشقاقات داخل الحركة سببها تباين وجهات النظر حول حصر النهج الدعوي بالجماعة، وترك الحزب للعمل السياسي؟
- التباينات لها بحث آخر منفصل، انا فقط أريد أن أكرر وأن أنفي أن أي هتاف بالشارع في مظاهرة، فهو قطعا لا يمثل الحركة الإسلامية، إلا إذا كان صادرا بقرار من الهيئات المرجعية داخل الحركة والتنظيم.
في إحدى المرات نفذنا مسيرة إلى رئاسة الوزراء. وفعلا وقفنا مقابل رئاسة الوزراء، وبدأ الناس يهتفون، ويطالبون بنزول رئيس الوزراء لمقابلتهم. بعد فترة، خرج أحدهم من بين صفوف المتظاهرين، وقال نريد أن نكمل المسيرة إلى السفارة الإسرائيلية، فنهرته، وطلبت منه الابتعاد، وذكرت الجميع بأن هدفنا هو الوقوف أمام الرئاسة، وليس لنا أهداف أخرى، وأن أي تعديل على مسار الاعتصام، يتطلب قرارا مرجعيا. هذه هي تربيتنا.

* من بين حكومات الربيع الأردني، لماذا هادنتم حكومة عون الخصاونة خلال سنوات الربيع، لماذا ميزتم الخصاونة عن سابقيه ولاحقيه من الرؤساء بالتعامل؟
- هو شخص متزن، وقد لمسنا في شخصيته بأنه لا يحمل فكرا إقصائيا، لكنني على المستوى الشخصي أعلم بأن ليس في يده الشيء الكثير.
والدليل على ذلك بسيط وأستطيع أن أذكر قصة محاولته في معالجة قضية جمعية المركز الإسلامي. فالجمعية بعد تغيير إدارتها السابقة، أشرفت عليها لجنة حكومية "دمّرتها"، وبعد ما أصابها من تعثر استأذنت وزيرة التنمية الاجتماعية في وقتها نسرين بركات أن تصوب أوضاعها، ولما طلبت ذلك من الخصاونة وجهها لكي تطلب مني إدارتها وتنظيم الأمور داخل الجمعية لإعادتها إلى ما كانت عليه.
فعلا قابلت الوزيرة وأوضحت لي بأنه وبناء على توجيهات الرئيس فمطلوب مني تصويب أوضاع الجمعية، فقلت لها في الجلسة: لا تستطيعون. فأصرت الوزيرة على أن الأمر نافذ بإرادة من الرئيس، وطلبت مني أن أدلها على الحل.
مباشرة، قلت لها إنه يجب دعوة الهيئة العامة الأصلية للاجتماع، وهي تقرر، فردت بالقبول، لكني أعرف أن هناك مشكلة في الهيئة العامة التي تم تسجيلها، فردت بأنها ستدعو للاجتماع خلال أسبوع، لكي لا يتسنى لغير الهيئة الأصلية تسديد الاشتراكات، فضحكتُ، وقلت: هناك من هو أسرع مني ومنك، وسيأتي من يدفع عنهم دفعة واحدة.
وهذا ما تم عمليا، فأوقفت الوزيرة برنامجها ومساعيها.
الخصاونة شخص قانوني وكان محايدا، لكنه لم يستطع الاستمرار، وذكرت هذا المثال فقط لكي أثبت هذا الواقع، وأمام إعلان الوزيرة المختصة بأن الوضع غير قانوني للجمعية، والرئيس أمرها بتصويب الأوضاع، لكنهما لم يستطيعان أن يفعلا شيئا.

* اليوم، ونحن في الحلقة الأخيرة معكم من سلسلة "سياسي يتذكر"، نطرح سؤالا مباشرا عن واقع الحركة الإسلامية اليوم، وهو واقع مقسم ومشتت، وهناك انشقاقات عمودية وأفقية تهدد نسيج الجماعة، خصوصا إذا ما استحضرنا مسلسل مبادرات الإصلاح الداخلية، واصطدامها بطريق مسدود، وصولا إلى سحب الترخيص من الجماعة، ومنحه لجمعية جديدة؟
- رب العالمين يقول "ويعلمكم الكتاب والحكمة"، ومن "يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا"، وهذا عجز ونقص عند كثير من المسلمين وهي الحكمة. أما الكتاب فهو القرآن، الذي قال عنه المولى عز وجل "وما فرطنا في الكتاب من شيء".
المشكلة هنا تتمثل في أن بعض إخواننا يحفظون النص، ويحكمونك فيه بطريقتهم الخاصة، إذن فأين الحكمة في ذلك! والحكمة ليس أن تقدم نصا مجردا في أمر ما، بل هي القدرة على إدارة ذلك الأمر.
هذه الفجوة بين عقلية تتمسك بالنص وبين عقلية إدارية تأخذ بالأسباب. هذا هو الذي سبب المشكلة. هذا الواقع سبب تناقضا في المواقف والاجراءات التي نراها.

* إلى أي جانب أنت اليوم منحاز في الخلافات داخل البيت الإخواني؟
- نظاميا أقول؛ إن المسؤول الإداري الجالس على كرسي القيادة هو المسؤول الأول، وهو من يتحمل المسؤولية، فالآخر يتحدث بوجهة نظر، خصوصا إذا كان خارج مواقع المسؤولية، أما المسؤول فعليه واجب اتباع النظام الداخلي والتعليمات التنظيمية التي خضعنا لها سواء في الجماعة أو عند تأسيس الحزب.

* سبق ذلك، أو تزامن معه، ذهاب المراقب العام الأسبق لجماعة الإخوان المسلمين عبدالمجيد الذنيبات في ترخيص جمعية الإخوان المسلمين، وطعنه بالشرعية القانونية للجماعة القائمة؟
- هناك مظلة وأجندة دولية وحكومات عميقة تريد إضعاف نماذج الإسلام السياسي، وهذه القوى لها مصالح متناغمة. وطالبت بعض القيادات في الجماعة بالتحلي بالصبر أمام الهجمة من الخارج والخراب من الداخل، وأن الزمن قد يغير قواعد اللعبة، فأصروا على المضي في موقفهم.

* برأيك؛ هل القصة جديدة أم تعود إلى عهد حكومات سابقة؟
- الفكرة بدأت من زمن حكومة معروف البخيت الأولى، والبخيت هو من جاء لي بملف كامل وقرأ لي النص، وهي الورقة نفسها التي رأيتها مع عبدالمجيد الذنيبات. القضية بالنسبة لي كانت مكشوفة، والمطلوب الاستجابة للضغوط الدولية وإغلاق المركز العام للجماعة.
لكنني أعتقد أن هناك تراجعا في الهجوم الرسمي، خصوصا في ضوء عدم تحقيق "الجمعية" لأي منجزات على الأرض حتى يومنا هذا.

* لكن قد يكون فتح موضوع الترخيص للجماعة، هو السبب في اتخاذ قرارات تصحيحية، كما اعتبرها مراقبون، مثل تعديلات النظام الداخلي للجماعة والحزب، وفصل تبعية الحزب للجماعة؟
- هذه قضية أساسية، وكنا متنبهين إليها منذ أول يوم تأسس فيه حزب جبهة العمل الإسلامي. فالحزب جرى تأسيسه ليكون بابا يدخل منه الجميع. أردناه جبهة لكي لا يقتصر على لون واحد، ومعنى ذلك أن هذا الحزب يقبل بالجميع ويعترف بالجميع ويتشارك مع الجميع، لتحقيق أهداف سياسية وتحالفات تخدم هذه الغاية.
وفعلا؛ عندما وضعنا النظام الداخلي للحزب، قلنا إن للجماعة الحق بالمشاركة في الحزب، لكن على أن لا تكون حصتهم هي الأغلبية، أي لا تزيد على 40 %. ويظل الحزب مفتوحا على الجميع؛ مسلما ومسيحيا، ذكورا وإناثا، شبابا وشيوخا، على أن يكون هناك برنامج سياسي واضح، ليظل الباب مفتوحا وتظل حقوق الجميع محفوظة.
لقد انتهجنا هذا النهج العام 1992، وسبقنا كل تجارب إخواننا في الأقطار العربية، حتى أن إخواننا في مصر أخذوا عنا نظام الحزب لتشكيل حزب الحرية والعدالة.
لكن هناك في الجماعة من أراد أن يسيطر على الحزب، وأن ينظر للحزب على أنه قسم من أقسام الجماعة، وبالتالي الأحقية لتعيين الأمين العام للحزب.
بعد أن تحجم دور الحزب، بدأت تستجيب القيادات بأولوية فصل الجماعة عن الحزب، لأن لكل واحد منهما منهجه الخاص، وبالتالي لم تنقطع العلاقة بين الجسمين، بل تم وضع حد لتدخلات الجماعة بالحزب وقراراته.

* لكن، ماذا بشأن قرار الجماعة الأخير بفك ارتباط جماعة الأردن بمكتب مصر؟
- الإخوان المسلمون موجودون في أكثر من 80 دولة في العالم، وفي كل بلد من هذه البلاد للجماعة استقلاليتها في العمل الدعوي والسياسي، وحتى استقرارها المالي والإداري.
صحيح أن الفكر للجميع، لكن الإدارة والأساليب هي قضايا مستقلة، ولا مركزية فيها، ومثال ذلك عندما قررنا مقاطعة انتخابات العام 2013، جاءتنا نصيحة من التنظيم الدولي للجماعة في تركيا، بأن لا نقاطع الانتخابات، فرفضنا توصيتهم.
وهذا المعنى الحقيقي للاستقلال المالي والسياسي؛ أما القول بالتبعية هنا لجماعات بالخارج، فهذا كلام مجاف للواقع تماما، وعليه شواهد تاريخية كثيرة.

mohammed.rawashdeh@alghad.jo

التعليق