عن "محمد عابد الجابري" و"نانسي عجرم"

تم نشره في الجمعة 30 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:09 صباحاً

معاذ بني عامر

في الحديث عن المفكّر "محمد عابد الجابري" والمطربة "نانسي عجرم"؛ تحديداً في السياق السوسيوثقافي الذي تجري أحداثه اليوم في العالَم العربي، سينتصر أحد الطرفين على الآخر لا محالة، نظراً لحالة اليقين التي يعيشها الإنسان العربي، وبموجبها يقيس العالَم الذي يعيش فيه، وخضوعه لناموس كان الفيلسوف الأغريقي "هيراقليطس" قد عبَّر عنه أفضل تعبير ساعة قال: "إنّ مشكلة الإنسان أنه يعيش في عالمه، وليس في العالَم".
فالمشتغلون بالحقل الثقافي سينتصرون لمحمد عابد الجابري، ويعتبرونه ركناً أساسياً من أركان النهضة العربية الحديثة، ولا سيما للخُلَّص من أتباعه. أما إذا كانوا على اختلاف أيديولوجي معه، فسيكون لهم وجهة نظر أخرى لا محالة! إذ هو مُساهم حقيقي في الشأن المعرفي العربي الحديث، ولا يمكن المرور عليه مرور الكرام؛ هو نقطة مركزية في هذا الحِراك، بما يمنحه أفضلية على غيره ممن لا يشتغلون في المجال الثقافي تحديداً.
أما المشتغلون في الحقل الفني، فسينتصرون لنانسي عجرم، وسيعتبرون وجودها في السياق العربي وجوداً أنطولوجياً (تبدو هذه الكلمة مضحكة في هذا المقام، لكنها ضرورية لا محالة في السياق الحدَّي الذي نحتكم إليه في اجتماعنا الإنساني العربي)، لما تحمله من قيمة حقيقية قادرة على تحريك المشهد الفني بصوتها الشجي وأغانيها الدافئة الحنونة وحركاتها الناعمة، وكأنها جدول ماء يترقرق بنعومةٍ وسلاسةٍ في منطقة تعجّ بصرخات القتل والويل والثبور!
السؤال المهم هَهُنا: أيهما أهم في سياقات النهضة العربية الحديثة؛ المُفكّر "محمد عابد الجابري" أم المطربة "نانسي عجرم"؟
يمكن الإجابة عن هذا السؤال من طرفي المعادلة: مرةً من أتباع محمد عابد الجابري ومُحبّيه؛ ومرة من أتباع نانسي عجرم ومحبّيها. بما يمنح الإجابة صبغة قيمية تنحاز لأحدهما على حساب الآخر، وبما يُبقينا في دائرة الأحادية والأنانية التي لا ترى في العالَم إلا الصورة المطبوعة في رأسها عن هذا العالَم.
بموازاة  السؤال المهم أعلاه، ثمة سؤال أهم: هل يمكن الجمع بين محمد عابد الجابري ونانسي عجرم، دونما إضرار بالعمل الفكري أو إخلال بالعمل الفني؟
السؤال بصيغة أخرى: في سياقات النهضة العربية الحديثة، أيهما أهم، عمل الفيلسوف أم عمل النجَّار؛ عمل الراقصة أم عمل الفنان التشكيلي؛ عمل الروائي أم عمل الشاعر؛ عمل الأم أم عمل مدير المصنع؛ عمل رئيس الجمهورية أم عامل النظافة؛ عمل الموسيقي أم عمل العسكري؟
السؤال بصيغة ثالثة: هل من صالح السياق النهضوي العربي استبعاد أحد لغاية الانتصار الأناني لسياقٍ على حساب سياق آخر؟
سأجتهدُ هَهُنا –على أن أنظر لاجتهادي بصفته اجتهاداً جدالياً قابلاً للنمو والتشذيب والتهذيب، بقدر الاجتهادات التي يقدمها غيري- وأقدّم عديد إجابات غير يقينية عن السؤال أعلاه:
- إن إصدار أحكام قيمة من ذلك النوع المعياري الذي يُمْنَح المُفكّر بموجبها أفضلية على غيره، هي أحكام من شأنها الإضرار بالاجتماع الإنساني؛ لأنها تجعل الناس يقفون على أكتاف بعضهم بعضا، لا على الأرض، بما يُعيد إنتاج ثقافة "أعلى/ أسفل" و"فوق/ تحت" في العالَم العربي الذي دفع أثماناً باهظة لهكذا ثقافة. فالإنسان العربي بما هو كذلك (قائدا، وزيراً، مديراً... الخ)، أفضل بالضرورة (من المحكوم، عامل النظافة، المراسل... إلخ). وقد رأينا أن دولاً أبيدت أو مؤسسات أقيمت أو انهارت لارتهانها بأشخاص بعينهم، لا بالإنسان الموجود فيها، سواءً أكان مديراً أم عامل نظافة.
- اقتضاء للواقع التفضيلي لـ"محمد عابد الجابري" على حساب "نانسي عجرم"، أو العكس؛ فإنّ ذلك لن يُنتج إلا مزيداً من التنابذ والتحاقد والكراهيات المُتبادلة بين أبناء الأمة الواحدة. فالسياق الإبداعي الكُلّي إذ يتفتّت في ذواتٍ كثيرة ومختلفة، بما يمنحها مزيد حركة وتقدّم دونما حصر لها، فتلك علامة من علامات نضوج أمة من الأمم. لكن أن يتحوّل ذلك التفتيت إلى نوعٍ من الاستقطابات الحادة، بما يُعيب عمل الآخر ويُنقص من قيمته لأنه ليس من نفس جنسه، فتلك كارثة تأتي على الأخضر واليابس. وما تلك التجليات السلبية لأحكام القيمة الجاهزة والناجزة حول إنسان على حساب إنسان آخر، والتي نعاينها ونعايش تفاصيلها في عالمنا العربي لحظة بلحظةٍ، إلا قرَّادة تمصّ لحم عظامنا وتتركنا لنقتل بعضنا إن لم يكن مادياً فمعنوياً!
- ما حجم المكتسبات من عملية الاستقطاب الحادة والتي ترافقها عمليات استئصال واستبعاد؟ وماذا سنستفيد من إعلاء شأن وزير من الوزراء، ونُقلّل من شأن عامل النظافة؟ ماذا جنينا من أحكام القيمة التي أطلقناها على بعضنا بعضاً؟ هل بنينا مجتمعات فاضلة، أم انحدرنا إلى حالة من البؤس الشديد؟
- ماذا لو انتقلنا من حالة الاستقطاب والاستئصال إلى حالة التشارك والتعاون؟ ماذا سنخسر في حالة نظرنا إلى المشروع النقدي لمحمد عابد الجابري الموسوم بـ"نقد العقل العربي" على أنه جزء مهم من مشروع النهضة العربية، ونظرنا بالمثل إلى أغنية نانسي عجرم "يا بنات يا بنات يا بنات"، بما يمنح الثيمة الإبداعية تنوّعاً في السُلّم الموسيقي، يتشارك الكُل في صياغته وصناعته؟ هل سيقلّ شأن طه حسين إذا نظرنا إليه بالسوية السيكولوجية نفسها التي ننظر فيها إلى أم كلثوم أو إلى محمود عبدالعزيز؟ هل خلاصنا في أعمال فكرية بعينها، أم في خُلاصات إبداعية كثيرة ومتنوعة؟
- هل نُبقي على ما نحنُ عليه، على المستوى الثقافي والسياسي والاجتماعي والسيكولوجي والاقتصادي، أم نبحث عن أفقٍ جديد ننتصر فيه للإنسان، أياً كانت مواضعاته الإبداعية، فكرية كانت أم عينية، بما يضع الكُلّ (الأم، الأب، الحاكم، المحكوم، الراقصة، المفكّر، الروائي، الشاعر، المُترجم، النحّات، عامل البناء، المُمثل، المهندس، بائع الخضار... إلخ) في سياق تشاركي، تراحمي، يسعى إلى تحقيق قيمة الفردانية عبر إبداع ذاتي، لا يمكن له أن يكتمل على المستوى الحضاري إلا برؤية إبداعات الآخرين والفرح لها أيضاً؟
إذاً، بناء على ما سلف، نحنُ أمام سياق ضاغط؛ أعني سياق أفضلية أحد على حساب أحد آخر، كانت جذور شجرته قد انغرست في التربة العربية منذ زمن طويل، وها هو يتجلّى شجرة قبيحة ثمرها مُرّ ومُميت. لكن هذا ليس قَدَرَا لا يمكن زحزحته أو خلخلة بنيته، بل أمكن ببساطة تبديل نوعية التُربة التي تنمو فيها هذه الشجرة المُهلكة، فبَدَل أن ندخل في أحكام قيمة تنتصر لـ"الخلاص" الأحادي بصفته ملجأ ومُنجياً مما يحيط بنا، والاعتماد عليه في كل شيء، نذهب إلى "خُلاصات" كثيرة تنتصر للإبداع بمستوياته المختلفة، كائناً من كان مُبدعه.

التعليق