مؤشرات التطرف لدى الشباب

تم نشره في الجمعة 30 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:00 صباحاً

أسامة شحادة

مع استفحال مشكلة التطرف والإرهاب بين الشباب، أصبح من الضروري البحث عن حلول عملية استباقية لمواجهة المشكلة في بداياتها. من هنا جاءت مبادرة د. عبدالعزيز بن عبدالرحمن الهليل، لبحث ودراسة مؤشرات التطرف عند الشباب، في رسالته للدكتوراه التي تقدم بها للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة.
وهو لم يكتف بذلك، بل قام بتلخيص رسالته الأكاديمية لتخرج في كتاب متوسط الحجم يسهل تداوله في المجتمع، لكونها مؤشرات استباقية تخاطب الأسرة. وقد صدر الملخص في 80 صفحة من القطع المتوسط، ضمن سلسلة دراسات لمركز دلائل بالرياض عام 1437هـ.
فكرة الكتاب هي وضع بعض المؤشرات الفكرية والسلوكية التي تكشف للأسرة مبكراً عن تأثر أبنائها بفكر الغلو والتطرف، ما يساعد في سرعة العلاج والوقاية، قبل التورط الكامل بتقبل منظومة التطرف والغلو أو الأعمال الإرهابية.
وقد قامت الدراسة على بحث ميداني في المجتمع السعودي، من خلال استبانات أجاب عنها خبراء في التعامل مع أصحاب الفكر المتطرف، وبعض الموقوفين أمنيا على خلفية قضايا الغلو والتطرف، وبعض المتراجعين عن فكر الغلو. وبرغم خصوصيتها بدراسة الواقع السعودي، إلا أن في الدراسة مقدارا كبيرا مشتركا مع العديد من الدول والمجتمعات الأخرى.
بعد تحليل الاستبانات، وصل الباحث إلى مجموعة من المؤشرات التي يدلل وجودها على احتمالية وجود تأثر بفكر الغلو والتطرف، ما يستدعي اليقظة والمتابعة والوقاية والعلاج. وقد قسّمت هذه المؤشرات إلى أربعة مجالات: الاقتصادية، والاجتماعية، والنفسية، والفكرية، نعرضها هنا بإيجاز:
1 - المؤشرات الاقتصادية
- التغير في الوضع المالي؛ سلباً أو إيجاباً. إذ تختفي نقود الشاب من دون مبرر واضح، أو يغتني من دون سبب أيضا. أو التخلي عن بعض المقتنيات الثمينة أو ظهورها فجأة، وكذلك ممارسة أنشطة خيرية بطريقة غير رسمية أو واضحة.
- ممارسة أنشطة تجارية مشبوهة.
- العزوف عن العمل الحكومي مع توفره، والاتجاه نحو التجارة البسيطة؛ كبيع الخضار والعسل وما شابه، وتبرير ذلك بشبهات شرعية حول مشروعية العمل الحكومي.
- استغلال العمل الخيري لأعمال غير صحيحة، أو استباحة المال العام لصالح جهات أخرى.
2 - المؤشرات الاجتماعية
- عدم مشاركة الفرد في المناسبات الاجتماعية، وقلة الخلطة بالمنزل مع الأهل، ومرافقة أشخاص غير معروفين أو يبدو عليهم التشدد والغلو.
- قطع العلاقات والصداقات السابقة بطريقة مفاجئة.
- اتخاذ أصحاب جدد؛ في الواقع أو عبر الإنترنت، مشبوهين أو متشددين.
- الذهاب مع الغرباء في رحلات باسم الصيد؛ أو لصلاة الجمعة عند خطيب محدد لديه تشدد.
- عقوق الوالدين وقطيعة الرحم وكثرة المنازعات مع الأسرة، وتزايد النقد للوضع العام والعلماء والقادة.
3 - المؤشرات النفسية
- الانطوائية عن الأسرة والأصدقاء، ومتابعة مواقع الإنترنت المتشددة والغالية.
- التوتر والقلق والخوف عند ذكر أجهزة الأمن أو جرائم الغلاة.
- الوسواس والشك والاكتئاب، ما لم يكن لها سبب معروف.
- اختلال السلامة النفسية، وظهور سلوكيات غريبة؛ كإطالة الشعر وترك حسن المظهر.
وهنا يمكن أن نضيف مؤشرين يخصان المجتمع الأردني وما يشبهه:
- ارتداء اللباس الأفغاني أو غطاء الرأس بالألوان غير المألوفة (البني والرمادي والأخضر)، أو الطاقية السوداء (طاقية الزرقاوي).
- ترك الصلاة في المساجد، خاصة صلاة الجمعة وفي رمضان.
4 - المؤشرات الفكرية
- التكفير؛ للمجتمعات والدول والقادة، والجرأة على تكفير المعيّن، وتمني الانتقام منهم.
- الغلو بتقديس بعض رموز تيار العنف والقتال.
- تبني رؤية متطرفة تجاه الرياضة والبنوك والوطنية، والتركيز على السلبيات والتفسيق والتخوين.
- التشدد والميل للغلظة في القول والعمل والمعتقد.
- أحادية الرأي والتصلب فيه، ورفض آراء الآخرين.
- الاعتماد على الرؤى والأحلام وتحميلها أكثر مما تحتمل.
- إسقاط الرموز العلمية والشرعية والسياسية.
- التجرؤ على الفتوى مع عدم القدرة العلمية، خاصة في القضايا الكبرى.
- تتبّع الزلات وإشاعتها بهدف التنقيص من الدولة والعلماء وغيرهم ممن يعارضون أفكار الغلو والتطرف.
ونضيف بخصوص مجتمعنا المحلي:
- رفض العمل السياسي السلمي للإصلاح والتغيير.
هذه هي المؤشرات التي يجب أن تنبّه الأسرة إلى حدوث خلل لدى أي فرد فيها، وبما يستدعي تدخلها. علمًا أن للأسرة عدة أدوار؛ دوران منها قبل حدوث مشكلة الغلو والتطرف، هما:
1 - الدور البنائي: بدايةً بالتنشئة السليمة للأطفال، دينياً واجتماعياً؛ بتعليمهم مبادئ الإسلام الصحيحة المنافية للغلو والتطرف، والتفاعل الإيجابي مع الآخرين.
2 - الدور الوقائي: بترسيخ مفهوم التفكير النقدي للأفكار والسلوكيات، وإشاعة ثقافة الحوار بين أفراد الأسرة، ومتابعة صداقاتهم وقناعاتهم، وتوجيههم نحو عمل الخير والعلم النافع.
وهناك دوران آخران للأسرة بعد حدوث مشكلة الغلو والتطرف فيها، هما:
3 - الدور العلاجي: بالنصح والإرشاد بأسلوب حسن ومؤثر؛ وبيان النتائج السلبية لما يقوم به، وأنه مخالف لعادات الأسرة وتاريخها. كما تفنيد القناعات الخاطئة، ومحاولة إبعاد الشخص عن رفقائه، والعقاب إذا اقتضت الحال، ورفع الأمر للجهات المختصة إذا لزم الأمر.
4 - الدور الرعائي: وهذا يكون بعد عودته للأسرة لمتابعة إصلاحه؛ إذ عليها تشجيعه وتصبيره ومعاونته بالتفاؤل والمستقبل، وإشعاره بتقديره لذاته، وإظهار مشاعر العطف والتراحم، والحرص على مشاركته في المناسبات الاجتماعية.
إن مجتمعاتنا الحاضرة، والتي تعاني من مشكلة الغلو والتطرف، تحتاج إلى تلخيص مثل هذه الدراسات بأساليب متنوعة، وتعميمها على الأسر والآباء والأمهات، فلا تبقى حبيسة الجدران والأرفف في مكاتب المسؤولين. وذلك حتى نخطو فعلا نحو محاربة التطرف والغلو، وصيانة فلذات الأكباد من شرورهما.

التعليق